العراق في فقاعة المرجعية الدينية.. الجزء الاول

العراق في فقاعة المرجعية الدينية.. الجزء الاول

نظرة إلى حال العراق في فقاعة المرجعية الدينية تذكرنا بقصة فولتير، فينما كان فولتير على فراش الموت حضر إليه رجل دين كهنوتي يطالبه بالاعتراف ليحقق له الغفران، ومن المعلوم أن فولتير قضى عمره في فضح الدجل الكهنوتي وتعرية واستغلال الكهان والسدنة للناس بكل طبقاتهم، لم يكن فولتير ينكر وجود الله وإنما كان ينكر حق الكهنوتي في النيابة عن الله في الأرض، قال له رجل الدين أتيتك من عند الله، طبعا كان من المتوقع من فولتير في حالة الضعف هذه ان يسلم لرجل الدين الكهنوتي بالحق الإلهي ولكنه لم يخضع للإرهاب الفكري الكهنوتي، فكان رد فولتير أين أوراق اعتمادك؟

هذا السؤال البريء هو أبلغ جواب على الادعاءات الدينية الحوزوية سواء كانت سستانية أو صدرية أو حكيمية أو غيرها. فلا أحد يجهل ان هذه الطواغيت والأصنام التي استعبدت الشعب العراقي بكل وسائل الاستبداد والإرهاب الفكري والجسدي والاجتماعي والنفسي وبصور وأنماط شتى، و أدخلت العراق في فقاعة المرجعية الدينية، كل هذه الالسنة اللثغاء والعقول الجرداء التي فرختها الحوزة في النجف وقم وباضتها الأفكار العفنة على مر الدهور والعصور لفكرة الاثنى عشر أمام، غاب آخرهم عن المشهد ولم يلعب دوره على مسرح الأحداث، ومن هنا تبدأ قصة كهنوت الألف عام، لسبب بسيط وهو ان كتاب السيناريو الرواد استفقدوا الحلقة الاخيرة من السلسلة التي لم تكن أصلا موجودة بعد وفاة الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري، سنة ٢٦٠ هجرية، الذي كان لا يولد له وليس له ذرية لا ولد ولا بنت وهذا أمر لم يكن يحتاج الى مصادر توثيق إذ أن مثل هذه الامور لا تخفى على أحد فهي من احداث الواقع الاجتماعي لهذا الإمام المشهور فكيف وقد وثقتة المراجع والكتب الاثنى عشرية.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
إنتهى رمضان.. فماذا تعلمنا؟

في ظل هذه الأزمة يطفو على السطح أحد السيناريوهات القديمة، وهي نظرية غيبة الإمام التي كانت تلجأ إليها الخلايا الاثنى عشرية للخروج من الأزمات والدخول في متاهات لا آخر، لها لم يكن هذا مهما، لكن المهم أن يبقى ينبوع الأموال يتدفق ريعه ليملأ الجيوب ويتخم البطون ويكمم الاصوات الحرة.

المصدر الوحيد الذي تدور حوله هذه الأسطورة العقائدية، هو حفيد أحد نواب الإمام الغائب من إحدى بناته ويعرف بأبن برينة، وهو ابن أم كلثوم بنت وكيل المهدي محمد بن سعيد بن عثمان العمري، حيث أن شيخ الطائفة الطوسي وجد كتاب ابن برينة، كما يدعي، وأخذ ينقل عنه سيناريو هذا الفلم حيث يختفي المولود الصغير للحسن العسكري ويبدأ الخط الاول من اصحاب العسكري بتوزيع الأدوار وتقاسم كعكة ميلاد المهدي من اموال طائلة كانت في خزائن العسكري ومن الأموال المخصصة من ملايين الشيعة حول العالم التي كانت تسلم إلى خزائن العسكري.

بدأ النائب الأول باستلامها والاستحواذ عليها لمدة عشرين سنة وبعد شعوره بقرب أجله نقل النيابة بطريقة التوريث الكسروية إلى إبنه واستمر الإبن نائبا للغائب لعشرين سنة أخرى وبعد مرضه وحيث أنه لم يكن له ولد ذكر ينقل إليه النيابة اوصى بها إلى أحد أصحاب الخط الأول من أصحاب الإمام العسكري وهو الحسين بن روح النوبختي، وهو أحد الشركاء في المؤسسة المهدوية ولكن لسوء إدارته وطمعه في الاستحواذ على الأموال والواردات بوكالة حصرية أدى ذلك إلى حدوث اول انشقاق في قطع المائدة المستديرة لأعضاء المؤسسة ولرواد سيناريو النيابة فانقطعت المسبحة وانفرط خرزها واتسع الخرق على الراقع.

سقط القناع عندما أعلن محمد بن علي الشلغوماني وكالته عن المهدي وأنه باب من أبوابه فكانت منهجية التعامل معه باتهامه بالإلحاد ثم اخراج تواقيع، رسائل المهدي إلى وكلائه وكانوا يدعون أنهم يجدونها إما معلقة على شجرة او مرمية في الماء أو يأتي بها رجل مجهول، كما حصل ذلك ايضا مع عضو آخر من اصحاب المائدة المستديرة للعسكري وهو محمد بن نصير النميري، فكالوا له نفس التهم وأخرجوا له تواقيع من المهدي وسربوا معلومات عنهم إلى الخلافة العباسية فتم صلبهم وتصفيتهم.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الطائفية في العراق

الأدهى أن النوبختي قد اتهم أحد أهل البيت وهو شقيق الإمام الحسن العسكري والمعروف بجعفر بن علي الهادي الأخ الأصغر للعسكري وتسميه الاثنى عشرية جعفر الكاذب، تميزا له عن جعفر الصادق، لأنه حسب المذهب الإمامي المفروض أن يكون المرشح لوراثة أخيه العسكري، حيث أن جعفر كان له تسعة بنين وكان يسمى بأبو البنين وأنه الأخ الوحيد للعسكري الذي لا ولد له.

قام جعفر بإحضار الشهود والقضاة ليشهدوا على نساء وجواري العسكري انه ليس له ولد ولا احدى نساءه حامل حسب ماذكر الطوسي ونعمة الله الجزائري، لكن دوائر اللوبي الاثنى عشرية مارست ضده حملة شعواء فاتهموه بترك الصلاة وشرب الخمر وممارسة السحر والشعوذة وأنه جاهل لا علم له بالأحكام الشرعية كل ذلك بسبب ما حصل من التنازع بينه وبين أصحاب العسكري من أعضاء المائدة المستديرة الذين ارادوا تفويت الفرصة بقطع الطريق على جعفر العسكري فأختلقوا سيناريو الإبن الغائب فكانت هذه هي المنهجية الجديدة للخط الاثنى عشري والتي سوف تلقي بظلالها على ألف عام من التامر والقتل والتصفية والتجهيل والتكفير والتضليل لكل من تسول له نفسه التذوق من كعكة ميلاد الغائب.

يقول احد المنشقين من أصحاب العسكري إن الخط الأول الذي كان نائب ووكيل للنوبختي وصاحب الكتب المعتمدة عن الاثنى عشرية التي لم يكن في ذلك الوقت بيت اثنى عشري يخلو من كتاب له وهو الشلغوماني الذي تقدم ذكره، يقول ما دخلنا مع أبو القاسم النوبختي في هذا الأمر، النيابة عن الغائب، إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه كنا نتهارش على هذا الامر كما تتهارش الكلاب على الجيف، الطوسي كتاب “الغيبة” صفحة ٢٤١.

عندما اتسعت هوة دائرة المدعين للنيابة عن الغائب وكان أصحاب المائدة المستديرة للعسكري واللوبي المهدوي قد توفوا جميعا ولم يبقى إلا النائب الرابع، علي السمري، ولم يكن له أولاد فقام الأخير بحركة (كش ملك) بتفويت الفرصة على الجميع فأعلن أن الإمام الغائب قد غاب غيبته الكبرى ولن يظهر ابداً. وبعد ان مات جرى تعديل في السيناريو إلى أن الغائب سوف يظهر قبل يوم القيامة وفي سيناريو آخر يظهر عند ظهور الفساد وفي سيناريو آخر يظهر عندما يقرر هو ذلك.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
تطاول سافر وليس دعما

وللخروج من ظاهرة التهارش على النيابة بين اللاعبين الكبار ولتوزيع قطع كعكة غيبة الإمام على جميع الفقهاء المأمونين، فهذا هو السيناريو الأخير الذي استقرت عليه المؤسسة الاثنى عشرية كما يقول الشيخ المفيد في كتاب “المقنعة” صفحة ٢٥٢ “فإذا عدم السفراء بين الإمام ورعيته وجب حملها (الأموال) إلى الفقهاء المأمونين من اهل ولايته”.

ومن هذه المرحلة بدأت أذرع النظام الكهنوتي بالنمو والتكاثر لكسر الإرادات وقهر الحريات وقطع الألسن الحرة وتعذيب وقتل الأنفس العادلة تحت سياط جلادي رجال الدين، لإدخال العراق في فقاعة المرجعية الدينية، وفي ظلال عباءة نيابة لاهوتية ما أنزل الله بها من سلطان افترتها أفئدة آثمة وأفواه البهتان وعقول متهافتة، يقول المفيد في كتاب “المقنعة” صفحة ٨١٠ وصفحة ٨١٢، فأما اقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصب من قبل الله سبحانه وتعالى وهم أئمة الهدى من آل محمد ومن نصبوه لذلك من الامراء والحكام وقد فوضوا النظر فيه إلى الفقهاء، وبعد ٥٠٠ سنة صعد محققهم علي الكركي على خشبة المسرح.

[/responsivevoice]

اترك تعليقاً