الأميون

صلاح الدين اللهبي
مصر : ۳۰-۱۰-۲۰۱۸ - ۵:۱۹ ص

لُغَةً: الأُمِّيُّ منسوبٌ إلى أُمِّه وذلك لدوام حاله على جِبْلَته التي بها وعليها كانت ولادته، الأميون جمعها وهو لفظٌ يحمل في باطنه الكثير من المدلولات الإيجابية التي إذا ما أُبْرِزَت يتوارى حينها المدلول السلبي دائم الظهور من قِبَلِها.. فتحت المعجم لإستحضار أصل الكلمة كخطوة أولى للبرهنة على صحة ما ذهبتُ إليه.. ماذا وجدت؟

تبين لي أن الأُمِّيِّن ليست مفردة مقطوعة من شجرة بل مفردة تنتمي إلى أصلٍ يدعى "أمم" ولهذا الأصل عائلة بأكملها قابلتُ بعضاً من أفرادها وهم "أُمّ، أُمَّة، أُمِّيّ، أمَام وإِمَام"، هنا لابد أن يكون معلوماً لديك بما أن هذه المفردات إنبثقت عن أصلٍ واحدٍ وتنتمي إلى عائلة واحدة لا بد وأنها جميعاً تتشارك أو تدور حول معنًى واحداً مشتركاً لا ينبغي حصره على إحداها أو نفيه عنها.

الله أعلم حيث يضع رسالته ويمُنُّ بأفضاله، وصف العرب بالأُمِّيِّين وفضلهم على سائر الأمم، هذا يعني أنه نعتٌ إيجابي في مجمله لأنك إذا ما ذهبت لِسَبْر أغوار هذا الأمر في سياق شرح المعجم تبين لك أن تفسيره لها قد انحصر فقط بمفردات ذات دلالة لغوية مشتركة أيضاً فيما بينها مثل "السيد، الأول، الأصل، المتقدم، القصد والوالدة".

هنا لا بد من أن يتكشف لك الأمر جلياً مدركاً أن الله قد شرَّف هؤلاء الأُمِّيِّين فخصَّهم بأشرف العناصر وأقدسها على وجه الأرض، عناصر أطلقتُ عليها مجموعة الأصول والأمهات الأئمة القدسية وعددها سبعاً إنبثق عنها دين الله وقامت بها جنبات بنائه العظيم.. لابد الآن أنك قد عرفت تلك العناصر فأدركت أنني بذلك إنما أشير إلى: القرآن العظيم، آدم ، محمد عليهما الصلاة والسلام، صحابته، الكعبة ، مكة واللسان العربي، وليكن بمعلومك أنها جميعاً عناصرٌ متعلقة بالعرب.

لنقتبس بعضاً من المعاني المشتركة لأفراد هذا الأصل اللغوي "أمم" كما أوردها معجم لسان العرب ونعرض عليها الأصول والأمهات القدسية العربية السبعة آنفة الذكر لنثبت مدى جدارة هذه الأصول لاستحقاق تلك المدلولات اللغوية منوهاً أن المفردات التي بين حاصرتين منسوخة من المعجم كما أوردها.

"الأُمِّيُّ لغةً منسوبٌ إلى الأُمّ وذلك لبقاء حاله على جِبْلَته التي بها وعليها ولدته أُمُّهُ"، وهنا يحضر وبقوة مدلول الفطرة كصفة ليس بمقدور أحد نفيها عن العرب ما داموا موصوفين بالأُمِّيَّة وما دامت الأُمِّيَّة تشير إلى الفطرة التي يولد عليها المولود، من هنا نؤكد أن العرب أُمَّة ما زالت على فطرتها إذ لم تغادر الموطن الأصلي للبشر، أُمَّةٌ شاء الله من خلالها الإبقاء على نسخة فطرية طبيعية من الأصل البشري بكل مدلولاتها المكانية جزيرة العرب والبشرية من أُدْمَةِ اللون وعروبة اللسان وحسن السجايا والمكارم وغير ذلك مما كان عليها الأصل البشري الأول آدم.

"الأُمُّ لكل شيء هو المَجْمَع والمَضَمُّ. فكل شيء انْضَمَّت إليه أَشياء، أو ضم إليه سائرُ ما يليه فهو أُمُّ"، هنا إشارتان الأولى إلى بيت الله الحرام فهو البيت الأول "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ" وهو المكان الذي يضم الناس إليه "مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" والإشارة الثانية إلى مكَّة كونها "أُمَّ الْقُرَىٰ" ففيها بدأ الإنسان حياته ومنها إنطلق وتوسع في كل إتجاه بانياً حضارته من حولها.

"إِمامُ كلِّ شيء: قَيِّمُهُ والمُصْلِح له، والإِمامُ ما ائْتُمَّ به من رئيسٍ وغيره، وأَمَّ القومَ تقدَّمهم، وأْتمّ به أَي اقْتَدَى به، والأُمَّةُ: الرجل العالِم والمُعَلِّم المُتَفَرِّد الذي لا نظِير له"، وهنا إشارتان إلى إمامَيْن الأول أم الكتاب القرآن الكريم إِمامٍ المسلمين والمهيمن على كافة الكتب السماوية، والثاني إمام الأَئِمَّة وسيد البشر والمرسلين صاحب الخُلُق العظيم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم "ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ".. "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ".

