شرا تعمل.. خيرا تلقى.. 
أوراق من مسرحية الحياة

مصر : 10-9-2018 - 5:17 م - نشر

أن تصنع معروفا هو أمر يشابه زرع الثمار، لا يمكن أن تجد رجلا يفكر في زرع ثمرة في أرض من الرخام أو في البحر، بالمثل يجب أن تعرف حقا هؤلاء الذين تسدي معروفك إليهم قبل كل شيء.

مشاهد كثيرة في مسرحية الحياة تؤكد صدق الاستنتاج:

(١) كان مرتاحا في ذلك البلد الخليجي حيث بدأ العمل منذ منتصف القرن الماضي، لم يكن أكبر إخوته سنا لكنه كان أكبرهم عاطفة وشعورا بالمسئولية، وكان الأب لهم بمعنى الكلمة، ولأن فعل الخير، إذا لم تحده الظروف المادية، يشبه كرة الثلج، بهذا المنطق اتسعت مظلته لتشمل أقارب آخرين، في كل يوم كانت أمه تشدد عليه أن لا ينساهم لأنهم "ولاد عمنا"، ومن دخله الشهري صنع عدة أوان مستطرقة تنتهي لهم.

أحد هؤلاء الأقارب كان طالب طب فاشل بحيث يستحي الفشل منه، وقد احتاج لإعادة كل سنة من سنوات دراسة الطب السبع المعتادة حتى تخرج بعد أربعة عشر عاما قضاها بالتمام والكمال في بعثة على حساب صاحبنا، وحتى بيته في وطنه، كان فندقا لهؤلاء الأقارب القادمين من الريف خلال مرورهم بمدينته للسفر خارجا.

في البداية، لم يحدث طيلة سنوات ما يعكر سذاجة اعتقاده ببراءة العالم سوى أن سمع كلاما مرسلا على لسان أحد أقاربه الذين طالما شملتهم طيبته بأنه "أهبل"، غلت كرامته في أدب، وأحضر ظرفا وضع فيه مبلغا من المال، وأوصى ناقل الرواية أن يعطي الظرف للمتكلم مشفوعا بسلام من "الأهبل".

ظن أنه في حدود أخلاقه العالية قد رد الصفعة خير رد. اليوم هو قد عاد للأردن ليعيش على ما ينفقه عليه أولاده بعد أن استولى كل "أبناء العم" على كل شبر امتلكه بتوكيل منه قام على ثقة لا وجود لها سوى في مخيلته.

(٢) جاء إلى الدولة الخليجية الصغيرة شحاذا بالفعل ومتكبرا بالشكل، في المكان الذي جاء منه تعلم أن التظاهر بالترفع عما في أيدي الناس هو خير طريقة لأخذه من أيديهم. تلقفه مجموعة من مواطنيه، لم يثنهم طرده المتكرر من كل وظيفة يعمل بها عن مساعدته، أخيرا تعلم إخفاء النصف المظلم من شخصيته فنجح في الثبات في وظيفة لا يعرف مرؤوسوه فيها اي منحط أضافوه لفريق عملهم، فانطلق لسانه قدحا في أشخاص من وقفوا بجانبه بأسلوب المزاح الذي تعرف أنه جدية لا يمنعها سوى جبن صاحبها من المواجهة. زاد الأمر وتخطى حدوده، فخلعوه من أرجلهم، ولم يطل به الأمر حتى سقط قناعه فعاد إلى حيث بدأ. وحاول الاتصال بمن أوقفوه على قدميه سابقا فلم يجد ردا، وكان هذا أبلغ من كل رد.

(٣) قصة الثالث موضوع العنوان، سمع كيف بغى أحد الأقرباء على آخر، بدا له أن بركانا من الحقد والرغبة في الانتقام والبطش كانت تحرك قريبه الظالم ضد قريبه المظلوم، وفي اللحظة التي وصل خلافهما فيها إلى طلب موقف الجميع، كان قد أعد عدته واحتفظ لنفسه بكل ما يدين قريبه الظالم، وكان توقعه صحيحا، لم يطل الوقت حتى كان الفرعون تحت التمرين في نفس قريبه الظالم يبحث عن بني إسرائيلي آخر ليؤكد لنفسه بطشه وقوته، فقط ليفاجأ أن صاحبنا كان قد حرك أحجار اللعبة وانتهى. ذهب إليه كاشفا أنيابه ليفترس فعاد بلا أنياب، انتقم لنفسه ولكل من ظُلِموا قبله من أقاربه، حاول الظالم نقل اللعبة من ملعب القوي والضعيف إلى ملعب أيهما مخطيء، فكان رد صاحبنا عمليا جدا: الغدر بأهل الغدر.. عند الله وفاء. ولأمثالك شرا تعمل.. خيرا تلقى.

عبد الرحمن نصرUnited Arab Emirates, Dubai

Copyright © 2018 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق