التدخل الإيراني في العراق

التدخل الإيراني في العراق

أعادت الاحتجاجات الأخيرة في العراق الملفّات السياسيّة الأكثر حساسيّة إلى السّطح، أهمّها النفوذ الخارجيّ في هذا البلد، فمنذ وفاة صدّام حسين وسقوط نظامه قبل ١٦ سنةً، بدأ التدخل الإيراني في العراق وشرعت إيران في تموقعها السياسيّ داخل العراق، مستندةً لخلفيّتها الطائفية الشيعيّة، وحرصًا منها على إضعاف النفوذ الأمريكيّ في هذا البلد الجريح، الذي لمّا ينهي بعد فترة نقاهته.

مع دخول داعش على الخطّ في العراق سنة ٢٠١٤، تدعّم وجود إيران في العراق عبر ما يُعرف بفيلق القدس. إلّا أنّ هذه الأخيرة تعتمد سياسات حذرة بصفة عامّة وفي المنطقة بصفة خاصّة. هذه السياسات لطالما لفّها الغموض والتورية، ولعلّ ذلك يرجع إلى الجذور السياسيّة القائمة على مبدأ “التقيّة”: التحرّك في الظلال، وانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض! كُلّ هذا جعل إيران تتجنّب المواجهة المباشرة مع داعش وتكتفي في أغلب الأحيان بالدّعم اللوجستي والماليّ.

قد يذهب في ذهن القارئ للأحداث أنّ التدخل الإيراني يهدف إلى دعم النظام السياسيّ في العراق لغاية نبيلة اسمها إيقاف المدّ الداعشي الإرهابي (السنّي) لكنّ هذه القراءة البسيطة تُغفل طبيعة المعركة السياسيّة في منطقة الشرق الأوسط، وكما أنّ النصّوص تفسّر بعضها فإنّ السياسات تُفسّر بعضها بعضًا وتُحيل إلى نظائرها. لقد أثبتت الأحداث الأخيرة بالعراق الدعم الإيرانيّ اللامشروط للنظام العراقيّ الحاليّ، إذ تحرص إيران حاليّا على تثبيت حكم رئيس الوزراء العراقيّ عادل عبد المهديّ، رغم الاحتجاجات السلميّة العارمة المعارضة لحكمه. المعلومات المتواترة تؤكّد تدخّلا مباشرًا لـ”سليماني”، قائد قوّة القدس الموالية لإيران وذلك من أجل تركيز حكم عبد المهدي وحمايته من التظاهرات الأخيرة المناهضة لحكومته.

لا يمكن لأحد أن ينكر شرعيّة الاحتجاجات الشعبيّة في العراق، فهي قبل كلّ شيء تعبيرة شعبيّة عفويّة عن رفض الشارع للطبقة الحاكمة التي لم تلبّي تطلّعات النّاس لحقوقهم الطبيعيّة في الحياة: الخبز والكرامة. إيران تُدرك ذلك قطعًا، لكنّها لا تريد المخاطرة بفقدان مصالحها التي تشكّلت عبر سنوات في العراق، وإنْ كان ذلك على حساب مصالح الشعب الإيرانيّ نفسه!

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
النووي الإيراني مقابل داعش

يبدو أنّ منطقة الشرق الأوسط ليست إلّا ساحةَ تقاسم نفوذ بين محور المقاومة الشيعي بقيادة إيران والمحور السنّي بقيادة السعوديّة والإمارات، وهو ما دأبت عليه القوى الإقليميّة والدوليّة في منطقة الشرق الأوسط وغيرها منذ عقود طويلة: الضعيف يستقوي بالقويّ، والقويّ يدعم نفوذه ومصالحه بنصرة الضّعيف، وقديمًا كان هذا في السياسة.

[/responsivevoice]

اترك تعليقاً