الهجرة غير الشرعية: بين اليأس والرجاء

مصر : ۳۱-۵-۲۰۱٤ - ۱۱:۱۲ ص

أعلم جيدا أن موضوع الهجرة غير الشرعية يشكل هاجسا ثقيلا لدى العديد من المسؤلين والمثقفين وجمعيات حقوق الإنسان وكذلك المجتمع الدولي خاصة الدول التي لها شواطئ على البحار والمحيطات كما أنه يشغل بال كل مصري مخلص مهموم بمشاكل وقضايا وطنه وأبناء هذا الوطن، كما أعلم أن هذا الموضوع تم بحثه من قبل كل من له علاقة به سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الأمنية في الداخل والخارج.

في تناولي لهذا الموضوع سأقوم بعرضه من واقع خبرتي السابقة بقطاع أمن النفاذ ومشاركتي في العديد من الاجتماعات الأمنية في مصر وخارجها وبحكم ما لمسته من جهود كبيرة تبذلها الأجهزة الامنية التي يقع عليها وحدها عبئ تلك المواجهة علما بأنه في الحقيقة مسؤلية المجتمع بأثره بكل مؤسساته الاعلامية والاجتماعية والثقافية والسياسية ايضا، لعلى أصل إلى وضع بعض التصورات التي يمكن أن تساهم أو تكون بداية لتعامل مجتمعي مع هذه القضية.

عادت مؤخرا ظاهرة الهجرة غير الشرعية من خلال بعض الشوطئ المصرية المعروفة بكل ما تحمله من مخاطر ومأسي في محاولات مستميتة للجوء إلى احدى الدول الاوروبية تطلعا لحياة أفضل من وجهة نظرهم ولعل الجديد في تلك المحاولات أنها تضم مؤخرا اعدادا كبيرة من السوريين والفلسطينيين والسودانيين المتواجدين في البلاد منذ ثورة يناير ٢٠١١ حيث تمكن تنظيم الإخوان المسلمين من استقطاب العديد منهم للمشاركة في المظاهرات والاضطرابات التي كانو يقومون بها في مواجهة المجلس العسكري وكان مقابلها عقب توليهم الحكم صدور تعليمات بمعاملتهم كالمصريين وعدم مطالبتهم بتأشيرت دخول أو تصاريح إقامة بالبلاد وهو ما تغير في أعقاب ثورة يونيو ٢٠١٣ الأمر الذي دفع العديد منهم إلى الهجرة خارج البلاد بعائلتهم واطفالهم وهنا ايضا جانب اضافي من المأسي حيث شهدت حالات الموت غرقا اعدادا كبيرة من النساء والاطفال.

وقد تمكنت السلطات المصرية من احباط العديد من تلك المحاولات والقبض على العصابات التي تقوم بتهريبهم مقابل مبالغ مالية كبيرة في حين قامت السلطات الايطالية واليوناينة والقبرصية بالقبض على البعض منهم عقب دخولهم بينما لقي الباقي حتفهم بالموت غرقا اثناء ذلك وكم كان خبر القبض على ٨٦ طفلا وقاصرا سوريا بمعرفة السلطات الايطالية صادما للرأي العام العالمي وجمعيات حقوق الانسان مما دفع عمدة مدينة كاتانيا الايطالية للقيام بايداعهم في احد مراكز رعاية القصر لحين الانتهاء من فحص موقفهم والبت في امرهم.

وتبذل اجهزة الشرطة وحرس الحدود جهودا مضنية لمواجهة تلك المحاولات قبل مغادرتهم المياه الاقليمية انقاذا لحياتهم وكرامتهم إلا انهم يعيدون المحاولة مرة اخري املا في حياة افضل من وجهة نظرهم، إلى هذا الحد هانت الحياة عليهم، يدفعون ثمن موتهم او سجنهم او ترحيلهم، انه الياس والاحباط والرجاء .

وقدر رأيت بنفسي مدى المعاناة التي يتعرض لها من يقومون بهذه المغامرة غير المحسوبة خاصة على ضوء التعاون الدولي لمواجهة هذه المحاولات وهو الامر الذي دفع بعض الدول لتزويدنا بالعديد من المعدات وبعض اللنشات البحرية لتعقب المراكب التي تحمل هؤلاء المهاجرين قبل خروجهم من المياه الاقليمية للبلاد، وبرغم كل هذا مازالت المحاولات لا تنتهي ابدا في ايجاد فرصة عمل او لتحقيق حلم الحياة الافضل او الفرار من واقع بائس.

وهنا نقول إن الحلول الامنية وحدها لا تكفي لوضع حد لهذه الجريمة بل لابد من تكاتف جميع الجهات المعنية للتعامل مع هذا الملف الهام والذي اصبح يضم عائلات باكملها واطفالا بمفردهم وبرغم كل الاعباء التي ينوء بها كاهل اجهزة الشرطة والقوات المسلحة إلا ان المسؤلين مازالوا على تصميمهم بعدم التعامل بحرية تجاه هذا الموضوع وتركه او الجانب الاكبر منه للقوات الامنية فقط.

