مصر: من فاطمة وماريكا إلى حسن ومرقص

مصر: من فاطمة وماريكا إلى حسن ومرقص

بما أن السينما منتج فني وثقافي يعبر عن رؤية لكاتب ما يعيش فى زمن ما يقوم بإخراج هذا العمل فى شكل سنيمائى مخرج ينتمي إلى بيئته وثقافته التي يعيش فيها، وكذلك كافة فريق العمل هم أبناء ثقافة هذا المنتج، ولهذا فإن هذا المنتج "الفيلم" يعكس بدرجة أو بأخرى شكل هذا المجتمع.

لهذا فإن المتأمل فى أفلام السينما المصرية فى كل عقد من العقود أو محلة من المراحل السياسية سيجد أن هذا الفيلم انعكاس لهذه المرحلة، وهذا المقال ليس مقالا فى النقد السنمائى، فالنقد السنمائى له قواعده وأصوله ومرانه وأهله، بيد إنها مساهمة فى محاولة المقاربة بين مصر 1949م، ومصر 2008م، وخاصة فى ملف المواطنة والنظرة للآخر الديني، حتى وإن كان يهوديا، وليس قبطيا فقط.

الفيلم الأول "فاطمة وماريكا وراشيل" او يمكن ان نسميه "مسلمه ومسيحية ويهودية" أخرجه حلمي رفلة وقصة وسيناريو أبو السعود الابياري، وتم عرضه فى عام 1949م، وجسد دور "فاطمة" الفنانة مديحة يسرى، وفى دور "ماريكا" الفنانة لولا صدقي، أما "راشيل" فكانت الفنانة نيللى مظلوم.

والفيلم عبارة عن قصة فتى ثري وجسد دوره الفنان محمد فوزي "بطل الفيلم" يعشق العذارى يلتقي بفتاة يهودية تدعى "راشيل" فيدعى أن اسمه "يوسف" وأنه على ديانتها ويمارس عليه أبوها بخله الشديد ويستنزف أمواله، ثم يتعرف على الخياطة "ماريكا" من خلال "راشيل"، وفى النهاية طلب منه والده الريفي أن يتزوج من فاطمة ابنة صديقه والتي تقيم مع عمها فى القاهرة وإلا حرمه من الميراث، يخطط الفتى مع صديقه أن يذهبا إلى فاطمة ويدعى صديقه أنه العريس حتى تنفر منهما، وتتخذ فاطمة نفس المخطط حتى تتخلص من هذا العريس الوغد فتنتحل خادمتها شخصيتها وبناء عليه ترفض فاطمة العريس ويرفض الفتى العروس وبعد عدة مواقف هزلية ضاحكة يبلغ الفتى أباه أنه سيتزوج من فتاة يحبها وتخبر الابنة أباها أنها ستتزوج ممن أحبت ويعترض الأهل وحين يلتقي الجميع تظهر الحقيقة ويتضح أن الفتاة التي أحبها هي فاطمة والفتى الذي أحبته فاطمة هو الشاب المرشح للزواج منها فيتزوجان برضاء الأهل والثروة ليقدم الشاب دليل استقامته مع زوجته فاطمة.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الفنان الفلسطيني فتحي غبن

أما الفيلم الآخر "حسن ومرقص"، فهو من إخراج رامي الإمام، تأليف وسيناريو يوسف أبو النجا، قصة الفيلم تدور حول "مرقص" الفنان عادل إمام الذي يتعرض لمحاولة اغتيال فتجعله الحكمة ينتحل شخصية شخص آخر اسمه "الشيخ حسن"، وفى المقابل "حسن" الفنان عمر الشريف والذي يتعرض لمحاولة تصفية من قبل أحدى الجماعات الدينية التي عجزت عن استقطابه، فتجعله الحكومة ينتحل شخصية أخرى وهى "مرقص"، ويدور محور القصة حول هذا الأمر رجل دين مسيحي يعيش فى ثوب شيخ مسلم، ورجل دين مسلم يعيش فى ثوب رجل مسيحي.

ملاحظات هادئة

ملاحظة أولى: الفيلم الأول وعلى الرغم أن بطله الأوحد هو الفنان محمد فوزي، بيد أن اسم الفيلم جاء انثوى، هذه الحالة اختفت تدريجيا فى السينما المصرية ربما بتأثير وزيادة جرعة الثقافة الأبوية الذكورية والمتأثرة بالوهابية السلفية التي تدعي أن المرأة عورة، والتي كان لها انعكاس على السينما ذاتها فقد رأينا فنانات تائبات وكأن عملهن فى السينما كان نوعا من أنواع الخطيئة، وفنانات معتزلات كلاعبي الكرة، لكن بدون فيلم اعتزال، وفنانات محجبات وكأن الحجاب صار كالحج لقبا.

ملاحظة ثانية: البطل فى الفيلم الأول مثل البطل فى الفيلم الثاني كل منهما يغير اسمه الحقيقي، بيد أن الأول يغير اسمه من اجل الرفاهية والمتعة دون أن يضطره إلى تغير حياته الاجتماعية بما يشبه الطوفان، أما الثاني فإنه يضطر إلى تغير اسمه بالرغم من أن "عادل" كان "قسا"، و"الشريف" كان "شيخا"، فجأة وخوفا على حياته – الأول والثاني معا - يضطر الشيخ أن يصبح " قسا"، والقس يصبح "شيخا" وكل منهم فعل هذا من اجل الحفاظ على حياته وحياة أسرته وليس من اجل الترف والمتعة.

ملحوظة ثالثة: مجتمع 1949م، هو المجتمع الذي شهد قمة الاغتيالات السياسة المرتبطة بالايدولوجيا العقائدية، فقد قتل فى هذه الفترة أحمد ماهر رئيس الوزراء بأيد جماعة الإخوان المسلمين وسليم زكى حكمدار القاهرة وتم تفجير محال اليهود التجارية والاعتداء على رجالات الوفد وأنصاره من قبل الجماعة، وذلك من أجل إثبات ولائهم للملك الذي كانوا يحاولون الإجهاز عليه هو الآخر ولكن ضربة الملك كانت أسرع هذه المرة من ضربت الجماعة فقد قتل حسن البنا بعد أن حاصره ونزع منه كل شيء.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
بين الأمل والصمت

بيد انه خلف وراءه آلاف من السلفيين ومنهج وهابي بدأ يتغلغل مع الوقت، بلغ مداها فى فترة الرئيس السادات 1970- 1981، بحادثة الفنية العسكرية الفاشلة التي نجحت يوم 6 أكتوبر 1981 وكانت نتيجتها مقتل الرئيس السادات، وفى الطريق قتل الشيخ الذهبي، وتم الاعتداء على الطلاب فى الجامعات، وأحداث الزاوية الحمراء، والتي كانت مفتتح الحوادث الطائفية التي نفذت بيد جماعات العنف الديني "الجماعات الإسلامية"، وبأمر مباشر من السلطة السياسية للتغطية على جرائم النظام فى حق مصر وحق العرب وحق المسلمين والتي كانت أكبرها جريمة "كامب ديفيد" ومقدماتها.

المهم أن جماعة العنف الديني هذه كانت وما تزال خادما أصيلا فى خدمة البلاط والسلطة، خادما ذليلا مهانا، وهو من فجر بالمقابل عنف الأقباط فى النهاية لأنه بدأ بالاعتداء عليهم متمترسا بالسلطة من وراءه، هذه السلطة التي لا تكترث بالمسلم أو المسيحي، ولكنها تكترث فقط ببقاء سلطتها على البلاد والعباد حتى ولو تحول الشيخ حسن إلى مرقص وتحول القس مرقص الى الشيخ حسن حتى ينعم بالعيش فى وطن أصبح ثمن كيلو الطماطم بعشر جنيهات، هذا بدون الحديث عن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي من عدمه، وأصبحنا مهددين بندرة المياه وتسحر ما بقى من الأرض الزراعية بعد أن ابتلعتها الحوائط الأسمنتية فى غفلة من القائمين على القانون. الفرق بين مصر 1949 ومصر 2008، هو الفرق بين طنطا وفرنسا.

محمود جابر - مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x