حين تشتاق الروح إلى مصر

حين تشتاق الروح إلى مصر

٢٠٢١/١٢/٢١

نستطيع التحكم بأفكارنا، بحركات جسدنا، بتفاصيل حياتنا الدقيقة، لكننا لا يمكن أن نتحكم بما تشتاق له الروح. والشوق إلى مصر لا يشبه أي شوق آخر، لأنه يرتبط بالأماكن، بالأشخاص، بالأصوات، حتى بالنسمات؛ شيء ما في مصر يترك بصمة لا تُنسى في الروح، ويدرك ذلك فقط من سافر إلى بلاد غير مصر، يستطيع أن يصف ذلك الشعور وربما لن يستطيع وصفه، وحين يشعر بذلك الشوق يحمل حقيبته ودون سبب أو مقدمات ويقول أنا ذاهب إلى مصر، هذا ما يحدث حين تشتاق الروح إلى مصر. والغريب أن الآخرين لا يسألونه لماذا تذهب إلى ذلك البلد وكأن الشوق لمصر شيء بديهي يشعر به كل من يزورها ولو لمرة واحدة في حياته. ومن لا يستطيع السفر إليها لأي سبب من الأسباب يكتفي بشوق الروح لها وأنها تجول في تفكيره من حين لآخر.

في البداية نتجول بها من مكان لآخر، وحين نغادر تتجول هي في أرواحنا، تدعونا بكل ذكرى أن نعود إليها، تنادينا الأصوات التي أحببناها، تجذبنا الابتسامات الطيبة في الطرقات، يُعيدنا الدفء الإنساني لكي نعود إليها المرة تلو الأخرى، وينتابنا الشوق إليها المرة تلو الأخرى وحين نعيش بها بعد ذلك لا نستطيع أن نفارقها.

فما هو هذا السر الذي تحمله مصر في كل جزء بها؟ ما هو السر الذي يكمن في قلوب المصريين والذي يجعل البشر من كل الجنسيات يرغبون بالحياة بها لفترة طويلة أو قصيرة؟ كيف لبلد نرى بها الفقر والشوارع البائسة ببعض المناطق، لكننا رغم ذلك نحبها ونشتاق إليها؟ كيف لبلد بها مظاهر الثراء الفاحش ولكنها ليست مغرورة ولا جافة ولا متكبرة؟

مصر التي تترك البصمة في الروح والنبض في القلب، القاهرة التي تضج بالحياة والأصوات والأضواء، والتي مهما مر بها من أحداث تبقى شامخة وأبية على الانهزام، تنهض بعد كل محنة ومن جديد تمنح الحياة والنضارة والأمل. الإسكندرية هذه الساحرة التي تتسلل إلى القلوب ولا تغادر أبداً، رائحة الشاطئ، رؤية مئات البشر في أيام الصيف يملؤون الشوارع بالحياة والضجيج، الفقراء منهم والأغنياء. المنتزه، شاطئ عايدة، المنشية، سيدي بشر وعشرات المناطق التي حُفرت اسماءها في القلب والذاكرة. لحظات الغروب حين يهدأ كل شيء عدا صوت الناس يتحدثون وتختلط أصواتهم بأصوات أغنية لعبد الحليم أو لعبد الوهاب، فكل شيء في مصر يختلط بشيء آخر، لا يوجد شيء مفرد، البشر معاً، الموسيقى ترافق البشر، القهوة ترافق الأماكن، الشاطئ يرافق الحياة، الشوارع ترافق القصص، القلوب ترافق مشاعرها ولا تخجل من الدفء والرقة، كل شيء في مصر يمتزج مع وحدة المكان والأشخاص، لذلك يبدو المصريون من أكثر الشعوب أو ربما الشعب الوحيد الذي يمتلأ دفئاً وتقبلاً للآخر، القريب والبعيد.

بعد المقال الحالي شاهد:
عندما يتجمل الرجل

ربما تتغير مصر، ربما يتغير الناس لظروف صعبة ولكن هناك شيء ما لا يتغير، هناك شيء ما في الروح يبقى متعلقاً بمصر، هناك شيء ما في العيون والوجوه لا يمكن أن نراه في أي مكان آخر في العالم، عيون تستقبلك دون حذر دون شك، وجوه تبتسم للغريب مهما كانت جنسيته، أماكن تحتضن الغريب ولا تسأله لماذا أنت هنا.

فهل يدرك الإنسان المصري مدى البركة التي أودعها الله تعالى به وبوطنه؟ هل يدرك مدى ثراء هذا الوطن الإنساني والتاريخي؟ هل يعرف كم أن عيونه ضمت كل عيون البشر إليها؟

لذلك تهفو القلوب إليها، وتشتاق الروح لرؤيتها، وترغب الأذن بسماع صوتها ورؤية وجوه أهلها، لمصر سر عميق دفين لا يدركه إلا من تجول في البلاد وتعرف على جنسيات كثيرة فيعلم تماماً أن مصر تمتلك سحراً وسراً لا يتعلقان فقط بتاريخها وآثارها بل بالإنسان والأرض والسماء والبحر والصحراء. وحتى حين أزورها، يتملكني الشوق بمجرد أن أغادرها في المطار، أنظر من الطائرة إليها وكأنني أفارق شيء غالي على النفس والروح وأفكر من جديد متى سوف أعود لزيارتها، فأكتفي بشوق الروح حيث تتجول مصر بسحرها وتألقها ودفئها.

وحين يتقدم بنا العمر ندرك وبعمق أن الشوق لِأرضٍ ما أقوى من الشوق لشخصٍ ما، ندرك أن الجذور الحقيقة ليست مع الآخر ولكن مع الأرض، سواء كانت وطن الإنسان أم أرض أخرى أحبها وسكنت القلب والوجدان، لهذا يكون لكل منا وطن ولكننا تسكن ذاكرتنا أوطان أخرى بعيدة أو قريبة. ومصر وطن في الفؤاد وإن لم تكن وطني الأم. وهذا هو الحال حين تشتاق الروح إلى مصر.

انشر تعليقك