الفردوس الأخير لمحمد جمال الدين – نقد الرواية

الفردوس الأخير لمحمد جمال الدين – نقد الرواية

د. أيمن عبد العظيم رحيم

د.أيمن عبد العظيم رُحيم ناقد أدبي - دكتوراه النقد الأدبي الحديث

ارتبط الوعي الأدبي لمؤلف رواية الفردوس الأخير بالصيغ الكلاسيكية للكتابة الروائية، فهو منذ نشأته الأولى مولع بالكتابة السردية في القصة والرواية، فقد تابع محمد جمال الدين مسيرة الإبداع السردي هواية واحترافا إلى أن أصدر مجموعته القصصية الأولى (رائحة عجوز) سنة ٢٠٠٢، ثم مجموعته القصصية الثانية (الحياة في أماكن الموتى) سنة ٢٠٠٥، ثم انطلق إلى عالم الرواية، حين اتسع أفقه الإبداعي ليصوغ روايته الأولى (قبل أن يرحل الملاك) سنة ٢٠٠٨، ثم روايته الثانية (أجنحة تتوهم الصعود) سنة ٢٠١٠، ثم روايته (أحلام تستعد للغروب) سنة ٢٠١٢، ثم روايته الفذة (حدائق الذاكرة) سنة ٢٠١٤، ثم روايته (الفردوس الأخير) سنة ٢٠١٦.

تبدأ (الفردوس الأخير) بفصل صغير عن حياة الريف المصري إبان ثورة يوليو ١٩٥٢، فيعرض بطريقة ذكية لحال الريف المصري ليس على مستوى المظهر البشري من الملابس والأبنية والأطعمة، ولكن على مستوى نسق الأفكار الذي يؤمن به الريفيون آنذاك، ثم ما يلبث أن ينطلق إلى الفصل الثاني، فيعرض لمجموعة من الأصدقاء تتلمذوا على شيخ ريفي هو الشيخ سلام، ثم يتشجع الفتية الأصدقاء فيتملصون من كل واقعهم الريفي، ويثورون على كل ما فيه، حتى يقوموا بتوجيه روحي من الشيخ سلام بإنشاء أرض جديدة، يزرعونها ويستصلحونها بعرقهم، حتى تتحول الصحراء من ماء عرقهم إلى بساتين ثم يأخذهم شيء من الفلسفة، فيفكرون في المستقبل المأمول، ويتجهون في رحلة دلهم عليها الشيخ سلام على أن يكون معهم صخر خادم الشيخ سلام ، لكن أحد الأصدقاء (همام) رفض هذه الرحلة، وقرر البقاء، وفكر في الزواج والإنجاب وتعمير هذه الأرض، وتوسعتها بالأجيال القادمة، والدفاع عنها ضد أعداء نجاحهم المتمثلين في (سعدة الغزية وزوارها من راغبي المتعة) ويبقى همام ممزقًا بين لذة البقاء، وحزن فراق أصدقائه عابد وطايل وحسان ومعهم خادمهم صخر، وفي طريق رحلة الرفاق واجهتهم الصعوبات، وكان عابد كثيرا ما يخلو بنفسه في الطريق، ينظر إلى كل شيء في قدر من الفلسفة، في الطريق بعد أن أجهدهم المسير مروا بشيخ عجوز معه زوجة ابنه وطفليها، يعيشون في كوخ صغير، كان الشيخ قد تعرض لمأساة فقد أبنائه على يد ساحر ملعون (شمرون) الذي يروض الذئاب والضباع ويستخدمها في الشر، وكان يريد خطفهم.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
لا تكافئوا الإرهاب

أكرم الشيخ العجوز وفادة الأصدقاء، وأعطاهم الماء والطعام والملابس، وذبح لهم من الأغنام ما أشبعهم وكفاهم، ولما استعد الأصدقاء للرحيل، فاجأتهم رغبة صديقهم حسان في البقاء مع الشيخ العجوز، فحاوره عابد في هدوء، فعرف منه أن الشيخ يريد العودة لقومه، وأن حسان وعدهم بمساعدتهم في هذا الأمر، ردا لجميلهم، وتقديرا لاحتياجهم إليه، ثم صرح حسان لعابد أنه أحب المرأة والدة الطفلين، وأنه تعلق بها تعلقا شديدا، وبخاصة بعد أن رآها تستحم.

تركه عابد وشأنه، وهدأ من غضب صديقيه طايل وصخر على حسان، وبالفعل سار حسان مع العجوز والمرأة وودع أصدقاءه، ولما كان عابد قد حدثت معه كرامات في طريق السفر من ظهور بعض الجواهر ليلا تحت أرجل الغزالات، وعثوره على التمر المتلألئ متعدد الألوان، فإنه قد أعطى صديقه حسانا منها، قائلا له أن يستعين بهذه الجواهر عندما يتعرض أحدهم لخطر يكاد أن يودي بحياته، وبالفعل تعرض حسان لأخطار متعددة منها عودة الذئاب والضباع ثم ظهور الساحر الملعون شمرون مرة أخرى بعد أن كانوا قد ظنوا أنهم حبسوه مع ذئابه في كهفه الملعون، وبعد مشقة طويلة في الطريق، جاء أهل الشيخ العجوز وأنقذوهم جميعا، أما الثلاثة الباقون (عابد وطايل وصخر) فساروا في طريقهم نحو الرحلة المقصودة، وفجأة اختفى طايل من بينهم في عاصفة، فسأل عابد صخرا عن سبب ذلك فقال له إن الشيخ قال إن الذي يخون يختفي، ومن المؤكد أنه سرق جوهرة مما كان مع عابد، فتعجب عابد من ذلك، ورأى أن صديقه طايل قد تعجل، فعابد كان سيعطيه من الجواهر، ولما استمر عابد وصخر في طريقهم، واشتد عليهم الجوع والعطش، ظهرت أمامهم جنة بديعة لا نظير لها، هناك استقبلتهم ابتسامة عريضة، هي ابتسامة صديقهم همام، يبدو أنهم عادوا إلى الأرض الأولى إلى صديقهم الذي تركوه، صديقهم الذي كان أعداؤهم قد تجمعوا عليه في غيابهم، لكنه كان قد صدهم بمساعدة عماله، وأهمهم عامله (بدر).

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
التطوع والإجتهاد الشخصي

صاغ محمد جمال الدين (الفردوس الأخير) في اثني عشر فصلا، بدأها بالفصل الأول، ثم اختتمها بفصل أسماه الفصل الأخير، اعتمد المؤلف اللغة الفصحى في كتابته، وإن كان قد اعتراها الاضطراب أحيانا، في أخطاء طباعية أو نحوية، كما أن هذه اللغة التي استخدمها لم تكن متفاوتة على ألسن الشخصيات، إلا في أنك تجدها أحيانا لغة تراثية، أو تجدها لغة مفعمة بالخيال في أحيان أخرى، لكنها في النهاية لغة واحدة، كل شخصيات الرواية تتحدث هذه اللغة التراثية المفعمة بالخيال، فلا يظهر تفاوت لغوي باختلاف الشخصيات، ولعل المؤلف قد نجح في تجنب هذه الناحية، إذا جعل كل الشخصيات من فريق واحد، كلهم فتيان لم يكملوا دراستهم، كلهم فتيان يحبون العمل في المزرعة، كلهم فتيان تعلموا على يد الشيخ (سلام).

أما اللغة البلاغية التي استخدمها فقد أكثر فيها المؤلف على نحو واضح من التشبيه، ولعله أكثر من استخدام التشبيه لأنه أكثر أنواع الصيغ البلاغية قربا وانتشارا على لسان الفلاحين والعامة، بل صاغ المؤلف أكثر تشبيهاته باستخدام أداة التشبيه (مثل) وهو تشبيه بسيط في تركيبه، ذائع على ألسنة الناس، تسهل صياغته من الجميع.

وبينما لغة الرواية فصحى تمتلئ بالمفردات التراثية، وتزخر بالتراكيب البلاغية البسيطة فإن أسلوب السرد جاء مرنًا، حيث يحكي الراوي في تسلسل منتظم من الفصل الأول إلى الفصل الخامس، عن القرية (عمَّار) و تجهيز قافلة الشباب ورحيلها في أعماق الصحراء، ليتوقف عند الفصل السادس، حيث يعود إلى قرية (عمار) ليعرض لنا أثر رحيل الشباب، وموقف القرية من ذلك، وردة فعل فريق الأشرار من أصدقاء (سعدة الغزية)، ثم يعود مرة أخرى ليواصل الخط الرئيس للسرد من الفصل السابع، حيث يصل الأصدقاء في الرحلة إلى مرعى صغير بجواره صخور، يعيش فيه الشيخ العجوز، وزوجة ابنه أم الطفلين، وهكذا يعود الراوي إلى الخط الرئيس للسرد مرة أخرى في الفصلين السابع والثامن، ولكن خط السرد يعود مرة أخرى إلى قرية (عمار) في الفصل التاسع ليتحدث عن الشاب (بدر) أحد العمال الذين انضموا للعمل في المزرعة، وظل يعمل مع الصديق (همام)، ثم يعود الراوي إلى خط السرد الرئيس مرة أخرى إلى رحلة الأصدقاء في الفصل العاشر ثم إلى نهاية القصة.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الفنان يطل على العالم

إلتحم زمان القصة ومكانها في خط السرد إلتحاما جعل المؤلف يصوغ روايته في براعة وذكاء فني، فمكان الأحداث في الفصول الأولى هو قرية (عمَّار) واستعداد الشباب للرحيل ثم رحيلهم عنها بالفعل، أما الفصل السادس فهو عن (عمار) أيضا ليصف لنا أثر غياب الأصدقاء، ثم عاد السرد مرة أخرى إلى (عمَّار) مرة أخرى في الفصل التاسع، أما الأماكن الأخرى فليست إلا أحداثا جعلها المؤلف طارئة على حياة الشخصيات، إلى أن انتهت الأحداث في الفصل الأخير بالعودة إلى (عمَّار) بعد كل هذا التنقل، وهكذا كان المكان هو عمار أو الأثر بعد الغياب عن عمار.

أما الزمان في القصة فهو زمان طارئ على القرية وأشخاصها، فهو لايزيد على شهور قلائل خارجها، وقد ظل الأشخاص يتعاملون مع هذه الطوارئ تعاملا يشبه ما كانوا يعملونه في قرية عمار نفسها، لذلك فإن الزمان في هذه الفترة البعيدة عن عمار لم يكن تطورا جديدا أو انفصالا عن زمان القرية ومكانها، لأن أحد الاشخاص كان لايزال في القرية، وهو (همام)، بينما الآخرون مازالوا يتصرفون بأفكار قرية (عمار) وقيمها، ثم ما لبثوا أن عادوا إليها من جديد، مما جعلنا نتابع الأحداث في الأماكن خارج القرية، كأننا نتابعها داخل القرية، ولا نتصور خروج الرفاق بعيدًا عنها.

صنع المؤلف مشكلة عامة لا نلمس وجودها بوصفها مشكلة عنيفة في أحداث الرواية، وإنما في واقع الأمر هناك مشكلات أخرى كثيرة، هناك مشكلة أخرى كامنة في أهداف كل شخصية من شخصيات الرواية، بينما تعد المشكلة الشخصية لكل بطل من أبطال الرواية جزءا من المشكلة الكبرى المشتركة التي تجمعهم معا في الرواية، فأهداف (همام) الذي بقي في المزرعة في (عمار) هي تنمية الأرض وتوسعتها، لذلك فإن مشكلته هي رحيل أصحابه الذين شاركوه الأحلام الأولى، أما صديقهم (حسان) فأهدافه هي مساعدة العجوز وأرملة ابنه ردا لجميلهما، أو حبا للمرأة وتعلقا بها، لذلك فإن المشكلة عنده هي إقناع أصحابه (عابد) و(طايل) بضرورة السير في مسعاه، ثم مواجهة (شمرون) وذئابه، أما عابد فلأن هدفه كان الوصول إلى المكان الجميل الذي وعدهم به الشيخ (سلام) فإن مشكلته كانت هي التغلب على صعاب الطريق ومشكلاته، ومن جهة أخرى فإن (سعدة) ورفاقها كانوا يهدفون إلى طرد هؤلاء الشباب لأنهم تمنعوا وتعففوا عنها وعن رفيقاتها في البغاء السري والمعلن في قرية (عمار)، لذلك فإن المشكلة عندها هي الانتصار على هؤلاء الشباب أو الانتصار على همام على أقل تقدير، وسلب المزرعة منه، ثم هذا العامل (بدر) الذي كان يهدف إلى الحياة الهادئة في ستر الله ورحمته، فكانت المشكلة عنده هي عمه ومكائده، اختلفت الأهداف إذن، فاختلفت المشكلات في ظاهرها، ولكنها كانت في الحقيقة مشكلة واحدة، هي الوصول إلى السعادة.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
ثقافة الخوف

وحيث إنَّ هذه المشكلات الصغيرة تنضوي في الحقيقة تحت مشكلة واحدة كبيرة، فإن الحل لهذه المشكلات جميعا ينبغي أن يكون حلا واحدا، ومن ثم كان الحلُّ بالنسبة لهمام هو الحفاظ على المزرعة والبقاء فيها، والحل بالنسبة لبدر الهارب من عمه ومكائده هو الوصول إلى المزرعة والبقاء فيها، وكذلك الحل في نهاية رحلة عابد وصخر هو العودة إلى المزرعة التي مثلت لهم الفردوس الأخير والحل الأثير والبقاء فيها، وحسان الذي فارقهم من أجل مساعدة قوم آخرين صنع لنفسه فردوسا جديدا بين قوم جدد أحبوه وأحبهم، أما الذين كانت لهم نهاية أخرى في الرواية ففي الحقيقة كان ذلك لموقفهم المضاد للفردوس الأخير (المزرعة)، فـ(طايل) خان الصديقين عابد وصخر، وتعجل وسرقهم، فلقي حتفه، وكذلك فريق (سعدة) الذين أرادوا الاستيلاء على المزرعة لقوا حتفهم.

على أن رواية (الفردوس الأخير) جاءت محملة بكثير من المضامين الفكرية والاجتماعية، ظاهرة فوق سطح الكلمات، أو متسربة في أثناء المعاني، ودلالات السطور والمواقف، فهي فوق أنها من صياغة كاتب روائي نشأ في ريف الفيوم يحمل تراثها العربي والفرعوني، جاءت تحمل هموم مجتمعه المصري والعربي وقضايا واقعه.

حمل عنوان الرواية اسم (الفردوس الأخير) فكان العنوان يتكون من كلمتين هما بداية الرواية، وهما نهايتها في الوقت نفسه، وحيث إنَّ الفردوس غاية شعبية عامة، يطمح إليه الناس جميعا، فإن القارئ سرعان ما يصوغ من العنوان دلالات خاصة شخصية، وأخرى مجتمعية،حيث الراحة المنشودة أو السعادة المرجوة للشعوب جميعًا.

يبدو المكان المذكور في القصة (عمَّار) بالرغم من عدم تحديده تحديدا قطعيا بانتسابه إلى محافظة بعينها أو إقليم بعينه، مكانا يضم الجميع، أو مكانا يستطيع أن يضم الجميع، يقع على حافة الصحراء، فهو أول البادية، ويقع على أطراف الأراضي الزراعية، فهو أول الريف، وهو المطل على بحيرة يمارس فيها السكان نشاط الصيد، إنَّ المكان هنا هو وطن الشعب بكل فئاته، مصر بالوادي والدلتا والصحراء والسواحل، يجده القارئ قريبا منه، قريبا من وعيه وإدراكه، يجده مألوفًا، فالمؤلف هنا صاغ من هذه المنطقة ملامح مصر الوطن دون أن يذكر لنا اسم مصر صراحة، أما زمان القصة، فهو أيضا غير محدد على وجه دقيق، السطور الأولى من الرواية تقول إنه كان في أيام الملك قبل ثورة يوليو مباشرة، دون تحديد لاسم الملك، وهو ما يشير لابتعاد الناس عن الأحداث، أو أنهم كانوا في عالم آخر بعيد عن دنيا الوطن بعلاقاته السياسية والتنظيمية، ثم يشير بعد ذلك إلى حدث شهير وقع في مصر دون حاجة لذكر زمنه، وهو اعتلاء الضباط الشباب لسدة الحكم، وطرد المحتلين، في أعقاب ثورة ١٩٥٢ وهو أيضا حدث قابل لأن يتكرر في بلدان عربية كثيرة وقتئذٍ مثل ليبيا والعراق وسوريا واليمن، فالحدث هنا مصري من منظور من ظنه مصريا، وقد يكون عربيا في منظور من ظنه عربيا.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
أيها العرب تخيلوا

ولا يخلو النص من رمزية سياسية ساطعة، فحركة الأصدقاء الشباب في المزرعة للدفاع عنها ضد (سعدة الغزية) وزملائها، كانت بالتوازي مع حركة شباب الضباط في الجيش ممن دافعوا عن الوطن، تشير إلى نوع آخر من النضال، وكذلك حركة حسان الذي فاض بالمودة للشيخ العجوز والطفلين، تجسد مساعدة مصر لفلسطين، حين مثل العجوز وزوجة ابنه (فلسطين) التي تتعرض للاغتصاب، بينما للشيخ العجوز أهل وقبيلة كبيرة تستطيع مساعدته، لا ينقصهم إلا المساعدة بأن يعرفوا الطريق، وهو ما يتم بالفعل على يد الشباب، وبخاصة حسان.

أما الساحر (شمرون) الملعون هذا الخبيث الذي لا يُعرف له وجه واضح، فهو مرة ساحر، ومرة لص، ومرة غاصب يجمع حوله الذئاب والضباع من أجل الهجوم المستمر على الشيخ العجوز وزوجة ابنه، حتى اختطف أولاده واحدا بعد واحدٍ، ولم يعد بوسع الشيخ وأرملة ولده إلا أن يردوا على شمرون بالحجارة والصخور الصغيرة، فلا شك في أنه يرمز للمحتل الإسرائيلي الذي اغتصب فلسطين العربية.

لقد صاغ المؤلف من هؤلاء الأصدقاء فريق النخبة في قرية (عمَّار) بالرغم من أنهم لم يكملوا تعليمهم، ورأى أن القرية ينبغي لها أن تساعدهم، وتنصرهم، وترد المكائد التي تحاك ضدهم، وهو ما جسده موقف العامل (بدر)، حين هجم رفاق (سعدة الغزية) على المزرعة، وليس فيها إلا همام والشيخ سلام، ولما ظن بدر أنه لن تفلح كل هذه المحاولات للصد بعد أن جرح همام وأكثر العمال، فإنَّ العامل (بدر) انسلّ هاربا من المزرعة، يجري نحو الأهالي يستثير نخوة أهل (عمَّار) بكل أطيافهم، وعلى اختلاف أصولهم هبوا جميعا لنصرة همام وعمال المزرعة.

وإذا كان على الشباب النافع أن يعمل مخلصا ليأخذ أجره لقاء عمله المخلص، فإن الشباب الناجح هو الذي يقدم أيضا الاقتراحات لنجاح المجتمع، وتوفير المزيد من العدل والرخاء والمساواة، حين قدم بدر اقتراحا لهمام، وهو أن يعطي العمال نسبة من أرباح المزرعة، وليس مجرد أجور لعملهم فقط، عندئذٍ شعر العمال أنهم يملكون المزرعة، وأنهم شركاء لا أجراء، وازداد إخلاصهم للعمل.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
أيام تحت الصفر

لقد بدت دلالات الأسماء في الرواية واضحة في رمزيتها، فالأستاذ الشيخ اسمه (سلام) من الإسلام، وخادمه الثابت على آراء سيده اسمه (صخر) أما الشباب الأربعة،فهم (عابد) و(طايل) ثم (حسان) و(همام)، وانظر إليهم تجد الذي أحسن إلى العجوز وزوجة ابنه هو (حسان) أما الشجاع الذي بقي في المزرعة، وتمسكه بأرضه ورفض الرحيل فهو(همام) بينما اللص الذي خان زملاءه في النهاية تعجلا منه هو(طايل) الذي تطاول على أصحابه بالرأي والشعور، ثم يبقى صاحب النبوءة (عابد) الذي وصل إلى النهاية من الرحلة، والأقرب إلى الشيخ سلام، أما ربة الرذيلة، المرأة التي يجتمع حولها راغبي السعادة المؤقتة فاسمها (سعدة الغزية) ثم يبقى الشرير (شمرون) الذي يجمع حوله كل ذئب وكل ضبع يهجم على الضعفاء، ذئابه لا تشبع وضباعه لا ترتوي حتى لو ألقيت لها ألف شاة.

ولا تستطيع أن تقطع في شأن خط السرد والرواية، وأن تجيب على السؤال الأبرز، هل خط السرد من نسج الراوي الذي يحكي؟ أم من النبوءة التي نطق بها الشيخ سلام؟ لقد صاغ المؤلف هذا بذكاء كبير، فلا تستطيع أن تحكم أن الراوي كان يحكي النبوءة، ولا تستطيع أن تجزم بأن النبوءة تحققت كما قال الراوي، وإنما رواية الراوي كانت كثيرا ما تتلاقى مع نبوءة الشيخ، تؤكدها أو توضحها، أو تسوقُ الأحداث في اتجاه النبوءة.

إن (الفردوس الأخير) سيكون آخر ما يلقاه الناس بعد النضال والمشقة والصبر، كما كان الفردوس في آخر الرواية بعد عناء الكتابة والقراءة، وهذا الفردوس الأخير جنة واقعية ملموسة، يخططها الحزم، ويبنيها الجهد والعرق، وتؤمنها المقاومة ضد أعداء الداخل والخارج، هكذا صاغ المؤلف فردوسه المرجو، وجعل منه ثمرة العمل، وصدق النبوءة في آن واحد، فلم يجعل المؤلف للنبوءة أثرا في حركة الشخصيات، أو في ثمرات أفعالها، وإنما جعل من النبوءة شيئا يؤكد الجهد والعمل فحسب.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
حق يأبى النسيان

إنَّ تجربة الفردوس الأخير لمحمد جمال الدين هي تجربة ناضجة في مستواها الفني، أرجو أن تستمر تجاربه، وأن تثمر عن روائي ذي نجم ساطع في أدبنا العربي المعاصر، وأن تكون روايته خطوة في سبيل إعلاء كلمة اللغة والأدب وعبارته المصقولة بقضايا الوطن وهموم الأمة.

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x