فتوح قهوة.. أهازيج تتجلى في محراب الحياة

فتوح قهوة.. أهازيج تتجلى في محراب الحياة

مما لا شك فيه أن الشاعر والمفكر د. فتوح قهوة هو صاحب مدرسة شعرية رصينة، أرى أنه أحد أبرز الشعراء العرب في هذا الزمن، وأكثرهم حفاظا على المدرسة الكلاسيكية التي تهتم باللفظة واللغة بشكل يتوازى مع اهتمامه بالصورة، فينتج شعرا وأدبا بديعا يلوح في سماء الأدب العربي، مثلما يلوح الوشم في ظاهر اليد.

يمتلك د. فتوح قهوة أسلوبا لغويا مهما ومتفردا مما يجعلنا نتمكن من التعرف على نصوصه ونقترب منها بشكل كبير، فيضع النص داخل إطار خاص به ليكسب النص هوية خاصة، فيجعل لغته الشعرية تتميز عن غيرها، كما أنها تقدم في أكثر من وعاء لحمل المعاني، وأكثر من وسيلة للتعبير عن الأفكار، فهي المعنى نفسه حتى تتحول إلى مقصد أساسي في خطابه الشعري، وإلى رؤية مركزية في إنتاجه الإبداعي، كما أن هناك تناسبا بديعا بين لغته الشعرية والسياق الشعري الذي يقدمه، فينتج عنه التماكن والانسجام ويبتعد عن الانفصال والتباين، وهنا تتجلى ثقافته الشعرية، ويتبين مدى إطلاعه وإدراكه لما يحيط به من قضايا وتظهر مدى قدرته على تنسيق اللفظة الشعرية مع ما يتطلبه السياق التخاطبي.

ويجمع د. فتوح قهوة بين الواقعية والخيال، من خلال تحليل الرؤى الفكرية التي يقدمها في مختلف الجوانب الإنسانية، والاجتماعية، والمادية، والكونية، والفنية المرتبطة بمواقفه وأفكاره عن طريق استعراض المبادئ الأولية التي سعى إلى ترسيخها في شعره بدون البوح بها، عن طريق سلوكه في بعض الأحيان إلى الخطاب الواقعي المباشر حتى يستطيع ترسيخ جملة من المبادئ التي تدخل ضمن مقومات فكره الإنساني الراقي التي أسسها له في أغلب أعماله، ولكن هذا لا يتنافى مع ما يقدمه من خيال عمقي يعود إلى فسيولوجية الشاعر من خلال انفعالاته وإدراكه، حتى يتمكن من أن يُطوع خياله الرحب إلى الوصف الخيالي العميق خاصة في الناحية الوصفية فيقدم شعره، في بعض الأحيان، كتخيل عقلي، يأخذ مادته من الحصيلة المتخيلة ومن ثم يقوم بالتأصيل لما اعتنقه عقله من أفكار فيؤثر بذلك في الناحية المتخيلة عند المتلقين ليجعل من المتلقي بطلاً له دوره في مدى فهم رؤيته في قراءته للنص الشعري وتحليله له وتحفيز إدراكه لكلمات الشاعر صاحب الذائقة الفنية الراقية.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
قاتل المقرط

في ديوانه "هذه لغتي" الصادر عن دار جهاد للنشر والتوزيع، أرى أن هذا العمل الرصين هو مجموعة من المستويات الفنية قدمها باقتدار، فجعل منها نسيجًا عضويا أنتج الصورة النهائية لهذا العمل حتى أنني أعتقد أن المستوى المعجمي في هذا الديوان هو الأساس الذي بني عليه النص، تلك الحقول الدلالية عادة تتطلب معاجم لغوية تناسبها تستند إلى العلاقة القائمة بين اللفظ وبين الحقل الدلالي الذي اختير ليشغل وظيفة فيه، فكان هذا التنوع للحقول الدلالية ومعها تنوعت المعاجم والاستعمالات اللغوية.

وفي ديوان "لغة أخرى" الصادر عن دار الإسلام للطباعة والنشر، أظهر شاعرنا عمقا كبيرا في التكوين الثقافي له وما يمتلكه من مرجعيات فكرية، امتزجت بعوامل ذاتية وأخرى موضوعية ساهمت في تجربة هذا الديوان الشعرية، فقدم في هذا الديوان الكثير من تصوراته، كما قدم صورة بديعة عن بعض همومه الفكرية، كما أنه في هذا الديوان كان دائم الاختيار بين اللغة سعيا خلف ما يخدم أفكاره، كذلك قدم صورة تقريبية لخواطر تجوب في أعماقه، حتى كان الانسجام مع السياق النفسي ومع التجربة الداخلية له كمبدع، فظهر انساجم آخر وهو الانسجام مع السياق الثقافي العام ومع الاختيارات الجمالية التي أقرها الوسط الأدبي، وقبلها الذوق السائد، فحمل لسانا صادقا لرؤية الوسط الإبداعي الذي ينتمي إليه.

أما ديوان "ترنيمة الوتر الجريح" الصادر عن دار الإسلام للطباعة والنشر، فهو حالة خاصة في إنتاجه الإبداعي، يتضح هذا من خلال تلك التجربة الشعرية والتجارب الشعرية السابقة عليه، فربما استخدم المجاز ليستعين بألفاظ تخدم السياق على سبيل الإيحاء والاستعارة، وتوظيف الكلمة توظيفا يوسع من دلالتها، فنرى أن كل لفظة وكأنها اعتصمت بقاموسيتها وباستخدامها المعياري، وربما توازنت المعاني المتشابهة والدلالات المتماثلة، مما عزز غزارة تدفق منابعه الشعرية، واستطاع التعبير عن رؤاه ومواقفه وأحاسيسه، حتى خرج بالصورة إلى مناطق جديدة أضفت الجمالية على عبارته الشعرية، وحول بعضها إلى إشارات فيها من التوسع والمجاز والرمزية ما حقق الإثارة لدي كقارئ، فجعلني قادرا على التحاور مع النص الشعري لاستنطاقه.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
تدخل حلف ناتو في ليبيا ٣

أرى أن قضية هذا الشاعر هي الإنسان، حتى أنه كمفكر اعتنى بالمعاني الإنسانية عناية فائقة حرص عليها طوال الوقت، فظل دائما باحثا عن العبارة المناسبة للتعبير عما يراه ضروريا لأن يقدم من أفكار ظهرت جلية في قدرته على ابتكار المفاهيم وجعل من كل درب فلسفي جهازا مفاهيميا له حقل دلالته الخاص، وذلك من خلال تقديم يستسيغه الحس المشترك، لنصبح أمام مادية ومثالية ووضعية ووجودية تنفتح على ما في كينونة الإنسان من هشاشة وانزياح وسمو وقدرة على الخلق، حتى أقام حوارا فعليا بين الشعر من حيث الشكل والمضمون.

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x