"الأَمامُ: نَقِيضُ الوَراء وإِمام القِبلةِ: تِلْقاؤها والأَمُّ، القَصْد، أَمَّهُ يَؤُمُّه أَمّاً إِذا قَصَدَه" وهنا نشير إلى الكعبة بيت الله الحرام وحرمه فنحوه يتوجه المسلم للصلاة من مشرق الأرض ومغربها ومن شمالها وجنوبها واضعاً إياه أمامه وإليه يحج قاصداً زيارته وأداء مناسكه فالحج هو القصد سلَّمك الله.

"والأُمَمُ: القَصْد الذي هو الوسَط" وهنا إشارتان الأولى مكانية منوطة بجزيرة العرب وفي قلبها مكة التي تتوسط كل اليابسة، والثانية بشرية متعلقة بسكان هذه المنطقة وهم العرب "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" فحازوا وسطيتين وسطية المنهج إلى جانب وسطية المكان كونه أُنيط بهم قيادة الأُمم في طريق الله نحو الخير والحق والصلاح.

"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله".. "والأُمَّةُ: الشِّرعة والدِّين والسُّنَّةُ" وهنا نشير إلى جميع العناصر السابقة والتي بها ومنها أقيم الإسلام وأكتمل دين الله المفترض لكافة البشر على وجه الأرض.

"والأُمُّ الوالدة؛ وأُمُّ كل شيء: أَصْلُه وعِمادُه" وفي إطار هذا المعنى نشير إلى ثلاث أمهات أو ثلاثة أصول، الأول مكة، الثاني آدم والثالث اللسان العربي. فالأول معلومٌ لديك أنها أم القرى، وأعلم أيضاً أنها أم اليابسة وأصلها، فالعلم الحديث أكد أن الأرض كانت مغمورة بالمياة قبل وجود الحياة عليها وأن اليابسة التي نشاهدها الآن إنما نشأت نتيجة لثوران البراكين من باطن الأرض، الأمر الذي يتوافق مع بعض الأحاديث الشريفة فقد ورد في الأثر "أن مكان البيت، الكعبة، كان خشعة على الماء فدحيت الأرض من تحته" والخشعة في اللغة هو المولود الذي يُبْقَر من بطن أمه بقراً فينتزع منها حياً فور موتها.

هذا يؤكد أن اليابسة قد ولدت من باطن الأرض وأن مكان الكعبة هو الأُمُّ الذي جرت فيه ومنه هذه الولادة فخرجت اليابسة، الصهارة، وتمددت في كل إتجاه "دُحِيَت" مزيحةً الماء الغامر لوجه الأرض مُشَكِّلة بذلك القارة الأُم والتي قبل تشظيها كان مركزها مكة وهو الأمر الذي ربما ينبؤنا عن أهم مدلولات القدسية لهذه الأرض.

الأصل الثاني أبو البشر وأصلهم الأول آدم عليه السلام والذي يفترض أنه قد حلَّ بمكة كونها مجمع الأصول القدسية المذكورة والتي شاء الله أن تنضم جميعاً وتقام في مكانٍ واحد في أطهر الأرض وأقدسها مكة "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ" وآدم هو أول أنبياء الإسلام ولا بد أنه قد بدأ مهمته هناك ببنائه الكعبة بيت الله الحرام أول بيت للناس ممثلاً بذلك مركزاً لدين الله وقبلة لعبادته حيث إستهل الإسلام بالظهور هناك شيئاً فشيئاً ومن ربه بدأ آدم بتلقي بعضاً من تشريعات الإسلام وتعاليمه بعد أن ألهمه اللسان العربي المبين وهوالأصل الثالث.

الأصل الثالث هنا العربية أحد الأصول السبعة المذكورة أم اللغات وأصلها، اللسان الافتراضي للبشر وللعبادة والدين فلا تقبل الصلاة ولا يقرأ القرآن إلا به، اللسان الإلهامي الذي علمه الله لآدم ومنه إنبثقت بقية اللغات ولا أفشي سراً إن أكدت صحة ذلك مستنداً إلى بحثٍ عملت عليه طيلة سنوات.

والأُمِّيُّ: العَييّ قليل الكلام ذو القريحة الجافية الذي لا يقرأ ولا يَكْتُبُ أي لم يَتَعَلَّم الكِتاب فهو على جِبِلَّته عِند ولادته.

خلاصة القول وكما رأيت فقد تراجع المدلول السلبي لمفردة الأُمِّيِّن المتعلق بالجهل والجلافة متوارياً خلف المدلولات الإيجابية التي تجلت لنا منها تلك السبعة الأصول العربية بكل مدلولاتها القدسية وهي:

  • إمام الأنبياء وسيد البشر الرسول محمد بن عبد الله، الصادق الأمين
  • أم الكتب وإمام الهداية القرآن المجيد
  • أم القرى مكة المكرمة
  • أم اللغات وأصلها الأول العربية
  • أول بيت وضع للناس قدس الأقداس وأشرفها الكعبة بيت الله الحرام
  • أول البشر وأصلهم آدم عليه السلام
  • أئمة البشر وهداتهم من أهل بيته وصحابته رضي الله عنهم.

صلاح الدين اللهبيYemen, Al Hudaydah

Copyright © 2018 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

*/ ?>


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق