الإنسانية في عصر فيروس كورونا

في لحظة عصرية جديدة، تغيرت أقدار الحضارة الإنسانية، وصار دستور الهلع يفرض قوانينه على البشرية، وبالكاد لا توجد دولة واحدة لم يسودها الذعر ويسكنها الخطر من كل جهة، نعم إنه زمن ظهور وباء كورونا الذي دخل ضيفا غير منتظر إلى مدننا وقرانا ومؤسساتنا وجمهورياتنا. لقد أصبح العالم في هذه اللحظة مهددا بالسقوط في هاوية النهاية.

إن فيروس كورونا الذي ظهرت أولى بوادره في دولة الصين أواخر شهر ديسمبر ٢٠١٩، استطاع في فترة وجيزة أن يغزو دولا عظمى، كانت بالأمس القريب جدا، دولا تظهر بثوب البطولة والرقي التكنولوجي، لما تمتلكه من إمكانيات طبية وعلمية واقتصادية لا مثيل لها في تاريخ البشرية.

لقد قام هذا الوباء بإسقاط هيبة العلم والعلماء، وأظهر حجم الإنسان العصري على صورته الحقيقية، ورفع الستار عن حضارتنا الحديثة المزعومة، وكشف عن ضعفنا على مستوى الأخلاقي أولا، وكذا على مستوى الإنساني وحتى العلمي.

إن فيروس كورونا كغيره من الفيروسات التي صاغها الإنسان، أحيانا من أجل تحقيق أهداف اقتصادية بحتة، وأحيانا من أجل حماية نفوذه وموقعه السياسي والعسكري بين الأمم، بمعنى محاولة إضعاف الخصوم عن طريق حرب بيولوجية قاتلة.

هكذا صار الإنسان العصري يفكر بكل همجية ووحشية، وبات يتلذذ بمعاناة غيره، بل صار يستمتع بموتهم سواء ألما بسبب ندرة الدواء أو جوعا لنقص الغذاء، والغاية من كل هذا التدهور في أخلاق الإنسان، هي البحث فقط عن إشباع غريزة القوة التي يصبو إليها عبر كل الطرق المسموحة أحيانا وغير الإنسانية في أحايين كثيرة.

هذا ما أصبح عليه الإنسان في عصرنا، كبير الطموح، لكن طموحه قاتل ومبيد للعلاقات والحياة بين الأوطان والحضارات، فأصبح يتسابق من أجل أن يقتل نفسه وغيره أدنى تأنيب للضمير، أليس اختراع الفيروسات القاتلة في المخابر العلمية التي كان الأجدر أن تكون مهمتها صناعة الحياة والأمل بين المرضى في العالم، هي صورة عنيفة تظهر الإنسان في أقبح صفاته التي لا تختلف كثيرا عن صفات الحيوانات الدنيا.

كان لابد على الإنسان أن ينضج روحيا قبل أن ينمو فكريا، لأن ما تحتاجه البشرية في حقيقة الأمر، هي السلمية الداخلية النابعة من القلوب الصافية والهادئة حتى يتمكن الفرد من احترام أسباب خلقه وأهمية قيمته حينما يكون علمه في خدمة غيره، فلما نعتني بالقلوب ونغذيها بأروع سيمات المحبة والتضامن والرحمة، حينها فقط يكون للعلم فائدة ومنفعة عند البشر.

لقد فضحت دفاتر التاريخ، أن عقل الإنسان عادة ما يتطلع إلى امتلاك القوة واستخدامها بشكل عنيف ضد غيره من الخصوم والمنافسين، ويتنكر لضميره الإنساني ويتجرد من عاطفته البشرية، وهذا بالضبط، ما يحدث اليوم في عالمنا من انتشار فظيع لمختلف الأوبئة والأمراض والمجاعات والفيروسات القاتلة، حيث صار الإنسان لا يرى سوى بعيون اقتصادية تستغل كل فراغ وفرصة من أجل جني موارد مالية على حساب إبادة نصف سكان المعمورة دون أي تبرير أو تأنيب للضمير، وهل يعقل أن ينحدر الإنسان العصري إلى هذه الدرجة من الانحطاط الأخلاقي والسلوك غير الإنساني؟

تداعيات فيروس كورونا..

أدى فيروس كورونا في وقت وجيز إلى زرع علامات نهاية العالم، حيث بدأ الجميع في الهجوم على المراكز التجارية بغية تحزين المواد الغذائية في منازلهم، وآخرون صاروا يبتاعون الكمامات والقفازات بأغلى الأثمان، بعدما كانت تباع فقط قبل بروز هذه الأزمة العالمية المصطنعة بأرخص الأثمان، بالتالي وجد التجار في هكذا المناسبات المأساوية الحرية في إعلانها حرب المضاربة على الخضروات والفواكه، حيث زادوا في الأسعار بأضعاف مضعفة دون أدنى رأفة أو إحساس بوجع العائلات الفقيرة، وكم هي الأغلبية خاصة في البلدان المتخلفة.

لقد حدث كل هذا خلال أزمة فيروس كورونا، ناس تموت وأخرون يجنون الأرباح، الناس تتساقط كأوراق الخريف حتى أصبحت مستشفياتنا غير قادرة على استيعاب المصابين بهذا الفيروس، أما الحكومة فهي أصلا غائبة، وإن حضرت فلا ينحصر تدخلها غير في إصدار قرارات ورقية لا تغني ولا تسمن من جوع، كفرض الحجر الصحي المعمول به دوليا، وغلق المساجد والمقاهي والمطارات والحدود وبعض الولايات التي عرفت انتشارا نسبيا للوباء، هذا ما قامت به حكومتنا، في وقت أعرق الحكومات القوية سعت إلى إمداد مواطنيها بمختلف المواد الغذائية وتوفير الراحة المادية للمعوزين وغيرها.

لقد أسقط فيروس كورونا أقنعة البشر وأظهر شرورهم، حيث صار الإنسان لا يفكر إلا في نفسه فقط، ويبحث عن بقايا الحياة في جثث غيره، هل الإنسان بطبعه حيوان في جلد إنسان: يكفي أن تحل عليه مصيبة ما حتى يظهر على حقيقته وبشاعته، ويتجرد من إنسانيته، ولا يفكر سوى في البقاء ولو وحيدا على هذه الأرض.

أنا في غرفتي محتجزا كالأسير، هاربا من علاقات الناس والاحتكاك بهم، عملا بسياسة الحجر الصحي المنزلي من أجل الحد من انتشار وباء كورونا في بلادي، لقد كنا بشر بنسب متفاوتة من الإنسانية، بشر يدعي حب غيره في الأوقات الرحبة فقط، بشر يصلي لله بالخشوع فقط في الأوقات الصعبة، بشر في وقت السلم يطالبون بتشييد المساجد، وخلال الأزمة يغلقونها وينددون بعدم بناء المستشفيات ومراكز العلاج، بشر نكفر بالله طوال أعوام ونؤمن به في لحظة ضعف وعجز، بشر نرى في ظهور الأوبئة أنها سخط رباني أو جند من جنوده من أجل إيقاظنا من سبات الجهل والزندقة والعودة إليه، في حين ننتظر من الدول أن تمدنا بالعلاج لوجه الإنسانية.

يا أيها الجيل القادم، نحن جيل الهزيمة والنميمة والقمامة وقليل الكرامة والفهامة وعديم الاستقامة. نحن جيل الحضارة الكاذبة والعلوم المعذبة للإنسان، نصنع آلات ونعشقها ونهمل الحياة التي
ندعي أننا نقاتل من أجلها، نبني المساجد والكنائس والمعابد ونتخلى عن الله في كل اللحظات والمحطات، فيما الله مستمر في حبنا وتكريمنا يوميا بإشراقة الشمس ورقصات الرياح وزخات المطر ونسمات الصبح وعجائب الليل وابتسامات الطفولة، ونبني المصانع ليجوع غيرنا ونسلح جيوشنا لنقتل أطفالنا ونساءنا، ونتقاتل من أجل الحدود والخلود والسدود، ناسين ومتناسين، أن الحياة مجرد مسرحية جميلة لمن يتقن التمثيل فيها، والخلود الحقيقي الذي نبيد من أجله حضارات بأكملها، يتمثل في مدى قدرتنا على الحفاظ بعنصر الحياة فيما بيننا والمتجسد في الأمل، نعم الأمل الذي بمجرد ذكره خلال الأزمات، تعود الحياة إلى رشدها والبشرية إلى إنسانيتها، ولكن لسوء تصرفاتنا، نحن جيل لا يعترف بالأمل إلا عندما تحاول الحياة بقهرنا ومعاقبتنا بالفناء والزوال.

الآن ونحن تحت رحمة الحجر الصحي المنزلي، تحت رحمة الطوارئ، ما النفع من قوة اقتصادنا ونحن مختبئون في كهوفنا، ما النفع من مساجدنا وأموالنا ولون ربطات أعناقنا، بعدما عجزنا في إظهار روح التضامن بيننا، فهناك من يخزن عشرات من أكياس السميد في داره، بينما جاره يستغيث ويتسول خبزة أو شكارة حليب، فأين الإنسانية التي نتغنى بها في ملتقياتنا وخطاباتنا؟

[/responsivevoice]

اترك تعليقاً