ولعله من المنطقي ان نشير إلى بعض العوامل المجتمعية التي ادت إلى تزايد هذه الظاهرة، فعلى الصعيد الاقتصادي نجد ارتفاع تكلفة المعيشة وتفشي ظاهره البطالة وتفاوت معدلات الدخل. اما الجانب الاجتماعي فنجد الشعور بالاحباط لدى الشباب نتيجه فشله في تحقيق طموحاته الشخصية من عمل وزواج ومستقبل مطمئن بالاضافة إلى ما يقوم به الاعلام من رسم صورة وردية للعالم الخارجي والنجاحات التي حققها من سبق لهم الهجرة إلى هذا العالم وما يقوم به العائدون بعد فترات من عملهم بالخارج من شراء عقارات او اراضي زراعية.

اما المبررات السياسية فهي لم تظهر في مصر الا مؤخرا في اعقاب قيام ثورات الربيع العربي وما اعقبها من استيلاء فصائل معينة على مقاليد الاوضاع في البلاد وتوافد اعداد كبيرة من السوريين والفلسطينيين للبلاد املا في تدعيمهم من قبل الاخوان المسلمين مقابل دعمهم لها في المظاهرات، الامر الذي تغير بعد ثورة يونيو ٢٠١٣ وتغيرت معه نظرة المجتمع لهم كما تغيرت التسهيلات التي كانت ممنوحة لهم بلا ضابط ولا رابط، هذا بالاضافة إلى بعض المعارضين للاوضاع في البلاد سواء في عهد الاخوان المسلمين او ما بعدها.

وقد مرت مراحل التعامل مع الهجرة غير الشرعية إلى الدول الاوروبية بثلاثة محطات زمنية متداخلة، الاولى قبل عام ١٩٨٥ وفيها كانت معظم هذه الدول بحاجة إلى مزيد من العمالة وبالتالي قبول المهاجرين اليها سواء بطرق مشروعة او غير مشروعة بل والاسراع في تقنين اوضاعهم خاصة اولئك الذين يعملون في مجالات الزراعة والمطاعم قد تمكن معظم هاؤلاء المهاجرين من الحصول على جنسيات هذه الدول.

ثم كانت المرحلة الثانية خلال الفترة من عام ١٩٨٥ إلى عام ١٩٩٥ وفيها تزايدت اعداد المهاجرين بشكل اصبح يمثل عبئا على الدول التي يهاجرون اليها ومن هنا بدأت الدول في التضييق عليهم وعدم تقنيين اوضاعهم إلا ان هذا لم يقترن باستخدام اساليب متشددة في التعامل معهم.

إلى ان جاءت المرحلة الثالثة اعتبارا من عام ١٩٩٥ والتي اتسمت بالطابع الامني الصارم لمواجهة هذا السيل الجارف من تلك الهجرة والتنسيق بين هذه الدول وبعضها من خلال مواثيق واتفاقيات مشتركة لمواجهة تلك الظاهرة وقد شاركت مصر في العديد من الاتفاقيات.

ورأينا من خلال المتابعة مدى صعوبة وضع حلول جذرية لمواجهة هذه الجريمة التي اصبح القائمون بها يتفننون في اساليبهم في عمليات التهريب بالاضافة إلى قيام عصابات اقليمية ودولية بالمشاركة في تلك العمليات سواء في مصر او ليبيا او في بعض الدول الاوروبية.

وبرغم الجهود الكبيرة التي تبذلها اجهزة الشرطة وقوات حرس الحدود للتعامل الامني مع تلك المحاولات، فاننا يجب ان نسلم بان الحلول الامنية فقط وبرغم النجاحات التي تحققها في هذا الشأن غير كافية بل انه من اللازم ان تكون هناك منظومة متكاملة من جميع الهيئات المعنية للتعامل مع هذا الملف بشكل موضوعي بعيدا عن التوصيات العامة التي تصدر خلال الاجتماعات الدولية والداخلية بدون متابعة حقيقية وبدون تحديد ادوار واضحة لهذه الهيئات إلى ان تصل الامور إلى نقطة البداية مرة أخرى وهي التعامل الامني فقط مع تلك الظاهرة.

هكذا يسير اسلوب التعامل الحكومي مع هذه الجريمة: اجتماعات وتصريحات واعلام، والنتيجه ازدياد في حجم الظاهرة وتعامل امني فقط لمواجهتها واتفاقيات اقليمية ودولية بانتهاكات لحقوق الانسان.

والسؤال هنا لماذا لا تتحرك منظمات المجتمع المدني في الدخل والخارج للتعاون مع الدولة واجهزة امنها لمواجهة تلك الجريمة؟ نحن لا نرى من هذه الجمعيات والمنظمات سوى الانتقاد دون بذل أي مجهود لوضع حد او حل لما يشهده المجتمع من ظواهر عنف واجرام تروع المواطن والامن الطامع في دولة مستقرة يعيش فيها مع ابنائه باحلام متفائلة عن مستقبلهم وامالهم في هذا المستقبل.

ومع تسليمنا بصعوبة المرحلة الحالية التي تمر بها البلاد، الا اننا راينا من واجبنا ان نطرح بعض الافكار والمقترحات التي يمكن ان تساهم من وجهة نظرنا بقدر ما في التعامل لمواجهة هذه الجريمة مع تقديرنا الكامل واحترامنا لجميع الافكار والاراء التي طرحت ومازالت تطرح لمواجهتها شريطة ان يتم تفعيلها بخطوات تنفيذية وفعالة من كافة الجهات المعنية في هذا الشأن.

من بين تلك المقترحات:

١. ضروره استخدام الآلة الاعلامية بكل ما لها من ثقل ومن خلال حملات مدروسة تخاطب جميع العقول والمستويات وتبصر الشباب بصفة خاصة بخطورة تلك المحاولات وابعادها والنتائج المترتبة عليها سواء تم القبض عليهم داخل او خارج البلاد على ان يتم ذلك بشكل مباشر من خلال برامج واضحة او بشكل غير مباشر من خلال قيام بعض الذين حاولوا القيام بهذه الجريمة وتم القبض عيهم او تعرضوا للموت غرقا وتم انقاذهم بعرض ما تعرضوا له من اهوال وصعوبات واهانه او طرحها من خلال مسلسلات او افلام يوضح فيها اماكن جمع المقبوض عليهم في المعسكرات المخصصة لذلك في الدول الاجنبية وما يعانيه فيها المقبوض عليهم من مهانة واحباط وانتهاك لحقوقهم الانسانية الى ان يتم ترحيلهم مرة اخري للبلاد.

٢. اعادة دراسة تلك الظاهرة من كافة ابعادها الاقتصادية والاجتماعية والامنية ومحاولة ايجاد حلول غير تقليدية لها على المدى المتوسط والبعيد مستغلين الآمال العريضة لتحقيق مستقبل أفضل للبلاد بعد ثوره ٣٠ يونيو ٢٠١٣ على ان يشارك في هذه الدراسة جميع المسؤلين المتخصصين المخلصين في القطاعات المختلفة للدولة والذين يضعون مصلحة ابناء وطنهم وكرامتهم صوب اعينهم.

٣. التشديد في اجرءاءت دخول البلاد او منح تاشيرات دخول لها للجنسيات المعروف عنها استعدادها للقيام بهذه الجريمة انطلاقا من الشوطيء المصرية خاصا من فئات الشباب القادمين للبلاد من الفئات الدنيا التي لا عمل لها والتي يثبت عدم جدية مبررات ترددهم على البلاد.

٤. دراسة اوضاع السوريين والفلسطينيين المتواجدين بالبلاد منذ احداث ثوره ٢٥ يناير ٢٠١١ والتنسيق مع المسؤلين عنهم سواء من خلال سفارات دولهم او المسئولين الأخرين لاقناعم بخطوره القيام بمثل تلك المحاولات ومساعدتهم للحصول على تاشيرات للدول التي لا مانع لديها من استقبالهم للعمل بها، بالاضافة إلى سرعة تقنين اوضاعهم بالبلاد سواء بمنحهم اقامات مشروعة بها او تكليفهم بالمغادره بالطرق القانونية وباساليب حضارية دون انتهاك لكرامتهم او انسانيتهم.

٥. تشديد العقوبات على سماسرة عمليات التهريب الذين يقومون بتحريض وتسهيل عمليات السفر بطرق غير شرعية مقابل مبالغ مالية كبيرة، ولا يفوتني في هذا الصدد أن اشير واشيد بالجهود الكبيره التي تبذلها اجهزة الشرطة المعنية لمواجهة تلك الجريمة بالاضافة إلى اجهزة القوات المسلحة التي تحاول بكل الطرق ايقاف تلك المحاولات قبل القيام بها حفاظا على اراوح من يحاولون الهروب من البلاد وحفاظا على كرامتهم وانسانيتهم، مع قناعة تلك الاجهزة، وانا كنت احد الذين تشرفوا بالعمل بها، ان ما يقوم به هؤلاء انما هو للبحث عن حياة افضل وهو من هذا المنطلق هدف مشروع ولا يمثل أي جريمة تضر بامن المجتمع من وجهة نظرهم فهي رحلات ومحاولات قد تؤدي بهم إلى الهروب من مرحلة اليأس إلى مرحلة الامل والرجاء.

اللواء محسن الفحامEgypt, Alexandria

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

لا توجد تعليقات

  • مصطفى

    سيادة اللواء محسن الفحام

    مقالك رائع جدا جدا وفعلا هذه قضية يجب ان تلتفت لها جميع وسائل الاعلام وارجو ان تكون هذه المقالة بداية تسليط الضوء على هذه المشكلة 

    تحياتى لك سيادة اللواء 

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق