الحرية والفرس البري

الحرية والفرس البري قبل انقضاء سواد الليل بالكامل وحلول تمام الصباح، تمددت أوراق الشجر في كسل واشرأبت أعناق الزهور ذوات السوق النحيلة في هدوء، ومع أول نسمة من نسيم الهواء في هذا الصبح الصداح، تسابقت حبات الندى لتندي جبين أوراق الورد، وكأنك تسمع تعالي أصوات الندي، في مضمار سبق، فتراهم يتدافعون ويتزاحمون في رقة وبهجة، وكأن الفوز هو لمن يبلغ داخل الوردة، فمنهم من يفز بالوصول إلى قلبها، ومنهم من لم يستطع فيكون جزاءه الانزلاق بنعومة على ساقها، ومنهم من لم ينل لا قلب ولا ساق، فيكون مصيره أن يهوي بعيدا ً عنها.

ومن هذا الفريق هوت قطرة من قطرات الندى إلى سطح الأرض، فتلقت صدمت الهبوط بانسيابية فائقة ومرونة مدهشة، وقبل أن تغيب عن العيون، إذا بها من موقعها هذا تسمع دبيبا منتظما متتابعا متواليا وقويا، فأرهفت السمع أكثر وانتبهت للخيال القادم من بعيد، فظلت تراقبه وهو يدنو رويدا  رويدا، ثم رأت، ويا لجمال ما رأت، إذا بها من مكانها هذا تشاهد فرسا بريا ما أروعه، وأي فرس يضاهيه شموخا وثباتا، فهو ذو غرة شاهقة، ورقبة غضة مستقيمة، مائلة قليلا ً نحو صدر قوي، ويركض ركضا خفيفا على قوائمه الثابتة الواثقة، شعره البني الناعم يضيف إلى لون جسده الفاتح سحرا خلابا وجاذبية غير محتملة، طوال عمره يمشي هكذا بحرية تامة، يقضي أيامه جوالا مختالا ملكا بنفسه وعلى نفسه، بلا قطيع فهو وحيد ولكنه يحب عزلته هذه ففي عزلته حريته وعيشه على سجيته، ولكن دوام الحال ليس من طبيعة الحال.

فجأة وبدون أي مقدمات، تسلل إلى داخله شعور غريب، شعور جديد عليه، إنه الشعور بالألفة، وحنين إلى أليف يقاسمه بريته ومملكته، فإذا به من بعد ذلك أصبح يكره العزلة، فأخذ يفتش، يبحث عن شيء ما بفطرته، عن شريك ما من نفس فصيلته، فجاب الأركان بحثا وفتش ثم فتش، وصعد هنا وهبط من هناك، بدأ يتملكه اليأس أنه لن يجد ضالته، فكان آخر ما يمني به نفسه تلك الهضبة فتسلقها، وما أن وصل منتهاها، أيضا لم يجد ما أراد، فصهل طويلا حتى أجابه الصدى، وشخص بصره على بعد عند الوادي الأخضر ورأى, وأيما شيء رأى، فرسة برية رائعة الجمال، بيضاء، رشيقة، وشعرها الفضي، لهو تاج من الماس يزين جبينها المرمري، عيناها السوداتان، تشعان ببريق الحرية، فعرف أنها ضالته، رآها في مرآة ذاته وفي داخله، فقصدها وهي تراقب اقترابه، وبلغها وهي لم تتحرك من مكانها، فتعارفا في صوت خفيض، أطلعها على رغبته في أن تقاسمه مملكته، فأخبرته بموافقتها وانطلقت من السعادة تركض بقوة وسرعة، فلاحقها ولحقها، وكأن البرية كلها لا تسعهما من فرط الانطلاق والحرية، فنهبا الأرض نهبا، جنبا إلى جنب، وكأن الدنيا كلها تبارك سعادتهما، فابتسم الورد، وغنى الطير، وعزف الهواء عزفا جميلا روحانيا، وتراقصت حبات المطر، على ظهرهما حتى بلغا الأفق.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
لمن يركع هؤلاء؟

وما تمام الأشياء إلا بداية لنقصانها، وما كمال السعادة إلا بداية لكدرها، كانت الفرحة في منتهاها، وفي نفس الوقت كانت هناك أياد تعد الكمائن وتنصب الفخاخ لعل الفريسة تقع بدون عناء، وشاء القدر أن تكون الفريسة هذه المرة هي الفرسة البيضاء، ففي لهوها مع فرسها وقعت أسيرة الشرك الخفي، وسيقت إلى مكان صاحب المصائد، وهو مكان كئيب، يملكه رجل قاس الملامح جامد الشكل، يحيط مكانه بأسوار وسياج من كل جانب، ولم يهدأ الفرس، اقترب من مكانها لعله يراها، صهل صهيلا حزينا لعلها تسمعه، وكرر نداءه وكرر صهيله ولا من مجيب، استمر حاله هكذا حتى بلغ أساه مبلغه، فهو محروم من حريته من حياته ذاتها من فرسته، محروم من رؤيتها ومؤانستها ومن دنوها منه، من حتى النظر بصمت إليها فهزل جسده وخارت قوته.

ومما اعتصره ألماً رؤياها بعد طول غياب، فهي مريضة واهنة لا يعنيها الموت ففراقهما هو الموت ذاته، فلما دنت من السور، اقترب منها لاهثا يمد رقبته خلال السياج، لعله يلمسها أو يعانق وريدها ودقات قلبها، وهنا ظهر مالكها، استوعب إعراضها عن الغذاء، فاستل سوطه وألهب ظهرها بضربات هي أشد وطأة من الجحيم نفسه، لكنها لم تهتز، لم تبعد عنقها عن عنق فرسها لحظة، وثار الفرس البري لهذا التجبر، لكن السور يمنعه، ولم تتحمل الفرسة البرية البريئة كل هذا العذاب، فخرت صريعة، فجن جنون الفرس البري، وهاج هياجا شديدا واخذ يرتطم بالسور بشدة، فكسر جزءا منه، لكنه مع وهنه لم يحتمل، فخر صريعا.. فانتفضت في فراشي، وشهقت واعتدلت، وتصببت حبتي عرق على جانبي جبهتي، ففتحت عيني، ومن خلال النافذة، رأيت أول ضوء، لصبح جديد، فحمدت الله على حريتي.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
ذكاء وتفوق الشعب اليهودي

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

[/responsivevoice]

هذا المقال له 4 تعليقات

  1. Avatar
    روزانا خيربك

    و لكن أعظم مافي الحياة أن تتمتع بالحب و الحرية معاً

    1. Avatar
      صلاح عبدالله الباشا

      أتفق معك تماما

      بالتوفيق لي و لك على الدوام

  2. Avatar
    روزانا خيربك

    مرحبا
    القصة جميلة جداً ا
    لحب سجن بحد ذاته و بعد الحبيب حكم بالاعدام
    تحياتي

    1. Avatar
      صلاح عبدالله الباشا

      مرحبا روزانا
      أشكرك على جميل وصفك
      تحياتي

اترك تعليقاً