الأنفاس الأخيرة

الأنفاس الأخيرة

٢٠٢٢/١/١

أقف الآن في وضع الصلاة وأرفع يدي للدعاء، ولكن انهارت قواي وسقط عزمي. لعل دعائي لا يكتمل وصلاتي لا تقام، لكن تلك هي كلماتي فاقرؤها لعلها تخبركم بما آل إليه حالي قبل الأنفاس الأخيرة. ما أقوله ليس حكمه أو موعظه ولكنها مذكرات صراعي مع كورونا، أكتب كلماتها الأخيرة بإدراك حي يأمل في أنفاس تدوم ليوم جديد. فإن لم أستطع فلتصلوا أنتم من أجلي ولتتموا لي الدعاء.

إنه في يوم الجمعة ٥ نوفمبر ٢٠٢١، توغل في أحشائي أنا مريم الهائمة في أيام الشقاء والرخاء، كائن متعجرف متغطرس يظن نفسه الغالب السائد والمكلف بتعاسة وسعادة البشر. مغلف بمعطف بروتيني تعلوه أشواك متشعبة الرؤوس كأنها أشواك الصبار المترعرة في جفاف الصحراء القاحلة. اتخذ من عظامي محل إقامة يسكن فيها ويستوطن، ومن عروقي منشأ يتغذى منه ويستنسخ ثم يرسل من نسله أتباع وأعوان يحتلون ويستعمرون ويعثوا في دمائي فسادا. شنوا حربا شعواء علي تكويني الجسدي والعقلي وصارت جميع حواسي رهينة سطوتهم وجبروتهم حتى أصبحت في النهاية مريم المكبلة الأجنحة بعد أن كنت طائر طليق المرح والسعادة.

هذا هو أول لقاء لي بڤيروس الكورونا والذي لم أعلم بتوغله في أحشائي إلا عندما اختل توازن الأرض تحت أقدامي واهتزت أرجاء الدنيا من حولي . فاصبح كل ما هو مضيئ مظلم وكل ما هو مبهج كئيب. لا أعلم من أين أتى أو متي سيرحل ولا أدري إن سيكون هو الغالب أم المغلوب.

يوم السبت ١٣ نوڤمبر ٢٠٢١، شعرت بعمق أنفاسي التي ندر فيها عنصر الحياة وضيق صدري الذي انحسر عنه الهواء وأصبح كل شهيق وزفير كرحلة طائر جارح ينقض على فريسته ببراثن ضارية يقتلعها من أوردتها ويحلق بها في سماء الأسي، لا يسعفها أنين أو صراخ، تدمي وتتألم، لا يشعر بها أو يسمعها أحد. بعد ساعات قليلة فقدت حاستي الشم والتذوق هويتهم التي خلقهم الله عليها واختلط الأمر على مدركاتهم فأصبح الحلو والمر، والطيب والكريه فكر مبهم وفلسفة فوضوية.

بعد المقال الحالي شاهد:
الحب كلمة جميلة..

يوم الجمعة ١٩ نوڤمبر ٢٠٢١، وجدتني وحيدة في أرض المنبوذين تتبعني هوية من "لا حاجة له" أو"الفائض عن الحاجة." هجرني الأهل والأصحاب، فالفرار لهم نجاة والخوف من العدوى أكثر وطأة من الإصابة بها. عشت كالراهبة في خلوة التعبد أتألم من المرض والوحدة سواء وأستجدي الأشباح والعفاريت أن تصحبني وتؤنس وحدتي. هم أكثر إستجابة من البشر وأنا لم أستجدهم كثيرا فهم يعشقون الأماكن المهجورة ومكاني هو البيداء القاحلة التي نسمع عنها في الأساطير.

يوم الخميس ٢٥ نوڤمبر ٢٠٢١، أعلن كل ما بداخلي الاستسلام وسقطوا في تدهور تدريجي. لم أعلم إلا هذه اللحظة أن عبارة "سريع الزوال" قد تنطبق على البشر.

يوم الثلاثاء ٧ ديسمبر ٢٠٢١، وقف على نافذة حجرتي المهجورة طائر رمادي اللون غرد بصوت خافت أنشودة حزينة. أخبرني بأن سبب مأساتي هو غرور وعجرفة كائن غير مرئي تغلل بدهاء في محتواي وقتل مركباتها واحدة تلو الأخري. لا رجاء في التخلص أو الشفاء من سمومه. أخبرني أيضا أن العقار نادر وحياتي ستصير ملحمة عديمة القيمة. تسارعت أفكاري بدون أفكار، وشخص بصري في فضاء اللا فضاء، تركت الوعي وعدت إلى اللا وعي، وكأنني كنت ولم أكن، صرت ولم أصير.

سمعته مرة أخرى يغرد أنشودة ولكنها هذة المرة كانت أكثر بهجة، طلب مني فيها أن أقيم صلاتي وأصلي لجمال الخالق الوهاب، لعل الخلاص قريب والجنة أقرب. أنا الآن أقف في وضع الصلاة وأرفع يدي للدعاء، داخلي هش وخارجي قصيم فتذكروا إن لم تكتمل صلاتي قبل الأنفاس الأخيرة فصلوا أنتم من أجلي وأتموا لي الدعاء.

انشر تعليقك