المكارثية العربية الجديدة

المكارثية العربية الجديدة

لا شك أن طبيعة التكوين الثقافي للعقل العربي، والعقل المصري جزء منه، تميل لاحتكار الحقيقة والاستئثار بها، وهي المكارثية العربية الجديدة، وذلك نتيجة عقود من التجريف الثقافي المتواصلة وسيادة بروباجندا تعلي من قيم الشيفونية والانتصارات الزائفة، بدءاً من صيحات الاذاعي المخضرم "أحمد سعيد" في صوت العرب معلناً اسقاط وتدمير ترسانة العدو، وليس أخيراً بالصحاف العراقي وغيره الكثير.

واهم من يعتقد أن هذه الحقبة البائسة انتهت، فالنظم السياسية في دول العالم الثالث تعتاش على تقسيم الناس لموالين وصالحين، هم اتباعها وجنودها، وهم الدببة التي تقتل صاحبها، وبين معارضين خونة أصحاب أجندات، فلا مكان لناصح أمين في أتون المعارك الوهمية التي لا تنتهي، رغم ان أكبر معركة هي الانتاج والتعمير وتطبيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وصون كرامتهم، وهذا هو لب النظم الديمقراطية وواجب الوقت.

على عقلاء الوطن أن يوأدوا المكارثية التي تزدهر بقوة هذه الايام، فقد أنشأها السيناتور الأمريكى "جوزيف مكارثي" وامتدت لعشر سنوات من عام ١٩٤٠ وحتى ١٩٥٠، اتهموا كل من يختلف معهم بالعمالة للشيوعية، وهم من العلماء والشعراء والكتاب والروائيين والفنانين العظام مثل شارلى شابلن، وبريتولد بريخت، وآرثر ميلر، وجريجورى بيك، وهمفري بوجارت، وفرانك سيناترا، وجيمس ستيوارت، وجين كيلي، وريتا هيورث، وآفا جاردنر، وداني كاي، وغيرهم. ونعتوهم بالانقياد للعدو الأزلي للولايات المتحدة وهو الاتحاد السوفيتي فأعدوا قوائم لكل من ينادي بالإصلاح ورفع المظالم توصمهم بالخيانة والعمالة للفكر الشيوعي الأحمر.

راح ضحية تلك الحملة أكثر من مائتي شخص تم الزج بهم في السجون، فضلا عما يزيد على ١٠ آلاف تم طردهم من وظائفهم والتنكيل بهم وفق تهم ملفقة ومن هؤلاء مارتن لوثر كينج وألبرت أينشتاين وآرثر ميللر وتشارلي تشابلن.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
مصادرة حرية الفكر والإبداع

دلسوا على الشعب الامريكي وجعلوا الوطنية والوطن شماعة لنشر أفكارهم، فمن يؤمن بجميع أفكارهم هو وطني، ومن يختلف معهم هو دون شك عميل وخائن. اكتشف المجتمع الأمريكي خطورة تلك الظاهرة لأنها كانت تقوده للفشل والانغلاق بل والاحتراب الأهلي، وسريعا وأدوها. بل جرت محاكمة جوزف مكارثي أيضا بتهمة التزوير والفساد، فانتهى مدمنا على تعاطي المخدرات ومات وهو لم يبلغ بعد عتبة الخمسين عاما.

انتشر تيار يوزع صكوك الوطنية بهواه وينعت الرأي الآخر بالعمالة والخيانة، ولا مانع بالاتهامات المعلبة بالانتماء للإخوان، حتى لو كان يساريا أو مسيحياً، حتى تحولت هذه الدوجما المسمومة إلى حالةٍ من الإرهاب الفكري، شملت كل مخالف، حتى لو كان الاختلاف مبنياً على أساسٍ واقعي أو سندٍ قانوني، فالانتهاكات والتهديدات واجب وطني إذا ما أبدى صاحب رأي أو فكر أي رفضٍ لِما يدور حوله، بينما وصل بعضهم حد المطالبة بالإعدامات والمناداة بالتطهير والمحاكمة العسكرية لكل من يغرد خارج السرب أو يطالب بحقوق الأطباء مثلا في حماية كاملة لهم ودعم لوجيستي وشعبي لهم كخط دفاع أول فى مواجهة عدو قاتل وفيرس لعين.

يقول الكاتب الفرنسي “جوستاف لوبون” في كتابه سيكولوجية الجماهير “أما الذين لا يُشاطرون الجماهير إعجابهم بكلام الزعيم يعتبرونهم هُم الأعداء”، منطق جماهيري قديم لا يعرف غير الولاء المطلق للحاكم، ووَصْم كل مخالف لسياسته بالخيانة وعدم الوطنية، إن حرية الرأي ليست جريمة، والاختلاف في الرؤى والمواقف ليس دليل خيانة، بل إن الخيانة الحقيقية هي تجميل الفساد، وتبرير العدوان، والتنكّر لِما يَمُر به الوطن من أزماتٍ طاحنة والتضيق في الحريات، تحت ذرائع واهية، فالأنظمة المستبدّة تتفنّن في صناعة عدوٍ لها من أجل البقاء في شرعيتها الزائفة، والحفاظ على تماسكها والسيطرة على الجماهير، ويساعدهم في ذلك كافة الشرائح من كافة المجالات.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
اليهودي الذي ندد بالصهيونية

لم يعلم هؤلاء أن الإساءة الحقيقية للوطن أن تسمح لرأي واحد فقط، الإساءة الحقيقية للوطن أن تفقد الأصوات المحبة لتراب هذا الوطن، في وطننا الإساءة الحقيقية أن يعود الاتحاد الاشتراكي مرة أخرى كمنبر وحيد للتعبير عن الآراء وما عداه فهو عميل، الاساءة الحقيقية للوطن أن تتكرر الهزائم والنكسات في المجالات العسكرية والطبية والمجتمعية والاقتصادية نتيجة غياب الشفافية وانعدادم المحاسبة وسيادة ثقافة القطيع في التهليل والتطبيل.

العقلية الاحادية "المكارثية" لا تقل خطورة عن الفكر التكفيري أو الداعشي فهما وجهان قبيحان لعملة واحدة.

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x