بريسترويكا في إيران والإنفتاح على الغرب

د. محمد النعماني
مصر : ۹-۱۰-۲۰۱۳ - ٦:۵۵ ص - نشر

بعد أن إستلم الرئيس الإيراني المنتخب حسن روحاني منصب السلطة والحكم في إيران وأصبح رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدأ روحاني في عملية إعادة البناء، ونقصد بذلك عملية "بيريسترويكا" بهدف إحداث تغييرات جذرية في بعض المفاهيم المتعلقة والمرتبطة بالسياسية الخارجية لإيران وعلاقاتها بالغرب بهدف الوصول إلى أهداف يمكن من خلالها لإيران كسب ثقة الغرب كدولة ونظام سياسي يمكن التعامل معه للإسهام في حل النزعات الإقليمية والدولية في العديد من المناطق الحساسة في العالم.

فقد بات معروفاً ومؤكداً أن إيران تتمتع بنفوذ وتواجد ولها مصالح إقتصادية وسياسية في منطقة الشرق الأوسط واليمن وبحر العرب والبحر الأحمر والقرن الأفريقي وأفريقيا والبحرين والعراق ودول ما كانت تعرف بالإتحاد السوفياتي، بالذات في الجمهوريات الإسلامية، كل ذلك يؤهل النظام السياسي الحاكم في إيران للإنفتاح على الغرب والعرب والوصول إلى تفاهمات وشركاء عالمية لإيران تسهم بموجبها إيران في إحلال السلم والأمن العالمي ومكافحة الإرهاب بالذات الجماعات الجهادية كتنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات الجهادية المنتشرة وبقوة في الصراع الجاري والحرب في سوريا بالإضافة إلى العراق ومصر واليمن ومالي وليبيا والصومال والتفاهم مع الغرب للوصول إلى الحلول المناسبة والعادلة لحل العديد من المشاكل الإقتصادية المزمنة في إيران بسب العقوبات والحصار الإقتصادي المفروض عليها من قبل دول الغرب وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية.

بدت الأمور أمامنا واضحة كباحثين في العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن البريسترويكا الإيرانية بدأت تتحرك هنا وهناك وبأن القيادة الإيرانية الجديدة تصدر إشارات مشجعة إلى الغرب والعرب بشأن تغيير نهج التشدد الذي سلكته البلاد في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، مظهرة إستعدادها لتطبيع كامل للعلاقات مع قوى غربية وعربية ولإستقبال مسؤولين غربيين وعرب في طهران، ويبدو أن التقارب السعودي الإيراني سوف يسهم في الوصول إلى تسويات للعديد من القضايا الهامة في المنطقة العربية منها الحرب في سوريا والأوضاع في العراق والحوثيون والحراك السلمي الجنوبي في اليمن وحزب الله في لبنان وخاصة وأن السعودية أبدت تذمرها من عدم إستطاعة البعض من علماء المسلمين في مكة من إقناع أكثر من ٧ آلاف من الشباب السعودي من التراجع عن أفكارهم الجهادية والعقائدية بعد أن تم الزج بهم بسب أفكارهم العقائدية والجهادية في السجون وإنشاء إصلاحيات لهم بهدف تأهيلهم وإعادة اندماجهم في المجتمع السعودي، إلا أن السعودية فشلت في إقناعهم وسهلت لهم بطرق متعددة ومختلفة ترحيلهم للمشاركة في الحرب في سوريا، إلا أن بعض المعلومات المتضاربة من مناطق القتال بدأت تؤكد على أن هناك العديد من الشباب السعودي ومعهم بعض العرب والأجانب بدأت بتنظيم نفسها في إطار جماعات وتنظيمات إسلامية تهدف إلى إسقاط الأسرة الحاكمة في السعودية وهذه المعلومات دفعت بالأسرة الحاكمة في السعودية إلى إبداء مخاوفها من إستخدام هذا الجماعات في الصراع الأسري للأسرة الحاكمة في السيطرة على الحكم في السعودية خاصة وأن هناك بعض المعلومات التي سربت تكشف أن جماعة الإخوان المسلمين كانت سعى إلى إسقاط الحكم في السعودية والإعداد لذلك ولا تستبعد بعض المصادر أن هناك علاقة للإخوان المسلمين في إنشاء وتأسيس جماعات إسلامية تهدف إلى إسقاط الأسرة الحاكمة في السعودية وأن الإعلان العلني سيتم قريباًً جداً.

لكن التواجد الفعلي لهذه الجماعات الإسلامية على الأرض في بعض المناطق القبلية في اليمن وفي العراق في إطار تركيب الدولة الإسلامية في العراق ومناطق متعددة في سوريا تقع تحت سيطرة الجماعات الإسلامية وفي المقابل نشطت إيران في تأسيس المجمع العالمي للتقريب بين أهل المذاهب الإسلامية هدفاً منها لتوسيع الفكر التقريبي وتكريسه بين جماهير الأمة الإسلامية وتوعيته حيال مؤامرات أعداء الإسلام المثيرة للتفرقة وضعت بعض نشاطاتها في جدول أعمالها وكان اهمها: التوجه نحو عقد المؤتمرات الدولية السنوية للوحدة الإسلامية وعقد المؤتمرات الدولية للتقريب بين أهل المذاهب الإسلامية وايفاد الوفود التبليغية للخارج والتعاون مع المؤسسات الدولية. وإستطاعت إيران بواسطة المجمع العالمي للتقريب بين أهل المذاهب الإسلامية خلق وإقامة العديد من العلاقات مع قادة عدد من الأحزاب والجمعيات الإسلامية في العالم بما فيهم قيادة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين حيث ترى إيران أنه لا يمكن بلوغ الهدف الكبير للتقريب بين المذاهب الإسلامية والتعرف بين أتباع المذاهب سوى عن طريق الإرتباط المباشر وجهاً لوجه بين المفكرين من مختلف المذاهب الإسلامية من مختلف مناطق العالم الإسلامي والتآزر الفكري بينهم. حيث يقول الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية آية الله الشيخ محسن الآراكي إننا "نخوض اليوم معركة شرسة، ليس مع أعداء أمتنا من الخارج فحسب، بل مع عناصر أعدتها يد الأعداء كي تمزق وحدتنا، وكي يبقى عدونا محتلاً لأرضنا وكي يقتلنا العدو الخارجي بأموالنا وبأيدينا وهذا هو أشد أنواع الذل الذي تعيشه أمتنا"، معتبراً "أن ثروات أمتنا يمكنها أن تحل مشكلات الإقتصاد العالمي، فكيف لا تحل مشاكل فقر شعوبنا". وأنتقد "القوى التي عملت على تكفير بعض المسلمين"، متسائلاً: من أين لها الحق في ذلك؟

ودعا إلى تحكيم العقل والى إجتماع يضم المخلصين من كل المذاهب والأديان من أجل أن تحيا شعوبنا حياة عزيزة، مشدداً على أن "العقل يحكم أولاً ثم الشرع في هذه الأمور. وهو الأمر الذي دفعني اليوم إلى القول أن مهمات مواجهة حركة التكفير والغلو والعنف والإرهاب والإساءة إلى الإسلام والعمل على توحيد الأمة هي مهمة لكل المخلصين من كل المذاهب الإسلامية والأديان السماوية وفي المقدمة العلماء والمفكرين والكتاب والصحفيين وأساتذة الجامعات".

إذن هل التقارب الإيراني السعودي سوف يسهم في تحكيم العقل ويؤدي إلى إجتماع لكل المخلصين من كل المذاهب الإسلامية لمواجهة خطابات وفتاوي وحركات التكفير والعمل علي نشر ثقافة التقريب والتسامح لتوحيد الأمة الإسلامية؟ نأمل ذلك ولكن نقول هل البريسترويكا الإيرانية على علم وإطلاع بها من قبل مرشد الثورة الإسلامية الأعلى آية الله علي خأمنئي؟ بناء على معلومات صحفية إستناداً إلى مصادر في فريق الرئيس الإيراني حسن روحاني أكدت أن إيران ستعيد العلاقات المقطوعة مع بريطانيا، والتقارب مع السعودية ودول الخليج العربي أو كما تسمي إيران الفارسي بدءا بفتح السفارتين في لندن وطهران ولقاء الرئيس روحاني بالملك عبدالله وأن البريسترويكا الروحانية للرئيس الإيراني ليست بعيد عن القناعات التي وصل الىها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خأمنئي بل أن هناك أخبار مؤكدة تكشف أن المرشد الأعلى آية الله علي خأمنئي هو من أمر بإنهاء التوتر مع لندن والغرب والعرب بالذات السعودية في سياق الإنفتاح الجديد على الغرب والعرب الذي تخطط له إيران بعد توتر شديد تسبب به الرئيس محمود أحمدي نجاد وأن هناك تبادل لإشارات إيجابية ما بين لندن وطهران والرياض وأن وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو الذي دعا إلى إستئناف العلاقات مع إيران. وكان قبل ذلك رحب بفوز روحاني في الإنتخابات وتحدث مطولاً عن طريقة تفكيره أثناء المحادثات التي كان يخوضها روحاني كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي مع الترويكا الأوروبية: بريطانيا وفرنسا وألمانيا، مسؤول إيراني عارف بأصول السياسة العامة لإيران أشار إلى سياسة روحاني الجديدة هي الإنفتاح وقال «إن سياسة طهران مع الإتحاد الأوروبي مبنية على أساس إزالة التوتر ومد جسور الثقة مع أوروبا».

وحسب معلومات صحفية من مصادر في الفريق الذي كان يعمل سابقاً مع روحاني في الملف النووي الإيراني، أكد أن هناك إتصالات سرية تجري مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أبطالها مفاوضون سابقون من الترويكا الأوروبية وإيران، وهي تتم تحت مرأى ومسمع وقبول الجهات الرسمية، خصوصاً روحاني الطامح لإزالة بؤر التوتر في علاقات إيران الإقليمية والدولية، وإيجاد حل للملف النووي بما يمهد لرفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران بما يحسن من أداء إقتصاد إيران المريض.

وفي إشارة إيجابية عن طبيعة المزاج الإيراني في الداخل المؤيد لسياسة وببريسترويكا روحاني في الإنفتاح على الغرب كتب محمد علي أبطحي، نائب الرئيس السابق الإيراني محمد خاتمي، على صفحته في الفيسبوك: إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو منزعج من فوز روحاني لانه سيخفق في عهده في تعبئة وتحشيد الرأي العام والدول ضد إيران. وأهدى أبطحي بسخرية واضحة «إنزعاج نتانياهو» إلى أولئك الذين كانوا يعتقدون أن تصريحات أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني السابق المنكرة لمحرقة اليهود والمهددة بمحو إسرائيل من الخارطة، وبرفع نسبة تخصيب اليورانيوم وغيرها، كانت تضر إسرائيل.

وكان أبطحي يشير إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، عبر قناة تلفزيونية أمريكية، إعتبر فيها الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني «ذئباً في زي حمل»، مكرراً أن إيران تقترب من «الخط الأحمر» النووي. وقال نتانياهو في مقابلة مع شبكة سي بي اس: «هناك رئيس جديد في إيران. إنه ينتقد سلفه لانه كان ذئباً في زي ذئب. لكن إستراتيجيته هو تقضي بأن يكون ذئباً في زي حمل، بأن يبتسم فيما يصنع القنبلة النووية».

وإعتبر أبطحي تصريحات نتانياهو مؤشراً على فشل إسرائيل في عهد روحاني، في إثارة الغرب ضد إيران، لأن الرئيس المقبل الذي سيتبنى نهجاً تصالحياً ورفع شعار الإعتدال والإنفتاح وإزالة التوترات، لن يمنح نتانياهو وغيره الذريعة لشن هجوم على إيران، وهو ما يؤمن به أيضاًً المجلس الوطني للإيرانيين الأمريكيين، وهو مجموعة ضغط من أمريكيين من أصول إيرانية ومقره في واشنطن، يدعو إلى إستغلال إنتخاب روحاني لبدء مرحلة جديدة من العلاقات بين طهران والغرب لتهميش المتطرفين ممن يتسببون بدق طبول الحرب على إيران ورحبت إيران بـ"النبرة المعتدلة والمحترمة" التي تضمّنها خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما أمام الأمم المتحدة.

وبعث الرئيس الإيراني حسن روحاني برقية تهنئة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، أعرب فيها عن أمله "في تنامي التعاون الأخوي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والسعودية".

ونقلت وكالة "أيسنا" عن نائب وزير الخارجية الإيراني مرتضى سرمدي قوله: "يبدو أن مناخاً جديداً قد بدأ يلوح مع تسلم الحكومة الإيرانية الجديدة مهماتها وجميع الأطراف الدولية تحاول أن تتجاوب مع هذا المناخ الجديد. وعلى سبيل المثال، حاول باراك أوباما أن يتحدث بنبرة تتسم بمزيد من الإعتدال والإحترام".

وأضاف: "لكن لا شك في أن المهم في السياسة الخارجية هو الأفعال. فإذا احترمت بلدان ٥+١ الحقوق النووية لإيران في إطار معاهدة الحد من الانتشار النووي، أعتقد بأن من الممكن توقع الوصول إلى حل". وقد إعترف باراك أوباما بـ"أخطاء الماضي" إقترفتها الولايات المتحدة حيال طهران.

كذلك رحبت الصحف الإيرانية بموقف دولي جديد "لمصلحة إيران" بعد أن أقر الرئيس باراك أوباما في خطابه أمام الأمم المتحدة بـ"الأخطاء الماضية" التي إرتكبتها الولايات المتحدة حيال إيران، في حين ندد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخطاب الرئيس الإيراني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة معتبراً أنه "مراوغ ومليء بالخبث".

ورحبت صحيفة "دنيا إقتصاد" بـ"النبرة المختلفة" حيال إيران، في حين نقلت صحيفة "جمهوري إسلامي" تصريح الرئيس الأمريكي الذي أكد فيه أن "الولايات المتحدة لا تسعى إلى قلب النظام" في إيران. وبحسب صحيفة "شرق" الإصلاحية، فإن "العلاقات بين البلدين على سكة جديدة، وحتى الأكثر تردداً أدركوا أن وقت التغيير قد حان". وفي مقالة قالت الصحيفة إن "الوضع الدولي تغيّر بشكل كبير لمصلحة إيران" في حين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو "بات معزولاً".

وكتبت الصحيفة أنه بمواصلة محادثاتها مع واشنطن حول النووي الإيراني التي ستفضي إلى الموافقة على "حقوق" إيران، "ستظهر إسرائيل أكثر وأكثر كبلد عدواني وإيران كبلد سلمي". ورأت صحيفة "اعتماد" المعتدلة في تصريحات الرئيسين الإيراني والأمريكي "فرصة تاريخية للعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران". وقال مسؤول سابق لأميركا الشمالية في الخارجية الإيرانية "أقر أوباما بأخطاء الماضي" وهذا دليل على وجود "إرادة لدى الجانبين للتصدي لإنعدام الثقة".

ونشرت صحف عدة خصوصا صحيفة "إيران" الحكومية على صفحاتها الأولى، تصريحاً لأوباما حول اهمية "فتوى المرشد الأعلى" علي خأمنئي حول حظر الإسلام إمتلاك السلاح الذري ورأت في ذلك مبادرة سياسية مهمة من قبل الرئيس الأمريكي.

وفي مقالة موجهة إلى صحيفة "غارديان" البريطانية نشرتها عدة صحف إيرانية صادرة بالانكليزية ذكر فيها إلى أن الرئيس الإيراني السابق الإصلاحي محمد خاتمي (١٩٩٧-٢٠٠٥) بانه "منذ أكثر من عقد كان الإتفاق ممكنا (لتسوية الخلافات بين إيران والغرب)، لكن الديبلوماسية فشلت". وحذر من فشل "في نشر أجواء من الثقة" قد يكون له عواقب "ليس فقط إقليمية بل عالمية".

لكن الصحف المحافظة لم تشاطر هذا التفاؤل. وسخرت صحيفة "كيهان" من "ثرثرة أوباما ضد إيران" وإعتبرت أن تصريحاته خصوصاً حول إحترامه حق الإيرانيين بالطاقة النووية السلمية "دليل على قوة إيران".

وأكدت صحيفة "الشرق" أن المفاوضات لن تسوي المشاكل الداخلية لانه ليس هناك "عصا سحرية" أمريكية.

د. محمد النعمانيإنجلترا

كاتب يـمـنـي يعيش في لندن

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

صفحات المقال: 1 .. 2 .. 3 .. 4 .. 5 ..

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق