لماذا نعيش هذه المشقة؟

بقلم/ محمد خطاب
مصر : ۲۲-۹-۲۰۱۸ - ۷:۲٦ م - نشر

منذ سنوات عديدة وجدت لنفسي هواية مفضلة وهي التأمل، ولكني لم أجد بالعالم المحيط أعجب من البشر أنفسهم، وان كان الكون ملئ بالمذهلات المثيرات للتفكر إلا أن الكائنات البشرية العاقلة المدركة المُختارة المُكرمة المُتخيرة، أصحاب إمتياز الإرادة والادراك والابداع والإصلاح، والإفساد إن أرادوا، والتعمير أو التخريب كما تسول لهم انفسهم، المتشابهون في كم لا يُعد ولا يحصى من الصفات والمختلفون تماما في كم مثله، حتى الذين جُمعوا في رحم واحد سويا كل فرد له خصائصه المُميِزة وتفرده الخاص به، بكل المعايير لم يحتل البشر المرتبة الأولى في قائمة المثيرات للتأمل فحسب بل كان البشر في كفة وكل ما بالكون، برغم ما بالكون من إعجاز ومن عجائب في كفة.

كان من الطبيعي والمنطقي والاعتيادي أن يعيش البشر حياة مذهله تتناسب مع قدراتهم على التفكير والإرادة والابداع والتطوير ولكن ليست هكذا تجري الأمور، البشر في حاله من العته الواضح، في الكفة الاخرى تجد الكون كل ما بالكون يسير متناغم بشدة في غاية التناسق والدقة حتى على هذه الأرض التي تحوي البشر وملايين من الكائنات غير العاقلة، والتي بالطبع أدنى من البشر، لا تجد هذا العته الجالب للمشقه كما عند البشر، الأمر أبسط وأيسر وأكثر أماناً وتناسقاً وأريحية من البشر، بل الأغرب من ذاك اننا بتنا نتعامل مع هذه الحياة بهكذا شكل وكأنها من طبائع الأمور، هل استخدم البشر قدرتهم المُمِيزة على التفكير لجعل الحياة أكثر مشقة؟

في البدء كان آدم -عليه السلام- ثم حواء وكنا جميعا في ظهره ومن قبل لم نك شيئا، وآدم أبونا جميعا قد تلقى الدرس نظرياً وعمليا فعاش في الجنة ولم يُطلب منه شيئا إلا أن لا يأكل من شجرة واحدة، جنة ملئانة بشتى أنواع الشجر وشجرة واحدة ممنوعة، ويقربها ويأكل منها ناسياً التحذير متبعاً وسوسة اللعين، ولا لوم.

وتعلم آدم الدرس وعلمه ذُريته الأقربين وذُريته علموه لذرياتهم حتى نسوا أو تناسوا إلى أن وصل الأمر لسيدنا نوح -عليه السلام- والطوفان وهلاك من بالأرض جميعا ممن كفروا وتاريخ طويل للبشر منهم من تعلموا وتذكروا ورُدوا إلى الجنة مسكن أبيهم القديم، ومنهم من جهلوا وتناسوا ورُدوا في أسفل سافلين.

للبشر تاريخ طويل حقاً، ولكن الدرس الأول تعاملنا معه بأعجب الأعاجيب، كان من المنطقي جدا ومن البديهي أن نستخلص من هذا الدرس الأعظم سر النجاه للبشرية وتحقيق حداً، لا نقول أدنى وانما حداً متوسطاً، من السعادة والخيرية والتراضي والمعايشة السلمية، لم نكن لنضطر بالاصل لاستخدام مصطلح المعايشة السلمية لأننا ماكنا سنعرف معايشة غير سلمية، كيف نحن اذاً تعاملنا مع هذا الدرس الأول، وما العلاقة أيضا بين هذا الدرس والمشقة التي نحياها وجلبناها لأنفسنا جلباناً؟

تشدقنا بـ"لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة". ملأنا أفواهنا "بان الدين علاقه بين العبد وربه ولا يجوز أن تتعدى هذه العلاقه للمجتمع". ابتكرنا "المذاهب الفكرية التي لم ولن تعرف الاخلاق ولن تعترف بها". عدًلنا "مذاهبنا الفكرية بعدما خارت دولاً تبنت الأشتراكية وتصورنا ان الليبرالية هي التي ستنجح ولم تفلح فاعتدمنا الرأسمالية لعلها تنجو". وضعنا "الديموقراطية في منزلة الأديان السماوية" وغَرتنا الفكرة، الغرور بأنها حكم الشعب نفسه بنفسه -بالأغلبي’- ثم اكتشفنا أن الأغلبية ربما لاتعلم الصواب وربما غيبت عقولهم وتحكم في قراراتهم واختياراتهم وسائل الاعلام التي تحسن التوجيه والتي طالما كانت خادما لمالكها صاحب رأس المال الذى يبحث عن السلطة عن طريق استغلال وسائل الاعلام المملوكة له في توجيه رأى الناس لاختيار ما يخدم مصالحه وأولياؤه.

العجيب أن جميع المذاهب الفكرية والغالبية العُظمى من الدساتير والقوانين اتفقت على مبدأ واحد، في بلدان مختلفة الأعراق والثقافات والمرجعيات: مبدأ وحيد اتفقوا عليه جميعا بل ويدافعون عنه بحده تصل لحد الاستماته، ألا وهو مبدأ تنحية الدين جانبا. لصالح من يصب ذلك المبدأ -مبدأ تنحية الدين جانبا- أوليس وبكل وضوح يصب في مصلحة ابليس العدو الدائم للبشرية كما تعلمنا من الدرس الأول؟ ولكن ما الذي دفع البشرية لتبني هذا المبدأ والاتفاق عليه ضمنيا وتطبيقه بكل اعتيادية وكأن هذا هو الصواب، وكأن هذه هي طبيعة الأمور.

بالعودة إلى التاريخ البشرى الطويل سنسلط الضوء على فتره عصور الظلام التي كانت في أوروبا، العصور الوسطى. كانت أوروبا تعيش في أسوء حالات الجهل والتخلف وتسيطر عليهم الخرافات وكانت تحكمهم سلطات ملكية وكنسية وكانت الكنيسة الحاكمة عليهم سبباً أساسياً في حالة الجهل والظلمات التي عاشوها وكانت تقتل العلماء، لأن العلماء ابحاثهم كانت تخالف ما تقوله الكنيسة ومحاكم التفتيش وكانت تقتطع الأراضي وتفرض الاتاوة وتخبر الناس بأن البابا، كما يسمونه ولا أدري معنى هذه التسمية ولا أصلها، يحكم باسم الرب ويملك صكوك الغفران وما إلى ذلك من تراهات تسببت في إغراق أوروبا في بحر لجي يغشى بعضه بعضاً من الظلمات، إلى أن وصل الفتح الإسلامي إلى الاندلس التي لازالت عامرة بالمساجد وتناقل سكان الاندلس الثقافة من المسلمين التي عبرت إلى سكان أوروبا الذين اكتشفوا ان هناك دين آخر يوفر لهم حياه أكثر كرامة وإنسانية ورفعة وحدث الانقلاب على الكنيسة Yلى ان وصلت أوروبا الى ما يُعرف بالثورة العلمية وخرجت أوروبا بنهضة علميه مُميزة،  كان من الطبيعي ان يتبعوا دين الإسلام ولكن كانت فرصه لابليس ان يخرجهم من فكرة التدين كُلياً وخاصةً وهم في حالة معاناه من الكنيسة.

واقتنع كل أهل هذه النهضة العلمية بأن الكنيسة، رمز الدين عندهم، سببا في الجهل وأن العلم يضاد الدين، الدين عندهم هم في الكنيسه في العصور الوسطى، ورسخوا مصطلح العِلمانية كأنه يعني اللادينية، معهم كل الحق، العلم ضد الدين في دينهم هم وبالأحرى فيما كانت تصنعه الكنيسة من ممارسات باسم الدين، لأن النصرانية براء من هذه الممارسات بالطبع، ولكن ما خطيئتنا نحن ونحن مؤمنون بدين آيات الدعوة فيه إلى العلم والتأمل والتفكر والتدبر أكثر من آيات الدعوة إلى الإيمان.

العلم كلما تطور وتعاظم نكتشف أن في القرآن الكريم غزير الاعجاز في شتى أنواع العلوم، ثم تُخبرنا الحكومات بأنه لابد وأن نُنحى الدين جانبا وأنه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة وأن العِلمانية ترادف اللادينية، لصالح من؟ وهل نحن الذين خلقنا أنفسنا حتى نتصور بأننا نسطع ان نضع منهاجاً ودستوراً لنا؟ وهل نحن الذين نتصور فعلا أن الدين يضاد العلم كما ورثنا من أوروبا في العصور الوسطى؟ وهل نحن الذين نتخيل حقاً أن بالأمم المتحدة سنضع حداً لشقاء البشرية ونستنقذها؟ وهل نحن الذين سنحيا بهذا الشقاء أجيال بعد أجيال؟

أولم يأن للذين آمنوا ان تخشع عقولهم لذكر الله لمنهج الله ويصطف العلماء المسلمين، وقطعا على عاتق المسلمين تقع المسؤلية، صفا واحداً موجهين الدعوه صراحة لكآفة العلماء من مختلف الاختصاصات والديانات ليبحثوا بكل وضوح عن السبب الأسمى لوجود البشر، والذي لن يدركوه قطعا الا بعد الاتفاق على أى دين هو الحق وما سواه باطل، ليبحثوا السبب الرئيسي في شقاء البشر بهذا الشكل البائس ويبحثوا سبيل النجاة.

أليس من الممكن ان نستيقظ باكرا لنجد لجنة التحاور مع الفاتيكان المكلفة من قِبل الأزهر الشريف عدلت مسارها وطالبت الفاتيكان بالإثبات الواضح انهم بدينهم هم على الحق ونحن الذين على الباطل أو الاعتراف الصريح بالعكس وإنقاذ المليارات من البشر من العيش وهم مخطئون في اهم ركيزه لحيواتهم وهو المعتقد الديني؟

أليس من الممكن أن نجد من يُسائل منظمة الأمم المتحدة لماذا بالرغم من مخططتاكم المُتميزة جدا وتشعبكم في كآفة الدول وكلماتكم المليئة بتوفير السلم والأمن وشعاركم الرنان، شعوبا متحدة من اجل امما افضل، وميثاقكم المتميز لازلنا نرى الحروب والقتل وشتى سبل الافساد والفيتو؟

أليس من الممكن ان نجد الأمم استطاعت سبيلا للعيش بسلام حقا واندثرت الصراعات التي دامت دهرا من بعد دهر. نحن الذين لم نهن على الأرض وامتنعت عن اخراج الزروع والثمرات سخطاً علينا ولكنا هانت علينا الأرض وافسدناها عمداً نحن الذين لم نهن على البحار فمنعتنا ما بها من لحماً طرياً، ولكنا افسدناها افساداً ولو تُركت للأرض والجبال والبحار حرية التصرف لأهلكتنا بغير تردد، ولكنا لم نهن على خالقنا برغم العته والجحود والنكران حالا تعمدنا اختياره.

عجائب الدنيا السبع:

١. لقد خلقنا الله ومع ذلك بعض البشر كانوا يعبدون الأوثان بل ويقاتلون من يدعوهم للدين الحق.

٢. نسينا الدرس الأول، تناسينا تماما ان للبشرية عدو لدود يتربص بهم بل اننا لا نستطيع ان نتكلم بهذا وبتنا لا يجوز ان تدعو حكومة او منظمه لوضع عداوة ابليس وذريته للبشر ضمن حساباتها.

٣. يؤمن البعض بان الكون مجرد صدفه والانسان العاقل مجرد نتيجه للتطور، الانتخاب، برغم خطأ هذه النظرية بكافة المباحث العلميه ويدافعون باستماتة.

٤. لم نخلق انفسنا ولا نستطيع ولا حتى ان نخلق ذباب’، ومع ذلك وضعنا القوانين والمذاهب والأحكام، أليس من الأولى ان يصيغ خالق الشئ القانون لهذا الشئ؟ أليس مانصنعه جحودا؟

٥. في الحروب المنتشرة في الكثير من البقاع نرى منظمات للسلام عدة وذات نفوذ، ودائما وأبدا لايطرح احد السؤال كيف يصل السلاح لتلك المنظمات الانفصالية والارهابية في البلاد الافريقية والعربية، تاجر السلاح وراعي الحروب ومُشعل فتيلها اقوى من الأمم المتحدة، السؤال حتى لا يُطرح في وسائل الاعلام.

٦. تخاذلنا وهنا نحن المسلمون، برغم ما قاله لنا الحق سبحانه وتعالى، تصرفنا وكأننا لم نصدقه وصدقنا في الأسباب وتركنا اأامر لأراذلنا وكأننا لسنا المخاطبون بانا المستخلفون في الأرض والمسئولون عن الإصلاح والتعمير، تركنا عبدة الذهب والفضة يتحكمون في شعوب الأرض.

٧. الكون وكل ما بالكون يدور باتجاه عكس عقارب الساعة، أليست الساعة تدور بالاتجاه الخاطئ؟

محمد خطابEgypt, Cairo Governorate

Copyright © 2018 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق