شجاعة السيدة هيلين

شجاعة السيدة هيلين

وثيقة الحقوق هى أولى وثائق الدستور الأمريكى، وهى تنص على ضمان مجموعة من الحريات الأساسية: حرية الدين، حرية التعبير، حرية الصحافة، حرية التجمع السلمى، حرية الإعتراض على الحكومة. هذا المقال عن شجاعة السيدة هيلين.

السيدة هيلين توماس صحفية مرموقة فى الولايات المتحدة الأمريكية وهى إبنة مهاجرين لبنانيين، وقد ولدت السيدة هيلين فى ولاية كنتاكى بأمريكا فى 4 أغسطس 1920 وقد قامت بتغطية البيت الأبيض فى واشنطن لمدة خمسين عاماً منذ سنة 1960 حتى سنة 2010 وذلك خلال فترات رئاسة عشرة رؤساء أمريكيين منذ الرئيس كينيدى وإلى الرئيس أوباما.

وقد كانت السيدة هيلين هى الصحفية الوحيدة التى رافقت الوفد الأمريكى مع الرئيس السابق ريتشارد نكسون فى رحلته التاريخية إلى الصين فى عام 1972. وقد كانت السيدة هيلين تلقب بلقب شرفى هو "عميدة مراسلى البيت الأبيض" لمدة أكثر من عشرين سنة.

هذا التاريخ الطويل والمرموق لم يشفع للسيدة هيلين عندما قالت إن الإسرائيلين يجب أن يخرجوا من فلسطين، فقد قامت الدنيا فى واشنطن ولم تقعد، وهاجمها المتحدث الرسمى للبيت الأبيض واصفاً تعليقها بأنه مهين ومرفوض، ثم هاجمتها نقابة مراسلى البيت الأبيض التى وصفت تعليقها بأنه لا يمكن الإعتذار عنه، ثم إضطرت السيدة هيلين إلى الإستقالة من عملها كمراسلة فى البيت الأبيض ثم إلى الإستقالة بالكامل من عملها فى مؤسسة هيسرت الصحفية المعروفة، بل وأصبحت شخصاً غير مرغوب فيه فى الأوساط الصحفية الأمريكية، وذلك نتيجة شجاعة السيدة هيلين التي لم تندم عليها.

لم تشفع للسيدة هيلين الحريات التى ضمنها الدستور الأمريكى مثل حرية التعبير أو حرية الصحافة ويبدو أن الدستور الأمريكى نفسه قد تعطل فى داخل البيت الأبيض فى واشنطن لأن السيدة هيلين قالت رأيها ضد إسرائيل. وسوف نناقش موضوع الحريات فى أمريكا بشكل عام وبتفصيل أكثر فى مقال قادم، إن شاء الله.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
هل لديك شكوك؟

هل لإسرائيل كل هذا النفوذ على السياسة الأمريكية إلى الدرجة التى عندها يتعطل الدستور الأمريكى من أجل إسرائيل؟ والإجابة الواضحة هى للأسف نعم، إن لإسرائيل هذا النفوذ فى السياسة الأمريكية. السؤال الأهم هو كيف أصبح لإسرائيل هذا النفوذ؟ والسؤال الأكثر أهمية ما هو النفوذ أو حتى التأثير العربى على السياسة الأمريكية؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة، أقترح أن نستعرض بعض الأرقام الإحصائية الأولية:

  • عدد السكان فى الولايات المتحدة الأمريكية حوالى 310 مليون نسمة
  • إجمالى عدد السكان العرب فى المنطقة العربية حوالى 360 مليون نسمة
  • عدد السكان فى الولايات المتحدة الأمريكية من أصول عربية حوالى 15 مليون نسمة
  • عدد اليهود فى الولايات المتحدة الأمريكية حوالى 6 مليون نسمة
  • عدد اليهود فى الكونجرس الأمريكى 45 منهم 14 سيناتور و34 نائب
  • لا يوجد فى الكونجرس الأمريكى أى ممثلين أو نواب من أصول عربية
  • يوجد فى الكونجرس الأمريكى الحالى، ولأول مرة فى التاريخ، نائب مسلم واحد هو كيث إليسون، عمره 43 عاماً، إعتنق الإسلام فى سن 19، وهو ليس من أصل عربى.

هذه الأرقام الإحصائية توحى بالخلل فى التمثيل السياسى بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث أن التمثيل السياسي لليهود لا يتناسب مع أعدادهم، ولكن ما هو السر وراء هذه الظاهرة؟ ما هو السر الذى هو أعمق تأثيراً ونفوذاً من الأعداد والأرقام؟ إنه التنظيم والتكامل والوحدة.

توجد أكثر من ألف منظمة يهودية فى الولايات المتحدة الأمريكية، معظمهم وليس كلهم يساندون إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية. هذه المنظمات نشطة سياسياً، فعند كل إنتخابات رئاسية فى أمريكا تنقسم هذه المنظمات إلى مجموعتين رئيسيتين، مجموعة تدعم وتمول المرشح الجمهورى والمجموعة الأخرى تدعم وتمول المرشح الديموقراطى وذلك لضمان إستمرار النفوذ الإسرائيلى فى البيت الأبيض مهما كان الفائز فى الإنتخابات. تلك المنظمات اليهودية تلعب نفس الدور فى الإنتخابات المحلية فى أمريكا وفى إنتخابات الكونجرس الأمريكى مما يفسر هذا التمثيل السياسى غير المتناسب مع أعداد اليهود. يجدر الإشارة هنا أن بعض المنظمات اليهودية فى أمريكا تعارض إسرائيل وتعارض الصهيونية العالمية.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
المعونات الأجنبية والنقابات المستقلة

ومما يفسر النفوذ اليهودى والإسرائيلى فى الولايات المتحدة الأمريكية كذلك هو السيطرة اليهودية المنظمة والهادئة على قطاعات حيوية فى الحياة الأمريكية، منها الإعلام والسينما والبنوك وإدارة الأموال والكثير من مراكر البحث العلمى والتكنولوجى. وبالمناسبة فإن نسبة كبيرة من الإستثمارات العربية فى الولايات المتحدة الأمريكية تديرها شركات يهودية موالية لإسرائيل.

ومن نتائج ذلك النفوذ اليهودى فى أمريكا، زيادة نسبة اليهود فى الأعمال والمهن والوظائف الهامة، زيادة تفوق بمئات المرات نسبتهم العددية فى المجتمع الأمريكى، ويكفى أن تراجع دليل التليفون فى أى مدينة رئيسية فى أمريكا بحثاً عن طبيب أو محامى لتعرف أن الغالبية العظمى منهم من اليهود.

فى المقابل، فإن الدور العربى فى الولايات المتحدة غائب تماماً، فلا منظات عربية نشطة، أو حتى خاملة، ولا مشاركة فاعلة فى العمليات السياسية، ولا تحرك منظم للتأثير فى أى قطاع حيوى من قطاعات صنع الرأى العام أو من قطاعات الأعمال أو البحث العلمى. والسبب وراء ذلك هو أنه رغم العدد الكبير للعرب فى أمريكا، إلا أنهم لا يمثلون أى وزن سياسى يحسب حسابه لأنهم متفرقون، لا يكونون منظمات فاعلة، فى كثير من الأحيان مشغولون بخلافات مفتعلة ومدسوسة. فالمسألة إذن هى مسألة تنظيم، وتكامل، ووحدة.

أما عن شجاعة السيدة هيلين توماس، عميدة مراسلى العالم، فلها منا تحية خاصة لأمانتها ومواقفها الشجاعة من القضية الفلسطينية التى هي إضافة منيرة إلى سجلها المرموق.

 

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

محمد علاء الدين

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x