دستورية العقود النفطية الكوردستانية

بقلم/ حاجي بابير عبد العزيز
مصر : ۲۷-۵-۲۰۱٤ - ۷:۱۰ م - نشر

من المعلوم مدى التجاذب الذي أنتجته عمليات استكشاف واستخراج وتصدير نفط إقليم كوردستان من قبل حكومة الإقليم باستقلالية عن المركز ومدى ما أدى إليه من تنافر واستعداء بين الاقليم والمركز، إلا أنه وبغض النظر عن التجاذبات والتصريحات والتصريحات المتقابلة، فانه من المسلم به أن العملية والقضية برمتها محكومة بقواعد الفقه القانوني على ضوء ما ورد في الدستور العراقي من حيث أحقية الإقليم أو المركز في ادعاءات الاول بدستورية العقود النفطية أو ادعاءات الثاني بعدم صحتها.

وعليه لابد من الاستنجاد بالمبادئ القانونية العامة التي تحكم تفسير وتنفيذ المادة ذات العلاقة في الدستور العراقي وهي المادة "١١٢" التي تنص على: أولاً: تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة، على ان توزع وارداتها بشكلٍ منصفٍ يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدةٍ محددة للاقاليم المتضررة، والتي حرمت منها بصورةٍ مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضررت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد، وينظم ذلك بقانون.

ثانياً: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معاً برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق أعلى منفعةٍ للشعب العراقي، معتمدةً احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار.

وفي نظري ان اهم هذه المبادئ القانونية العامة التي تحكم تفسير وتنفيذ المادة أعلاه هي:

أولاً: إن "المشرع منزه عن اللغو" ما مؤداه ان كل ما ورد في الدستور فانه قد ورد بغرض معين، وانه يرتب وينتج حقوقا وواجبات. بمعنى اخر ان ما يستجد في الدستور او ما وجد فيه انما قد استحدث لتحقيق هدف لما كان من الممكن تحقيقه لولا ورود هذا النص. بمعنى اخر لو ان اي احد من اطراف العلاقة استطاع بارادته المنفردة ان يلغي او يفرغ "وبشكل قانوني" المادة الدستورية من محتواها لكان ذلك اعتبارا للمادة الدستورية بانها لغو زائد. وهو ما لا يصح تطبيقا للمبدا الآنف الذكر من ان "المشرع منزه عن اللغو".

ثانياً: إن أي مادة دستورية منتجة لحقوق وواجبات على الاطراف المعنية يجب في سبيل تفسير هذه المادة الدستورية الالتجاء الى القواعد العامة في نظرية الالتزام وما يعنينا هنا هو ان الالتزام يكون اما باداء عمل واما بالامتناع عن عمل. اضافة الى ذلك فان الاخلال بهذا الاداء يترتب عليه الجزاء والذي يكون تحديده من خلال المحاكم المختصة في هذا المجال.

وعليه فاننا ولكي ندرك الفرق الذي احدثته المادة المذكورة "وتطبيقا لمبدا ان المشرع منزه عن اللغو" فانه يستوجب علينا عرض ما كانت عليه الحال قبل المادة المذكورة وبعدها. اي وبالنظر الى حقوق والتزامات الطرفين "حكومة المركز وحكومة الاقليم" قبل تشريع المادة المذكورة وبعدهالمعرفة قصد الشارع وهدفه من سن هذه المادة الدستورية.

عليه وكما معلوم انه سابقا كانت حكومة المركز مطلقة اليدين في رسم السياسات النفطية في طول البلاد وعرضها دون ان يكون للمحافظات اي دور في ذلك. بالنتيجة فان المادة الدستورية لابد ان تكون قد نقلت بعض من هذه الصلاحيات المطلقة من المركز الى الاقليم. للتوضيح اكثر ان المادة قد ادرجت لصالح الاقاليم وليس لصالح المركز لان المركز المطلق اليدين لا يمكن ان نتصور ان المادة جاءت لتقرر حقوق اخرى للمركز وهو اصلا مطلق اليدين.

ما معناه ان الحال لو بقي على ما هو عليه اي لو ان حكومة المركز بقيت مطلقة اليدين في تحديد السياسات النفطية دون ان يكون هناك اي التزام قانوني على عاتقها لمصلحة هذه المحافظات من حيث حق هذه "الاقاليم" في الاستفادة من ثرواتها النفطية. فانه سوف لن يبقى هناك مغزى من المادة الدستورية وسيكون المشرع قد اطال باللغو في الدستور دون ان يغير في الواقع القانوني للطرفين. وهو ما اتفقنا مسبقا بانه غير جائز تطبيقا للمبدا المذكور من ان "المشرع منزه عن اللغو".

بالنتيجة فاننا ملزمون بالبحث في الحقوق التي نقلتها المادة الدستورية من المركز الى الاقليم ما سيتحتم علينا تسمية ما كان للحكومة المركزية من حقوق قبل تشريع المادة للتوصل الى الحقوق التي تم نقلها الى الاقليم.

عليه فان الحقوق ذات العلاقة هي:

اولا: حق الحومة المركزية في استئناف بحث واستخراج وتصدير النفط من اي بقعة في البلاد ترتايها متناسبة مع سياساتها الاقتصتدية وحسب نظرتها المركزية

ثانيا: حق الحكومة المركزية في استئناف بحث واستخراج وتصدير النفط وفي اي وقت ترتايه هي مناسبا لتحقيق هذه السياسات الاقتصادية.

ما يعني ان المادة الدستورية حتى لا توقع المشرع تحت طائلة اللغو في التشريع يجب ان تكون قد غيرت الحال مما هو عليه الى ما هو في صالح حكومات الاقاليم اي ان حكومة المركز لم تبق وحدها تحدد الظروف المناسبة للبدا في استكشاف واستخراج وتصدير النفط من الاقاليم بل ان الاقاليم هي التي اصبحت الشريك المتساوي في تحديد هذه الظروف من حيث كونها مؤاتية ام لا؛ وان الحكومة المركزية اما ان تثبت ان الظروف غير مؤاتية لاستئناف عمليات البحث او الاستخراج او التصدير وان هذا الاثبات يجب ان يكون بمعايير موضوعية سليمة وليس بمعايير مزاجية لسلطة المركز.

ما معناه انه ومع توافر الظروف المطلوبة للبدا بعمليات البحث ومن ثم الاستخراج ومن ثم التصدير فانه بدل ان يكون من حق الحكومة القيام بهذه العمليات كما كانت عليه الحال قبل المادة الدستورية فانه وبعد المادة الدستورية قد تحول الى التزام على عاتقها بالمبادرة او على الاقل بالاستجابة لمطاليب اي اقليم يبرهن ان الظروف الموضوعية متوافرة للبدا بهذه العمليات. ما معناه ان الحكومة ستكون مخلة بالتزاماتها الدستورية اذا امتنعت عن القيام بما هو مطلوب منها للاستفادة من هذه الثروات النفطية.

عليه فنه كان لزاما على حكومة المركز المبادرة الى مفاتحة اقليم كوردستان للبدا بعمليات البحث والاستخراج والتصدير من الاقليم لاننا كلنا ندرك ان الظروف الامنية والسياسية وتضاريس كوردستان وسهولة الوصول الى مناطق الاستكشاف كلها كانت مؤاتية للقيام بهذه المبادرة، والبرهان انه الان حكومة الاقليم منفردة استطاعت القيام بالعمل على استخراج النفط من الاقليم بخبراته الاولية والبسيطة فكيف بحكومة مركزية لديها الالاف من الخبراء في هذا المجال.

لكن ان الذي حصل ان حكومة المركز لم تكتفي بعدم المبادرة بل انها تعدت في اخلالها بالمادة الدستورية الى تجاهل بل ورفض مبادرات الاقليم بهذا الخصوص، والسبب واضح لكي تمنع بناء بنية تحتية في الاقليم وبنية اقتصادية قد تمكنه من الاعتماد عليه مستقبلا فيما لو قرر الشعب الكوردي ممارسة حقه في تقرير مصيره، وهو هدف كان يمكن للحكومة المركزية ان تصل اليه من خلال اثبات حسن النية تجاه الاقليم واثبات الشراكة بحيث حتى لو استفتي الشعب الكوردي يوما ما لفضل البقاء ضمن عراق اتحادي على الانفصال عنه.

عليه وبعد اثبات اخلال حكومة المركز بالتزاماتها الدستورية تجاه الاقليم، لابد من معرفة الخيارات المتاحة امام الاقليم:

أولا: التزام الصمت والسكون، ولكن بمطالعة المادة الدستورية فان هذا الصمت والسكون كان سيجعل من حكومة الاقليم شريكا في الاخلال بالتزام تطوير الثروة النفطية وتجعلها مسؤولة تجاه شعب الاقليم في عدم مفاتحة المركز والاكتفاء بالصمت.

ثانيا: خيار الالتجاء الى القضاء العراقي. وهو ما لم يكن سيعطي النتيجة المرجوة ليس لعدم احقية حكومة الاقليم في دعواها بل لان القضاء العراقي اثبت عجزه في مواجهة السلطة التنفيذية في كثير من المواقع ويمكن الاشارة الى مثالين معروفين اعلاميا وعلى المستوى الجماهير وهي:

١- بالنظر الى قضية مقتل السيد الخوئي فاننا ندرك جميعا ان السيد المالكي كان يلوح بها ضد السيد مقتدى الصدر كلما قام الاخير بمعارضته في امر وكان السيد المالكي يثير هذه القضية في العلن وينومها تحت يده بعد ان يرضخ السيد الصدر الى مطايبه وفي العلن ايضا. ولو ان النظام القضائي والسلطة القضائية في العراق مستقلة بقراراتها لكان بمقدور الادعاء العام بل وهو لزام عليه ان يصدر مذكرة احضار بحق المالكي وجعله تحت القسم يدلي بما لديه من افادات شخصية ويقدم ما بحوزته من ادلة وفي حال بيان ضعف ادعاءه لكان لزاما على الادعاء العام الحكم على السيد المالكي بتضليل القضاء او على الاقل اعطاء السيد مقتدى الصدر الحق في اقامة دعوى متقابلة على السيد المالكي للتشهير به واتهامه بالاشتراك في جريمة قتل لم يرتكبها او يشترك فيها. ولكن هل تجرأ القضاء العراقي على ذلك!

٢- بالنظر الى قضية السيد الهاشمي وبالرجوع الى ما قدمه السيد المالكي من تواريخ للادلة التي بحوزته لراينا انها كلها كانت تتعلق بقضايا قديمة والسؤال هو اليس المفروض بالقضاء العراقي لو كان مستقلا ان كان يسال السيد المالكي لماذا تسترت على هذه الادلة طيلة هذه الفترة. ثم لو كان هناك قضاء عراقي مستقل الم يكن ليسال السيد المالكي لماذا سمحت للهاشمي بمغادرة مطار بغداد وانت كنت لديك مذكرة القاء قبض بحقه وكان المتهم بحوزتك في المطار وانت سمحت له بالافلات والجرائم كانت جرائم قتل وارهاب، ولكن هل تجرؤ المحكمة العراقية على ذلك.

وهناك في حقيقة الامر العديد من الخروقات القانونية التي ارتكبها السيد المالكي ونحن نرى الادعاء العام في العراق عاجزا عن مقاضاته ولا مجال للتفصيل اكثر في ذلك. ولكن الخلاصة ان حكومة اقليم كوردستان متاكدة بان القرار لن يكون سوى انعكاسا لرغبة المالكي وليس انعكاسا للحقائق القانونية والموضوعية.

ثالثا: ان حكومة الاقليم لم يبق لها سوى البدا بعمليات البحث والاستخراج والتصدير بشكل منفرد عن الحكومة المركزية، وهو بشكل مؤكد سيؤدي الى الاضرار بميزانية العراق لان الشركات النفطية مؤكد انها ستستغل تهديدات الحكومة المركزية لها في مفاوضاتها مع حكومة الاقليم وسيجعلها تفرض شروطا اثقل على حكومة الاقليم مقابل القبول بالعمل في الاقليم رغم رفض الحكومة المركزية. وعليه فان الاقليم يحق له قانونا ان يواجه حكومة المركز بطلب التعويض عن التنازلات التي قد تكون اضطرت اليها راضخة لمطالب الشركات العالمية.

حاجي بابير عبد العزيزIraq, Muhafazat Arbil

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق