الإسلاميون والمسألة الإقتصادية: أين المشروع البديل عن الإشتراكية والرأسمالية؟

كلما حصلت أزمة عالمية جديدة يستعيد الإسلاميون، علماء وحركات اسلامية ومراكز أبحاث ودراسات، مقولة: ان ما يجري يؤكد انه لا خلاص إلا بالعودة للمشروع الاسلامي، وأنه بعد سقوط الشيوعية والإشتراكية، آن الاوان لسقوط الرأسمالية، وأن البديل الاسلامي هو الخيار الوحيد إقتصاديا وأخلاقيا وبيئيا وسياسيا.

اليوم وفي ظل الأزمة التي يعانيها العالم من جرّاء تداعيات انتشار فيروس كورونا، استعاد بعض الدعاة والمفكرين المسلمين وقادة الحركات الاسلامية مقولة: العودة للمشروع الإسلامي كبديل عن الانظمة القائمة، وإن فشل النيوليبرالية الجديدة والأنظمة الرأسمالية في معالجة تداعيات هذه الأزمة سيمهّد الطريق مجددا للعودة للخيار الإسلامي بحثا عن علاج لهذه الازمات، مع أن هناك من يعتبر ان ما جرى قد يعيد الإعتبار للإشتراكية والماركسية ودولة الرعاية الكينزية على حساب النيوليرالية الجديدة والتوحش الرأسمالي الذي ساد العديد من الدول في العقود الأخيرة.

فهل حقا يملك الإسلاميون مشروعا اقتصاديا بديلا؟ وأين اصبحت المشاريع والافكار والتجارب الإسلامية التي طرحت في الخمسين سنة الماضية كبديل عن الإشتراكية والرأسمالية؟ وهل حققت هذه التجارب والنماذج الإسلامية النجاح المطلوب؟

قد يكون من أوائل من طرحوا مشروعا إقتصاديا إسلاميا نظريا كبديل عن الرأسمالية والإشتراكية والشيوعية، هو المفكر الاسلامي محمد باقر الصدر من خلال كتابه الشهير “إقتصادنا” ومشروعه ” البنك اللاربوي”، وذلك كرد على التجارب الرأسمالية والاشتراكية، وكان يمكن ان تبقى هذه الافكار نظرية لولا انتصار الثورة الإسلامية في ايران والصحوة الإسلامية التي حصلت في ثمانينات القرن الماضي، والتي ادت إلى انتعاش المشروع الإسلامي، وكان يفترض بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ان تتبنى هذه الافكار وتحولها إلى واقع عملي.

وفي المقابل بدأت تبرز تجارب إسلامية أخرى في عدد من الدول العربية والإسلامية عبر شركات الاستثمار الإسلامية والبنوك الإسلامية اللاربوية التي حاولت ان تقدم البديل عن التجارب الرأسمالية والبنوك الربوية وتؤمن الاستثمار للأموال الإسلامية في مشاريع منتجة في كافة المجالات، وقد شهدت مصر وعدد من دول الخليج العربي تجاربا مهمة في هذا المجال نظرا لتوفر السيولة المالية وانتشار الجماعات الاسلامية وتوسع دائرة التدين الشعبي ورغبة الناس في الابتعاد عن البنوك الربوية المرفوضة إسلاميا.

توسعت تلك التجارب في شرقي آسيا وخصوصا في ماليزيا وباكستان وأفغانستان، وكان هناك تجربة مهمة من خلال بنك الفقراء الذي اسسه د. محمد يونس في بنغلاديش وان كان لم ينطلق من رؤية إسلامية فكرية، لكنه يتلاقى مع الأفكار الإسلامية في مساعدة الفقراء وتقديم القروض الصغيرة لهم لإقامة مشاريعهم الخاصة.

كما برزت بعض المحاولات في عدد من الدول العربية والإسلامية عبر إقامة مؤسسات مالية صغيرة للإقراض أو لتشغيل أموال الناس بعيدا عن الربا والفوائد التقليدية، ولبنان من ضمن هذه الدول.

أما على صعيد الجمهورية الإسلامية، فإنها لم تقدم تجربة متكاملة للإقتصاد الإسلامي، ولا تزال البنوك الربوية في ايران تلعب دورا كبيرا في الواقع الإقتصادي، وفي تركيا ورغم وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة منذ عشرين سنة تقريبا، فانها لم تقدم تجربة إقتصادية إسلامية خاصة، رغم نجاحات الإسلاميين وفي مقدمهم الرئيس رجب طيب أردوغان في إدارة البلديات وتحقيق تقدما إقتصاديا كبيرا لتركيا خلال هذه الفترة وهو ما ساعد حزب العدالة والتنمية للبقاء في الحكم حتى الان.

وفي ماليزيا حاول مهاتير محمد القيام بتجارب إسلامية للتنمية وتحسين الوضع الإقتصادي ومواجهة الفساد، لكن بقي كل ذلك ضمن إطار النظام الرأسمالي، وجرت محاولة منذ عدة أشهر لجمع عدد من الدول الاسلامية لتقديم مشروع إسلامي متكامل يواجه الهيمنة الرأسمالية والأمريكية وعقدت هذه القمة في ماليزيا، كما كان للزعيم التركي نجم الدين اربكان قبل ثلاثين سنة محاولة لجمع عدد من الدول الإسلامية في إطار مشروع اقتصادي وتنموي لكنه لم ينجح.

أما في العراق ورغم وصول حزب الدعوة الإسلامية وحركات إسلامية أخرى إلى الحكم، فلم نلحظ وجود أي أثر لافكار الصدر والمشروع الإقتصادي الإسلامي، بل ان هذه التجربة كانت مليئة بالفساد وغياب التنمية الحقيقية والفشل في الحكم.

وفي لبنان وفلسطين ورغم الدور الكبير لقوى المقاومة، حزب الله وحركة حماس، في مواجهة الاحتلال وتحرير الارض ووصولهم إلى مواقع هامة في السلطة، فاننا لم نلحظ الإهتمام الكافي بالاقتصاد أو تقديم مشروع اسلامي حقيقي لمعالجة الأزمات الاقتصادية والمعيشية.

وبالاجمال فان معظم التجارب الإسلامية الاقتصادية والتنموية لم تحقق الأهداف المطلوبة، وبقيت معظمها خاضعة لتأثيرات النظام الرأسمالي والسيطرة الامريكية على الإدارة المالية العالمية ودور الدولار الاميركي والمنظومة المالية العالمية، طبعا مع نجاحات محدودة في بعض التجارب، وأما شركات الاستثمار المالية الإسلامية فلم نعد نسمع عنها شيئا وبعضها فشل وأدى لخسارات كبيرة.

وبعد الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨ طلب السيد محمد حسين فضل الله من مؤسسة الفكر الإسلامي المعاصر، التي كان يشرف عليها، أن تعقد مؤتمرا خاصا لتقييم تجربة البنوك الإسلامية وإمكانية تقديم البديل الإسلامي عن النظام الرأسمالي، وعقد المؤتمر وقدّمت فيه دراسات هامة وجرى تسليط الضوء على بعض النجاحات التي حققتها البنوك الاسلامية، لكن رغم ذلك لم يكن بالإمكان تقديم البديل الكامل عن المنظومة الرأسمالية أو الاشتراكية.

فهل ينجح الإسلاميون اليوم باعادة تقديم هذا البديل؟ أم أن هناك مشكلة بنيوية في المشروع الإسلامي تمنع ذلك مع فقدان الدولة المركزية القوية وغياب التعاون الإسلامي الكبير والغرق في الصراعات الفكرية والمذهبية والسياسية؟ ولماذا فشلت دول كبيرة مثل إيران وتركيا وماليزيا والسعودية وباكستان في تقديم النموذج الإقتصادي الكامل وبقيت معظمها مرتبطة بالنظام المالي العالمي؟

كلها اسئلة تستحق البحث والتفكير في هذه المرحلة وهناك حاجة لمراجعة كل هذه التجارب الإسلامية لتحديد اين مكامن الخلل وكيفية الاستفادة من الفرصة العاملية الجديدة لإعادة الإهتمام بالنموذج الإسلامي في كل المجالات.

[/responsivevoice]

اترك تعليقاً