بيوتنا ليست من حجارة

بيوتنا ليست من حجارة

٢٠٢١/١٢/٩

تقف أمامه لتودعه، تُلقي النظرة الأخيرة، والدموع تغالب الأنفاس. بيت من حجارة ولكنك تقف أمامه لتودعه، كأنه حبيب وصديق وأب وأم. الحقيقة أن بيوتنا ليست من حجارة.

إضطروا للرحيل بسبب الحروب، إضطروا للهجرة بسبب الضائقة المالية، إضطروا للسفر بسبب الدراسة، إضطروا للمغادرة بسبب الزلازل أو الفيضانات. حين يعيش الانسان سنوات طفولته في بيتٍ ما، أو سنوات حياته الراشدة، تصبح هناك روابط خفية غير مرئية بينه وبين جدران البيت الذي يعيش فيه.

الجدران بكماء لكنها تعرف كل شيء، النوافذ شفافة لكنها تخبيء كل شيء، الأبواب مغلقة لكنها مفتوحة في القلوب. علاقة غريبة تنشأ ما بين الإنسان والبيت الذي يعيش فيه، تلتصق الذكريات في الجدران، وتنحت القصص كلماتها على السقف، وتصبح الأبواب شهود على الحدث والكلمات، حتى أن البيت يتحول إلى مرآة تخبر كل شيء عن صاحبها مهما حاول إخفاء الحقيقة.

بمجرد النظر إلى حديقة بيتٍ ما من الخارج يمكنك معرفة جزء كبير عن أهل هذا البيت، فالبيوت تحمل الصفات والبصمات، تخزن الحزن، وتسجل الضحكات، تكتم الألم وتبوح بالحب، لا تنسى الأموات الرحماء وتكره الأحياء القساة، لذلك البيوت فقط هي التي لا يموت بها الرحيم حتى ولو غادر جسده، تبقى تلك الرحمة التي رافقته في حياته بصمة على الجدارن وذكرى في القلوب، والبيوت فقط هي من تفضح القساة لأننا بمجرد أن ندخل بيوتهم تلفحنا نسمات باردة جافة تدفعنا إلى المغادرة دون سبب واضح.

بيوت تقول لك إن أهلها سعداء، وبيوت تقول لك أنه هنا يوجد حزن عميق، وبيوت تطردك بمجرد أن تقترب وبيوت تحتضنك وتناديك حتى ولو كنت تريد الإبتعاد، إنها صورة مجسمة عما يعتمل في أرواحنا وأفكارنا ومشاعرنا، إنها المنحتوة الحقيقة والفطرية لحقيقتنا ولا يمكنها أبداً إخفاء الحقيقة.

بعد المقال الحالي شاهد:
التنازل عن العقل

بيوتنا ليست من حجارة لأنها تحمل أرواحنا وصورنا، ذكرياتنا ونسياننا، حتى أرواح الأموات لا تغادرها فلا نزال نشم رائحتهم رغم رحيلهم الطويل، لا تزال تحتفظ بأصواتهم بين الغرف والصالات، إنها ذكرى لما ننساه، إنها الدفء العميق حين يعترينا برد الغربة أو جفاء القلوب، إنها الحضن الدافيء حين يتحول الخارج إلى صحراء جليدية أو غابة همجية.

نظر إلى بيته آخر مرة قبل أن يموت وقال: "وداعاً أيها البيت". مكث في المستشفى ثلاثة أيام ثم مات، إنها قصة صغيرة جداً ولكنها توضح حقيقة علاقتنا ببيوتنا، ودع بيته كأنه صديقه وحبيبه وأهله، ودمعه صغيرة لم يُخفيها رافقت الرحيل الأخير.

ندخل بيوتنا لنبدأ حياة جديدة ننجب الأطفال ثم الأحفاد وننسى كم أن هذه الجدارن غالية وحين يأتي الرحيل نشعر أننا أصبحنا حجر في ذلك الجدار أو قطعة خشب بذلك الباب، ففي البيوت فقط تمتزج الأرواح بالجمادات وحتى الأثاث يصبح لها قصة وأمل وحلم.

فلماذا نبكي رحيلنا عن البيت الذي نحب رغم أنه جماد ورغم أنه يوجد بيوت أجمل منه؟ لماذا هذا الحنين الأبدي لبيت الطفولة رغم أنه ليس سوى حجارة؟

لأن بيوتنا ليست من حجارة، ولأننا أينما ذهبنا نترك جزء من أرواحنا حيث نكون، والبيوت أشد إخلاصاً من البشر وذاكرتها أبدية ولا تفني إلا بفناء الجمادات، حتى أنها تحزن لفراق أصحابها فتتحول بعد سنوات الهجر إلى أطلال، البيوت لا تحتمل الفراق مثل بعض البشر، بل تبدو أحياناً أكثر رقة من البشر لشدة تعلقها بمن يحيا بها، فتتهاوى من سنة وأخرى إلى أن تصبح أطلالاً تبكي الذين رحلوا.

في هذا الكون نعتقد أننا أسياده، ولكن هناك أشياء بسيطة تقول لنا وفي كل يوم أننا لسنا أسياد بهذا الكون، بل أننا جزء متواضع من كل ما فيه وأننا يجب أن ندرك أننا وحده واحدة حتى مع الجمادات، فلا يمكن أن يمتلك الإنسان رؤيا ناضجة لوجوده دون إدراكه لمدى إرتباطه بكل ما في هذا الكون إبتداءاً ببيته حيث يُمضي حياته وإنتهاءاً بقبره الذي يشهد نهايته.

انشر تعليقك