الإرهاب الحلال: مصطلح يوحد الضدين في سوريا

مصر : ۱۵-۸-۲۰۱۲ - ۱۰:۲۲ ص - نشر

ناقشت هيئة الأمم المتحدة مؤخراً مشروع قرار للملكة العربية السعودية لإدانة استخدام الأسلحة الثقيلة في سوريا وأدلى الدكتور بشار الجعفري مندوب سوريا بدلوه بين جموع دولية حيث كان من الملفت في حديثه واكثر ما تناقلته وسائل الإعلام بعد ذلك هو مصطلح "الإرهاب الحلال" الذي قفز إلى الساحة الإعلامية من خطاب الجعفري وبدأت بدورها التعليق والفتاوى والتحليل والتحريم ولعل هذا المصطلح لحظة سماعي له لم يأخذ من اهتمامي ذلك الحيز إلا أنه خرج من وثيقة سورية رسمية على لسان ممثلها للعالم فوجب التمحيص.

في الحقيقة أذكر الآن أن سوريا وعبر قنواتها الإعلامية الرسمية والخاصة في أولى فترات الثورة السورية شنت حملة كبيرة على بعض علماء الدين الذين إستنكروا أعمالاً إجرامية قالو أنها تحدث في سوريا وردوا على ذلك بتحليل الجهاد أو كما أطلق عليه الشيخ القرضاوي "الإرهاب الحلال"، هذا هو مصدر الكلمة التي إستخدمها الجعفري في مجلس الأمن في وثيقته الرسمية، فتوى دينية تشجع المسلمين على الانضمام إلى حركات التحرر الوطني كما يسميها الشيخ، ومع العلم أن الهدف قد يكون نبيلاً، وما أقل حاجتنا لمثل هذه الفتاوى ومثل هذا الدعم خاصة وأن الأحداث بدأت في سوريا سلمية ولم تكن بحاجة لتحميلها عنف خارجي، وحركات التحرر الوطني هذه هي من وجهة نطر النظام السوري هي مجموعات إرهابية مسلحة وعليه مكافحتها وبالتالي، هي "إرهاب محرم" ولا يجوز الفتوى في مثل هذا النوع من الإرهاب، فوقف كل من الجانبين كعدويين أو نديين.

ويمكن القول أن خلافاً فقهياً سياسياً وقع حول تقرير المصير وكان موجوداً قبل وضع ميثاق الأمم المتحدة وبصدور ميثاق الأمم المتحدة ونصه على تقرير المصير في المادتين 1/2 و55 منه، إتجه جانب كبير من الفقه الدولي إلى إعتباره حقاً قانونياً وليس مجرد مبدأ سياسي، ولذلك ذهب البعض إلى القول بأن "مبدأ تقرير المصير للشعوب قد تحول من مبدأ سياسي إلى مبدأ قانوني" وعلى الأرجح فقد تحول أيضا من مبدأ قانوني إلى حق قانوني ثم أجاز الفقه الدولي للشعوب إستخدام القوة لإستخلاص هذا الحق في حال الإعتداء عليها، وذلك للحصول على حقها في تقرير المصير بكافة السبل.

بالإضافة لذلك فقد أعطت الجمعية العامة للأمم المتحدة للشعوب، لأول مرة، في عام 1970، الحق في إستخدام الكفاح المسلح وصولاً لحق تقرير المصير، وقد أعادت التأكيد على هذا الحق في كثير من القرارات، إذ لا تعتبر أعمال العنف التي تصدر عن حركات التحرر الوطني أعمالاً إرهابية، لأن هناك فرق بين الحركات الإرهابية وحركات التحرر الوطني، ففي حركات التحرر الوطني نجد أن هناك رغبة عارمة لدى أفراد الشعب بمختلف طبقاته وإتجاهاته للإنضمام إليها، من أجل ممارسة المقاومة الشعبية ضد المعتدي، في حين أن المنخرطين في الجماعات الإرهابية، هم قلة من أفراد المجتمع الناقمين على الأوضاع السائدة فيه، ولا يمثلون بحال من الأحوال قطاعاً عريضاً من الشعب.

أما الحديث عن "خلاف فقهي ديني" فهو غير وارد أبداً، إذ رفض الإسلام رفضاً كليّاً الإرهاب بجميع أشكاله وألوانه وصوره، لأنه قائم على الإثم والعدوان وترويع الآمنين وتدمير مصالحهم ومنافعهم ومقومات حياتهم والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم وكرامتهم الإنسانية، ولأنه اعتداء موجه ضد الأبرياء المعصومين من الرجال والنساء والأطفال، أو تهديد بهذا الإعتداء، أو أية وسيلة أخرى من وسائل الاعتداء، أو إخلال وسلب أمن المجتمع وطمأنينته، بعد العديد من المطالبات والكثير من النقاش منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، حسمت هيئة "كبار العلماء"، أعلى سلطة دينية في السعودية، واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مكافحة الإرهاب، بإصدارها تعريفا "وصفيا" للإرهاب وتجريمه بناء على "التعريف" الذي قدمته في فتوى "مهمة وغير مسبوقة" وكان كبار العلماء البالغ عددهم 20 عضواً قد إجتمعوا برئاسة المفتي العام، واستندوا في فتواهم على النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية التي تتفق جميعها على تجريم دعم الإرهاب والإفساد في الأرض، فضلاً عن الإيواء والمعاونة والتستر والتنظير الفكري والدعم المادي والمعنوي الذي يدعم هذا النوع من الأعمال.

لكن المثقف المسلم أو العربي، يجد نفسه في حلقة إرهابية مفرغة، فهو ضحية الإرهاب المصدر اليه من الغرب بأشكال وألوان مختلفة، وهو في نفس الوقت ضحية "فتاوى" تحث وتحرض على الإرهاب بأسوء أنواعه، إنه الإرهاب الذي ينطلق من تكفير الآخر وإباحة دمه وعرضه وماله، وهذا هو "الإرهاب الحلال" الذي تكلم عنه الشيخ القرضاوي وأعاده على مسامع العالم الدكتور الجعفري ممثل سورية. إذاً استطيع أن أقرأ أن كل من الطرفين هنا، القرضاوي والجعفري، متفقان إذ هما ليسا بندين كما أرادو أن يوهمونا، أولاً يدور كلاهما في لغط عن تقرير الحق في إستخدام القوة ،ثانياً يكفر أحدهما الآخر ويدعو لقتاله، ثالثاً يدعي كلاهما الشرف والدفاع عن الابرياء في حين أن أفعالهما ملوثة بدماء الناس، رابعاً يتجاهل كلاهما الفقه الدولي ومبدأ حق تقرير المصير بغض النظر عمن يدعم من وبأي صف يقف كل منهما، وفي النهاية يستخدم كلاهما نفس المصطلح لتبرير أفعالة وإتهام الآخر وتصدير مصطلح "الإرهاب الحلال" في السياق السوري وما تعيشه البلاد، وبإعتقادي فكليهما بعد عن المنطقة العربية، بل والإسلامية جمعاء، وعلى هذا أبني إعتراضي على الطرفين.

من غير المقبول ومن غير المنطقي أن يستخدم الجعفري كلمات القرضاوي وينطلق من مبدأه ثم يعود ليتهمه بالكفر والإرهاب ويدين عليه أفعال التحريم والتحليل بعد أن حث الأخير على أن "يؤخذ العلم من العلماء الثقات المأمونين على دينهم وفي فقههم، الذين إذا قالوا قالوا بحق، واذا أدوا أدوا بعلم"، فأين الحق بعد ذلك فيكما ياجعفري ويا قرضاوي؟ لماذا تخوضون كل ذلك الخوض في التحريم والتحليل وعلى أيديكم دماء المسلمين؟ لماذا تجاهرون بالعداوة وباطنكم واحد وتتفقان في المبدأ والمضمون والمصطلحات؟ الأحرى بكما، كل من سلطته دبلوماسية كانت أو الدينية، أن يقف في نصرة المبدأ السياسي والفقه الدولي الذي أجاز الحقوق وحرم الدماء، وأن لا تضيعا في قشور خارجية وتضيعا بها شعب كامل وجيل شاب بين الإرهاب والجهاد ومصطلحات التمويه التي اعتمدتموها في الخداع.

هنادي دوارة الإمارات

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق