غيوم على حافة الأفق

غيوم على حافة الأفق

يكتب غيوم أدباً تشويقياً، حتى يمكننا أن نسميه بالأديب الجماهيري، فرواياته تتمتع بلذة لا تهدأ النفس حتى تدمنها. فهو يقف متأملاً ومراقباً لسوق الرواية العالمية، مقتفياً أثر السابقين والمعاصرين، محللاً عوامل شهرتهم، وأدواتهم، ونفُسهم الروائي، حتى أضحى الروائي الأشهر في فرنسا.

غيوم من أشهر الروائيين الطهاة..

فهو يحسن انتقاء الأطباق التي تستسيغها النفس، وتشتهيها الأدمغة، وتطلبها الروح بنهم. وليس هناك أفضل من الروايات الرومانسية، والبوليسية، والخيالية، فكيف لو اجتمعت هذه الأطباق على مائدة واحدة؟ وبطيات صفحات عمل روائي واحد؟

فرواياته متخمة بنشوة الحب، ومحقونة بذكاء جنون الخيال وهوس البحث. أما توابله فقديمة متجددة، كثيرة إلى الحد الذي لايعقل ولكنها لذيذة. فالنكهة السردية غريبة بمحتوى معروف، فهو يجيد طهو الأشياء حتى تنضج، حتى أنه يستخدم ألفاظاً تشعر القارئ بالجوع رغم أن وظيفتها الشبع، ولكنها سهلة لينة.

هو يذكر تفاصيل الأمور وأدق الأشياء، حتى تخلع عنك تقليدية الذوق، وتهرب إلى ماركة معطف البطل، وإلى لون شفاه إحدى البطلات، إلى المشروب المفضل، وطعم القهوة، رقم الشارع، إلى الحد الذي يستدعي كل حواسك لتقف كالبيادق وتحرس فضول القارئ في يد الكاتب.

نكهة الواقعية لم تغيبها التفاصيل، فتارة نجد غيوم الطبيب، الذي يشرح لنا عوامل مرض ما، أو خطوات خطرة لعملية نقل عضو أو عملية جراحية معينة، وهذه النكهة بالتحديد تجلب الصدق الأدبي الذي يستجلب عواطف القارئ، ويجعله يتساءل ماذا لو كان ما حصل طبيعياً.

أما ملح رواياته يكون في الحبكة، فمن دون الملح لا مذاق للطعام مهما تعاظمت لذته، وحبكة غيوم مالحة بشكل حلو جداً، فترى قراء غيوم مأسورين بمرض الضغط ولا تبرأ شفاههم عن طلب المزيد من الحروف. ولأن ملح الحبكة ضار، فقط أوجد غيوم أملاح بنكهات متعددة تجعل القارئ مصاب بغيوم للأبد. فالحبكة واحدة ولكنها تتوالد
ملح صخري، أملاح معدنية، وغيرها. فهو يخلق حبكات فرعية، تدعم شباب ونضارة الحبكة الأم، ولكن في النهاية لا يتذوق القارئ سوى الملح وهنا سر ذكاء غيوم.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
في معلقات الشعر الجاهلي

غيوم داخل المربع الأمني..

التتابع السريع، الغموض، الحب الذي يتكاتف مع الأحداث، اللغز الذي لا ينفضح سوى في النهاية ويستتر عن الأبطال والقراء، الأبطال الخياليون أو الثانويون الذين يحلون مشاكل الأبطال الحقيقيين، هي توليفته الآمنة، المنطقة المحرمة التي يستحيل أن يتركها والتي اعتمد عليها للمحافظة على كونه أكثر كتاب فرنسا مبيعاً. بل تكاد تكون دينٌ يتبعه الكاتب ويستعمل كل أدواته للإخلاص لهذا الدين.

فقصة الحب مكررة في كل رواياته تقريباً، الزمن ثابت زمن تساقط الثلج، فصل الشتاء، اللغز الأخير الذي يبعث على الدهشة في النهاية، المكان لا يتغير أمريكا مانهاتن حصراً وفرنسا باريس، تكرار الأفكار، إعادة تدوير بعضها، وهذا ما يقع فيه أولئك الذين يشتغلون بالأدب الجماهيري والذين يكون همهم الأول هو المبيعات.

الأبطال السطحيون، غياب الفائدة، فلا هو يعالج مشكلة اجتماعية ولا وجودية.. أدب للتسلية فقط. فأدب غيوم أدب مسلِ فقط، وكأنك تشاهد فيلماً بتقنيات حديثة تذوب في الأحداث مشدوهاً متسارع الأنفاس ما تلبث أن ينتهي الفيلم الذي شد الانتباه جداً جداً لننساه بعد وقت قصير فلا يبقى منه شيئاً.. أدب غيوم أدب لا يغني ولا يسمن من جوع.

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x