زيف الإعلام وحقائق الغربة

بقلم/
مصر : ۱٦-۱۲-۲۰۱۰ - ۷:۵۵ ص - نشر

زيف الإعلام وحقائق الغربةلم تكن غربة بالمعنى الكامل لأنى تركت وطنى (مصر) إلى بلد عربي (قطر) لا تفصلنا عنه مسافات كبيرة ولا لغة ولا دين، إلا أن هذا البلد كان مليئا بالجنسيات المختلفة وبالتالى اللغات واللهجات المختلفة للغة الواحدة وبالتعامل مع مواطنين من دول الجوار العربية، انكشف الوهم الذي انخدعت به طويلا رويدا رويدا، فلا العرب يضمرون فى أنفسهم غيرة من مصر ولا هم أيضا ينظرون لمصر نظرة متطلعة باعتبارها أكبر وأعظم دولة فى المنطقة.

وللأسف فقد عملت وسائل الإعلام المصرية على تكريس تلك المفاهيم في أذهاننا، حين تدفع بها مبررا لردود فعل بعض المواطنين العرب والتى تتسم بالعنف أحيانا تجاه بعض المصريين عقب مباريات كرة القدم مثلا.

ويبدو أننا رأينا الصورة ولكن مقلوبة، فما يفعله بعض الإخوة العرب ليس فعلا يستوجب منا الرد عليه بصرامة وعنف بل هو رد فعل لما ارتكبه بعض العاملين فى الحقل الإعلامى المصري من تضخيم للأنا المصرية على سائر إخواننا العرب مستندين فى لغتهم الإعلامية إلى عوامل جغرافية مثل كبر المساحة أو كثرة التعداد السكانى لمصر وهى عوامل لا تؤهل لقيادة الأمة العربية.

لعبة إعلامية

والغريب أن نفس هذه العوامل التي تعود ربما للطبيعة الجغرافية، تسوق للمصريين أنفسهم عبر الإعلام كمبرر لتردي الأحوال فى مصر والكدر الذى يعيش فيه المواطن المصري، ولكن بصيغة مختلفة فبدل من الفخر بمساحة وموقع مصر الجغرافي يتم التركيز على أن نسبة كبيرة من الأراضى المصرية صحراوية مقارنة بوادي النيل، بخلاف أن كثرة التعدداد يستخدمها الإعلام باستمرار على المستوى الحكومي والخاص على انها السبب الرئيسى فى ضعف موارد الأسرة وانخفاض مستوى معيشة الأفراد وارتفاع نسب البطالة وتردي المستويات الخدمية المقدمة للمواطن لاسيما في مجالات الصحة والتعليم وتوفير الحياة الكريمة.

أي أن نفس المسوغات يستخدمها بعض الإعلامين كسلاح ذو حدين في أيديهم، مما يعطى انطباعا بأننا أحيانا كشعوب نقع ضحايا لعب إعلامية لا يكون المقصد من ورائها سوى تحقيق النجاح الجماهيرى والالتفاف حولها خاصة فى الأزمات المصطنعة أو حتى الحقيقية منها ولكن بمزيد من التضخيم لها.

ولا يدرك القائمون على اللعبة الإعلامية أن الخسائر أكبر بكثير من مجرد ربح إعلامى لقلة منهم.

والحقيقة أني أدعو زملائي الإعلامين، لو كان لدعوتي صدى لديهم، بالكف عن استخدام هذا الوتر الحساس لدى المصريين والذي لا يزال يعمل وبكل قوة ويهب فى أية لحظة كالنار تأكل فى طريقها كل شئ، هذا الوتر هو الانتماء والوطنية، فهما لا يزالان بخير والحمد لله.

ولكني أخشى من كثرة استفزاز هذه المشاعر الوطنية لدى المصريين، لأسباب واهية وكاذبة حتى يفيق أهل وطني لا على حقيقة انهم ضحية خداع، إنما يتبرأوا من مشاعرهم الإيجابية نحو وطننهم ويكفروا بها بدعوى أنه يكفيهم ما هم فيه، وأن تصديهم لهذه الأزمات لن يرفع عن كاهلهم عبئ تأمين وسائل العيش، وإن كنت أدعوهم وبكل قوة لأن يتبرأوا مما يستثير وطنيتهم ضد إخوة لهم فى الدين والعروبة، بافتعال الأزمات أو تضخيمها أياً كان ظاهر الأحداث أو خطورتها كما تكرس لنا وسائل الإعلام، فلنسأل أنفسنا سؤالا لا يصلح للإجابة عليه سوى ضمائرنا، هل من الصعب علينا تجاوز الخلاف و لإساءة مع قلة قليلة من أبناء بلداننا العربية وأن نقدم مصر لهم مرة أخرى بصوررتها الحقيقية بعيدا عن الأنا المتضخمة، والأفاظ الكبيرة والعريقة وأم الدنيا وصاحبة الفضل على الجميع، ومثل تلك الكلمات.

فهل هذا صعب وقد جلوسنا لمائدة المفاوضات مع الأعداء وقتلة الأطفال، ودعوتنا المستمرة للسلام والتجاوز عن الإساءة أمر أسهل، فأي الأمرين أهون على النفس وأيهما احق بأن يتبع، والأهم من هذا وذالك أيهما أجدى وقابل للتحقق.

طبعا سأجد استنكارا لرفضى استخدام الإعلام المصرى لكلمات رنانة لوصف مصر مثل الكبيرة والرائدة والعريقة وطبعا لن أعدم من يتهمنى بقلة الانتماء، وهذا طبيعي فما أسهل تصدير الإتهام بدلامن التفكير فيما وراء الكلمات.

العزف على القيثارة

أنا أعلم أن مصر كبيرة وعظيمة وعريقة ولكن فلندع الآخرين يخلعون علينا هذه الصفات لأن هذا أصدق. ثم لماذا لا نهتم بعمل كل ما يمكن كى نجعل مصر تستعيد مكانتها التى تستحقها؟ فلنعزف على القيثارة بدلا من أن نصف جمال ألحانها، أنا أتألم وأنا أعترف بأن دور مصر فى المنطقة يتراجع ولكن يجب أن نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون وإلا كنا كمن يسير نائما أو كمن يتحدث إلى نفسه.

أعود لأؤكد أنه لولا الغربة ما استشعرت كل هذا وما كنت لأتاكد بنفسى كيف يحب الأشقاء العرب المصريين كثيرا. ربما لخفة الدم المعهودة وخلق النكتة من أي حديث كان، وربما لطلاقة الحديث وطيبة القلب، وتجدهم دائما يذكرون الفترات الزمنية التاريخية، حيث كان الوجود المصري فى الدول العربية بكل قوة، وكانت مصر بالفعل وقتها الشقيقة الكبرى كما يرون.

حتى أبناء قطر تعاملت مع الكثير منهم ولم أستشعر يوما محاولة أحدهم التقليل من شأن مصر أو رغبة فى إثبات تفوق قطر عليها، فاكتشفت أن هذه مباراة إعلامية – إعلامية متبادلة بين البلدين ربما ورائها أسباب أخرى، ولكن الأكيد أنه لا دخل لمشاعر كلا الشعبين بهذا.

وبالنسبة للجزائريين أيضا لم ألمس من أحدهم هجوما أو حتى تجريحا، على الرغم من أن الإعلام قد صور لى أن الجزائريين لو انفردوا بمصري على غير مرأى من أحد لقطوعه إربا، وكأنها حرب شنها الجزائريون على مصر. وطبعا هذا ما صوره إعلام كلا البلدين عقب حوادث مؤسفة جاءت إثر مباراة بين البلدين للمنافسة على التأهل لكأس العالم، وما فات قد فات ونسي من نسى، ثم جاءت قطر تمسح كل الكدر الزائف بفوزها باستضافة مونديال 2022.. فماذا كان رد الفعل العربى فى الشارع القطرى؟

تجمع كل العرب من الجنسيات كافة يرفعون أعلام بلدانهم فى سوق (واقف) التراثى الشهير بالدوحة.. ولسان حالهم يقول (كلنا قطر).. ولقد رأيت بعينى ساعتها العلم المصري بجاور العلم القطرى والعلم الجزائري.

ولهذا فلا يبقى للشعوب العربية سوى أن تستسلم لمشاعرها الفطرية فلا نضمر فى الصدور إلا كل الحب ولندع الإعلام يحقق مكاسبه بعيدا عن قلوبنا.

رقية الشرباصي قطر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

3 تعليقات

  • عبدالعزيز الساحلي

    انا لا اعلم كيف ننجر وراء "كيس مملوء بالهواء" وتصل الامور الى اعلى مستوى للبلدين؟؟

  • روزانا خيربك

    أنا زرت مصر في آب الماضي و وجدت الشعب مصري شعب طيب جداً و كريم و استقبلنا أفضل استقبال و بروح حلوة , ولكن أرى ان دور مصرالسياسي و الاقتصادي قد تراجع في المنطقة العربية للأسف , و نأمل أن تعود و تلعب دورها كأم الدنيا و كما تتمنين .
    تحياتي لك .

  • عائشة الجيار

    عزيزتي رقية، لم تكوني وحدك المكتشفة تلك الحقيقة "أن مصر مش ام الدنيا" فكل مصري يخرج خارج وطنه يكتشف تلك الحقيقة. لقد سافرت للمغرب ولمدينة جبلية رائعة لم اصدق نفسي انني في بلد عربي، بل انا في بلد اوربي، وعندما كانت موجة الحر تجتاح مصر كانت الثلوج والامطار تغازل تلك البلدة، سألت نفسي حينها لماذا اتبرمجنا ان احلى البلاد بلدي، وانها ام واجمل البلدان.
    ماذا لو كانت امي بدينه، غير جميلة، لكنها تظل امي وسأظل انتمي اليها، واحبها بدون تلك الادعاءات. احييك رقيه على مقالتك وهدفك.
    عائشة الجيار

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق