كشف حساب (١) الليبرالية غير الديمقراطية وظاهرة البلاك بلوك

بقلم/
مصر : ۲۹-۱-۲۰۱۳ - ۹:۱۰ ص - نشر

كشف حساب (١) الليبراليةتناول الكاتب والمفكر الأمريكي فريد زكريا الأبعاد المختلفة للديمقراطية في كتابه الديمقراطية غير الليبرالية في الوطن والخارج، مشيراً إلى أن هناك نوعين من الديمقراطية أحدهما ليبرالي والآخر غير ليبرالي، لافتاً إلى أن ثمة خلط كبير في الأذهان بينهما، وأنهما قد نشئا منفصلين عن بعضهما عبر قرون من التاريخ الغربي حيث أتت الحرية أولاً ثم تلتها الديمقراطية.

في حقيقة الأمر فإنني أختلف معه خاصة بعد ما شهده عدد من دول الشروق الأوسط من محاولات الإنتقال الديمقراطي، حيث لوحظت سلوكيات غير ديمقراطية ممن يدعون الليبرالية، لذا أفضل أن أطلق على هذه الظاهرة "الليبرالية غير الديمقراطية" التي تعني قيام عدد من الرموز والحركات التي تُعرف نفسها بأنها حركات وقيادات ليبرالية إلا أنها لا تدرك معنى ما تنادي به ولا تلتزم بقواعد الليبرالية في سلوكياتها ومواقفها السياسية.

فمن ناحية، يدعو الليبراليون غير الديمقراطيون إلى إحترام قواعد الشرعية وركائز الديمقراطية ونتائج الصندوق الإنتخابي، لكن عندما ينتج هذا الصندوق رموزاً غير محبذة لهم فإنهم لا يحترمونه ويتجملون ببعض التصريحات، إلا أن سلوكياتهم السياسية ومعالجتهم للقضايا تؤكد عدم صدق نواياهم وأن الليبرالية تعني في إدراكهم تقبل ما يحلوا لهم ويأتي في صالحهم وما غير ذلك لا يُعد ليبرالياً، وأذكر هنا على سبيل المثال ما تشهده الساحة المصرية الآن في الذكرى الثانية للثورة حيث عمل العديد من العناصر التي تدعي الليبرالية على شحن روح الشباب الثوري لإدخاله في صدام مباشر مع النظام الحاكم لإسقاطه لتقوم هذه العناصر بإعتلاء رأس السلطة.

إن حركة البلاك بلوك وما تتبعه من أعمال عنف وبلطجة تلوث جدوى وقيمة التظاهرات السلمية، وإنتشارها في المحافظات الحضرية في مصر كالقاهرة والجيزة والأسكندرية وبورسعيد والمنيا، وتحركها في مجموعات منظمة بزي رسمي، ناهيك عن قدرتها التمويلية وحصولها على الأسلحة التي تحملها، وقدرتها على التواصل الإعلامي، وما تحمله من فكر، كل هذه دلالات على أن وراء هذه الحركة من يتنمون للفكر الغربي ممن يدخولون في دوائر الترويج للديمقراطية الغربية، وممن لديهم مصلحة في عدم إستقرار الدولة المصرية، ويسعون إلى إسقاط النظام تحت دعوات "دمقراطة العنف". ومن الداعي للدهشة أن تقوم العديد من القنوات التليفزيونة بإستضافة عناصر من هذه الحركة والترويج لها وكأنها أحد الحركات القيادية الثورية؟

أتعجب من إستاذ للعلوم السياسية يدعي الليبرالية والديمقراطية، وفي ذات الوقت يطالب بتشكيل حكومة إنقاذ وطني، وطرح مبادرات ووثائق إستغلالاً لإضطرابات أمنية لتحقيق ما يدعو إليه من مطالب، وعلى رأس هذه المطالب نقل سلطة الرئيس إلى المحكمة الدستورية العليا، وكأن الرئيس لم يكن منتخباً؟ وهنا أتساءل: هل هذا يُعد سلوكاً ليبرالياً وإحتراماً للصندوق الإنتخابي؟

إذا إستمرت هذه السلوكيات غير الليبرالية ممن يمثلون الليبرالية في مصر، فلا أمل لهم في الحصول على المصداقية مع المواطن المصري، ولا إمكانية في وصولهم للسلطة، فالمراهقة السياسية التي تشهدها الساحة المصرية الآن تدول على تعطش البعض للمناصب السياسية وأنهم لا يستطعون الوصول إليها عبر الصندوق الإنتخابي، لذا لجأوا إلى ما يسموه بدمقراطة العنف محاولين العودة إلى يوم تنحي الرئيس المخلوع وتسلم الجيش زمام الأمور السياسية، في محاولة لأن يكرروا هذا السيناريو الآن آملين في اسقاط النظام الحالي وإدارة شؤون البلاد، لكن نظرا لأنهم مستجدون على الساحة ونظراً لندرة خبرتهم السياسية وإستقطابهم لبعض الرموز غير الجيدة التي لا تعرف سوى العنف والنفاق، فضلاً عن دخول المتاجرين إلى عالم السياسة، فسيؤدي كل هذا إلى تلاشي شعبيتهم وكشف غطاءهم أمام المجتمع، فهم غير مدركين لقوة من يقفون أمامه ويدفعونه إلى الرد بالعنف حتى تسقط شرعيته ولا يعلمون أن النظام السابق لم يستطع دفعهم لذلك نظراً لمهارتهم في ضبط النفس.

الليبرالية هي المحطة الرابعة لركائز الديمقراطية ونتيجة متراكمة تأتي بعد المدنية والعقد الإجتماعي والتنوير، وما ينتجه رموز القوى السياسية الآن لا يعكس على الإطلاق إحتراماً لقواعد المدنية أو العقد الإجتماعي أو حتى تمتعهم بالتنوير وهو ما يؤكد أنها ليبرالية غير مكتملة وغير ديمقراطية.

أدعو كافة القوى السياسية إلى إحترام ركائز وقواعد الديمقراطية والعمل على فض أعمال العنف حفاظاً على أرواح الأبرياء وحفاظاً على دولة عاشت تبهر العالم بأنها منبع الأمن والأمان.

وفاء داودمصر

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق