الإعلام وحقوق ذوي الإعاقة

مصر : ۲۹-۹-۲۰۱۳ - ۱۲:۳۳ م - نشر

تعد وسائل الإعلام في أي مجتمع المسؤول الأول عن صياغة ونشر وتوزيع الأخبار والمعلومات والأفكار والآراء، حيث تمثل أهم الوسائل الفاعلة في المجتمع، وتعتمد الحكومات والمؤسسات الحكومية والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات والهيئات ذات الصلة بالمجتمع وشرائحه على وسائل الإعلام الجماهيرية على اختلافها سواء كانت (صحافة مكتوبة ،إذاعة، تلفزيون، سينما) في الوصول إلى الجمهور المستهدف والمتلقي الرسالة الإعلامية لتحقيق الأهداف من الاتصال الإعلامي.

يختلف المجتمع في طبيعته وصفاته وتركيبته، والأشخاص من ذوي الإعاقة هم جزء لا يتجزأ من كيان المجتمع وعندما نتحدث عن علاقة الإعلام بالإعاقة ونصنفها بأنها علاقة تفاعلية ومسؤولية متبادلة فإن ذلك يعني أننا ندرك ونعي أهمية توظيف وسائل الإعلام في إثارة قضايا الأشخاص المعاقين في المجتمع، واستغلال هذه الوسائل في التوعية الشاملة لكل أفراد المجتمع فيما يتعلق بمفهوم الإعاقة وبضرورة دمج فئة المعاقين مجتمعيا، وضمان كامل حقوقهم الإنسانية والحياتية ليكونوا فاعلين كغيرهم من الأفراد غير المعاقين.

مع تطور القوانين الدولية التي تدعو إلى حماية الأشخاص من ذوي الإعاقة تغيرت المفاهيم بتزايد الاهتمام التوعوي بهذه الشريحة المجتمعية غير أن معظم الاهتمامات لم تتطرق إلى تفعيل دور وسائل الإعلام في خدمة قضايا الإعاقة بشكل عام.

مما لا شك فيه أنّ الإعلام يلعب دوراً مهماً إزاء قضايا وحقوق المعاقين يتجاوز القيام باستخدام لغة الإشارة للمعاقين الصم البكم في نشرات الأخبار المرئية، إلى دور يسهم في تغيير نظرة المجتمع نحو الإعاقة، وتقديمهم كبشر يتمتعون بكامل الحقوق التي يتمتع بها أقرانهم من غير المعاقين.

إن للإعلام دور في المساهمة في الترويج لقضايا وحقوق المعاقين باستخدام وسائل متعددة يبرز في مقدمتها تقديم المعلومات الصحيحة عن قضايا المعاقين، والحديث عن النماذج الناجحة منهم من الجنسين، وتغطية الأنشطة والفعاليات المتعلقة بهم بطريقة تستخدم الأساليب والمهارات الإعلامية التي تلفت انتباه المتلقين إلى حقوق هذه الشريحة المهمشة، والأهم من ذلك أن يمتلك الإعلام رؤية مستقبلية قادرة على التفاعل بايجابية مع قضايا المعاقين/ات خاصة وأنّ العالم الآن يعيش عصر الإعلام بامتياز.

الإعلام أصبح مؤثّراً وفاعلاً في حياة الناس عامة، ويمكن أن يغيّر القناعات أو يحرفها، وقادر على خلق قناعات جديدة، ومن هنا نشعر بقوّة الإعلام في تشجيع المعاقين وابراز دورهم، خاصة النساء من ذوات الإعاقة، لكونهن يعانين من ضغوطات مضاعفة تتعلق بكونهن نساء أولاً ومعاقات ثانياً، إضافة إلى حثّ أفراد المجتمع على الاهتمام بالمعاقين/ات وتشجيعهم/هنّ على مواصلة الحياة بثقة قائمة على احترام كرامتهم.

إنّ على الإعلام والقائمين عليه واجب في جذب اهتمام المسئولين وذوي العلاقة وصناع القرار إلى واجبهم نحو رعاية المعاقين والاهتمام بهم ودمجهم في المجتمع كواجب إنساني وأخلاقي وقانوني يستند إلى مشروعية حق المعاقين في فرص متكافئة مع غيرهم في مجالات الحياة كافة، في العيش بكرامة وحرية على قدم المساواة مع الآخرين.

إن المعاقين لم يختاروا أن يكونوا كذلك، وإنّ مبدأ المساواة وعدم التمييز الذي نص عليه القانون الأساس الفلسطيني، يقتضي قبولهم في المجتمع وانصهارهم وتفاعلهم في تفاصيل حياه المجتمع.

في الجانب الآخر، أظهرت الدراسات والبحوث أنّ الإعلام يتناول الإعاقة بشكل لم يصل إلى المستوى المطلوب للوصول للمناصرة والمطالبة الحقوقية في تغيير اتجاهات المجتمع وتغيير السياسات المتعلقة بالقانون في دمج الفئات من ذوي الإعاقة. وإنني أؤمن بشدة أنّ الإعلام يستطيع تحويل هذه القضية من نظرة الشفقة إلى دائرة التفاعل الايجابي في تقبلهم للتأثير على الرأي العام ودمجهم، خاصة وأن التكنولوجيا المهيمنة اليوم، أتاحت الفرصة للتواصل بين الناس بكل أشكالها المقروء والمكتوب والمسموع والمرئي ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة التي يمكن استثمارها في النهوض بواقع الأشخاص ذوي الإعاقة وحقوقها.

الإعاقة والإعلام الاجتماعي

فرضت شبكات التواصل الاجتماعي نفسها بقوة داخل الفضاء الإعلامي، بالنظر إلى قدرتها على التأثير في الرأي العام وتوجيه الأحداث وأحدثت ثورة جذرية في حياة الأشخاص من ذوي الإعاقة، حيث سمحت لهم باندماج أفضل وساهمت في تعزيز حريتهم في التعبير عن أفكارهم واستخدامها كوسيلة وأداة لإيصال رسائلهم وآرائهم إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس، بالإضافة إلى زيادة معارفهم ومفاهيمهم وهذا يعني زيادة في استقلاليتهم دون حواجز الإعاقة والحركة والانتقال. خاصة وأنه يتمتع بميزة سهولة الوصول إلى الجميع وقلة تكاليفه، ما يجعله ينتشر بسرعة، بالإضافة إلى إمكانية استخدامه من قبل الأشخاص والمؤسسات على حدٍ سواء، الأمر الذي يتيح تفاعلاً لا يمكن أن تحققه وسائل الإعلام التقليدية.

لقد بات من الواضح بروز أهمية الإعلام الاجتماعي (Social Media) وهو كما نعرف، من أحدث التطورات التي طرأت على الإنترنت وصاحبها ظهور العديد من وسائل الاتصال المتنوعة التي تتيح التفاعل بين المجموعات والأفراد بشكل أكبر بكثير من السابق، فقد أحدث نقلة نوعية وكبيرة في مجال الإعلام ووصل الأمر بالإعلام الحديث أو الاجتماعي أو البديل إلى كونه أصبح هو الفاعل والمؤثر الأقوى في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، كما أوجد معياراً أخلاقياً عالي المستوى، يدخل بشكل مباشر في المبادئ الإنسانية.

إن الإعلام الاجتماعي يشِّكل سلطة معرفية وأخلاقية، فتحت آفاقاً للأشخاص من ذوي الإعاقة، للتعبير بحرية بعيداً عن الرقابة وبمساحة واسعة ومفتوحة لمناقشة مختلف القضايا والأمور، التي تهم شؤونهم بمنتهى الحرية المطلقة، خاصة أنه يسهم في توعية المجتمع وأيضا ينقل صورة حقيقية وصادقة عن تحديات المعاقين ويبرز قدراتهم لجميع أفراد المجتمع، فهذه الوسائل الإعلامية الاجتماعية، باتت اليوم تلعب دوراً حيوياً في الأحداث اليومية، التي تدور حولنا في العالم ويكاد هذا الدور يصل إلى دور اللاعب الرئيس في تلك الأحداث، كما أنه يشكل اليوم عماداً أساسياً في بنية المؤسسات باختلاف أنواعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الحكومية منها وشبه الحكومية وغير الحكومية على حدٍ سواء، ولذلك كان لا بد من البحث الجدّي لمعرفة واقع الإعلام الاجتماعي في تناوله لقضايا الإعاقة ومدى اعتماد مؤسسات الإعاقة على وسائل الإعلام الاجتماعي في إيصال رسالتها وحجم استخدام الأشخاص من ذوي الإعاقة لهذه الوسائل. وليس خافياً على أحد هذا الانتشار المذهل الذي حققته هذه الوسائل في فترة قصيرة من الزمن لا تتعدى السنتين إذ بلغت نسبة مستخدمي موقع الفيسبوك على سبيل المثال فقط ١٢% من إجمالي سكان الوطن العربي، ٧٠% منهم من شريحة الشباب والعديد منهم من الأشخاص المعاقين الذين استفادوا من هذا التطور.

لذلك أيضاً، من المهم رصد واقع استخدام الأشخاص ذوي الإعاقة لوسائل الإعلام الاجتماعي ومدى تأثيرها على حياتهم وتسليط الضوء على نماذج وتجارب الأشخاص من ذوي الإعاقة مع الإعلام الاجتماعي والخروج بحلول عملية ومبادرات قابلة للتطبيق على المستوى الفردي والمؤسسي لتفعيل دور الإعلام الاجتماعي في قضايا الإعاقة وتعزيز استخدام الأشخاص من ذوي الإعاقة له بما يخدم ويسهل حياتهم العملية وهو ما يتحقق اليوم بالفعل، ولو بشكلٍ غير كامل.

أمام عجز الكثير من وسائل الإعلام التقليدية عن مواكبة التحولات الاجتماعية وقضاياها الملحة بصورة موضوعية، أضحت هذه الشبكات تعج بالمواقف والآراء الجريئة، بصورة جعلتها منبرا للدفاع عن الحقوق والحريات والتعريف بمختلف المشاكل الاجتماعية، بحيث غدا الإعلام بحق مسألة فردية وشخصية يمكن أن تتم من غير وسيط، كنا حتى وقت قريب نعتمد عليه ولن نستغني عنه لإيصال رسائلنا وتحقيق أهدافنا، ولكننا نطمح إلى تعزيز دور هذا الإعلام في خدمة قضايا الأشخاص من ذوي الإعاقة وفتح الباب أمام الأشخاص والمؤسسات للتعبير عن قضاياها ومتابعة حقوقها والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس في مختلف المناطق.

هنا علينا أن ننتبه إلى إن ما يدعم أداء شبكات التواصل الاجتماعي على مستوى دعم قضايا المعاقين هو القدرة على الاستثمار الجيد والموضوعي للحرية التي تتيحها شبكة الانترنت في هذا الصدد، بصورة موضوعية بعيدة عن التحريض والابتذال ونشر الكراهية من جهة، والتحديد الدقيق للأهداف المرجوة من جهة ثانية.

إن الإعلام الاجتماعي اليوم، يعتبر جزءاً مهماً في إيصال الرسالة الإعلامية، حيث يركز على الصعوبات والتحديات التي تواجه ذوي الإعاقة على اختلاف إعاقاتهم، لاسيما وأنّ ذوي الإعاقة يواجهون صعوبات في ممارسة حقوقهم الحياتية من خلال التوعية بكافة هذه القضايا عبر وسائل الإعلام الاجتماعي.

تـويـتـر

يعد من أهم وسائل الإعلام الاجتماعي ومن أفضل شبكات التواصل الاجتماعي وأفضل مواقع التعليقات القصيرة ويعد تويتر من أهم وسائل الإعلام الاجتماعي في تناول قضايا الإعاقة في بعض الدول العربية، ويبدو أن الإسهام العربي في المحتوى الرقمي لم يزل دون المستوى المأمول على الرغم من الدور الذي يمكن أن يؤديه في تمكين الأشخاص المعاقين، لذا من المهم تشجيع ودعم استخدام تويتر لكل الأفراد، خاصة الأشخاص من ذوي الإعاقة، حيث أن الخبرات المتاحة للتعلم والاستفادة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي متعددة ومتنوعة وينبغي هنا أيضاً الإشارة إلى ضرورة دعم مشاركة المرأة في وسائل الإعلام الاجتماعي حيث أظهرت الدراسات العربية والدولية ضعف مشاركة المرأة في المحتوى الرقمي العربي مقارنة بالرجل.

على الرغم من أنّ خبراء الإعلام يؤكدون وجود اهتمام عربي محدود بموضوع الإعاقة منوط بالمناسبات، كما يؤكدون افتقار محرري الصحف للمعرفة الواضحة بمسميات ومصطلحات الإعاقة الصحيحة ما قد يؤثر سلباً في اتجاهات جمهور القراء نحو الأشخاص المعاقين، خاصة في ظلّ وجود فجوة بين الإعلاميين والتربويين المتخصصين في مجال التربية الخاصة من حيث تبادل الآراء والخبرات.

الاهتمام بقضية المعاقين ليس ترفاً إعلامياً، ويجب ألّا يُنظر إليهم على أنهم شريحة صغيرة من المجتمع، بل هو واجب وطني وإنساني تمليه مصالح الوطن وحاجات المعاقين وحقوقهم.

التوصيات

  1. ضرورة وضع قضية الإعاقة والمعاقين من قبل المؤسسات الإعلامية المحلية على رأس أجندتها اليومية بحيث لا تكون قضية موسمية فقط
  2. تنوع الرسائل الإعلامية ومضمونها وأسلوبها، حسب الفئة المستهدفة والمستوى التعليمي، وأن تتركز الرسائل الإعلامية الأساسية على الأنشطة الداعمة لنجاح الرسائل الإعلامية وبالتالي الخطة الإعلامية، وأهمها تقديم البيانات والمعلومات الصحيحة عن الإعاقة للجمهور المستهدف
  3. رفع مستوى الوعي المجتمعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ونقل معاناتهم إلى الجهات المختصة والتي أوجدت بالأصل لخدمتهم ولحل مشاكلهم ومساعدتهم
  4. توسيع مساهمة وسائل الإعلام في تكريس الصورة الايجابية للمعاقين ذهنياً وتقليص الصورة السلبية
  5. استغلال الصحافة الاستقصائية، لإبراز معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة وإيصال صوتهم لما لهذا النوع من الفنون الصحفية من قدرة على خلق تأثير كبير يسهم على المدى البعيد في تغيير الصورة النمطية عن الأشخاص ذوي الإعاقة والمتعلقة بعدم قدرتهم أو عجزهم
  6. ضرورة أن يتناول الإعلام قضية الإعاقة من منطلق قضية حقوق إنسان مستمدة من القانون الفلسطيني
  7. إجراء المزيد من الدراسات المتخصصة في مجال الإعلام والإعاقة، لدراسة دور وسائل الإعلام في تغطية قضايا الإعاقة، وعلى رأسها رياضة المعاقين
  8. تأسيس لجنة خاصة بإعلام الإعاقة في الجمعيات المتخصصة بالإعلام، يشترك فيها إعلاميون ومتخصصون في التربية الخاصة
  9. إقامة دورات تدريبية وورش عمل مشتركة للعاملين في قطاعي الإعلام والتربية الخاصة، بما يساهم في تطوير الخبرات في مجالي الإعلام والإعاقة
  10. إقامة ملتقيات دورية للعاملين في مجال الإعلام والإعاقة لتبادل الأفكار حول المستجدات في مجال الإعاقة
  11. إعداد دليل بالمسميات والمصطلحات اللغوية الصحيحة التي يستوجب استخدامها من الإعلاميين فيما يتعلق بمجال الإعاقة
  12. ضرورة الإسراع للتطبيق الفعلي للقانون الخاص بالأشخاص ذوي الإعاقة
  13. تشكيل أجسام إعلامية من الإعلاميين وأشخاص ذوي إعاقة في التخطيط لمناصرة قضايا الإعاقة
  14. تشجيع الاعلامين/ات على إنتاج برامج ومواد إعلامية تناصر حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتظهر إبداعاتهم وقدراتهم
  15. تدريب مجموعات شبابية من أشخاص ذوي الإعاقة في مجالات إدارة الحملات الإعلام المختلفة
  16. عمل العديد من الورش حول هذا الموضوع تستهدف عدد أكبر من الاعلامين
  17. عمل حملة وطنية شاملة في التوعية المجتمعية مناصرة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتأهيل المجتمع للتقبل والاندماج.

دنيا الأمل إسماعيل فلسطين

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق