mandela22

الحرية في زمن صعب

٢٠١٠/١٠/٢١

من منا بلا أمل يأمل فيه ويعيش على حُلم تحقيقه، ومن منا بلا أمنية يتمناها فيحدد ملامحها وصفاتها بنفسه، يتفنن في رسمها ونحتها في مخيلته، يزينها ويجملها ويقترب بها من حد الكمال، يجعلها كياناً  نابضاً  ثم يحييها بداخله زمناً، حتى أنه يحشد فيها كل ما يتمنى، فيملأها بصفات لا تأتي إلا في روحه ولا تراود إلا خياله، ويحيا عمراً  على هذا الأمل وعلى هذه الأمنية، ويفني دهراً  هائماً  على وجهه، رحالة مستكشفاً  جوالاً  باحثاً  عنها.

فمن لم يجدها، فيا لضياع عمره، وخسارة أمله وتلاشي أمنيته، فهو كأنه قد قضى حياته عابراً  لسبيل موحش، راحلاً في صحراء قاحلة من الأيام المضنية والسنين القاسية، يتمنى ويتمنى حتى أن يرى سراباً، أو يصادف سحاباً.

أما من يتحقق أمله ومن يجد أمنيته، فكأنما قد نال الدنيا بأسرها، كلها وبكل مافيها، وكأنه قد وجد الروضة التي طالما حلم بها في مخيلته، والتي تمناها في روحه، فيقبل عليه إقبالاً، يتنسم هوائها، يملأ عينيه من ضيائها يدخلها بنفسه وروحه، يستريح فيها من بعد الشقاء ويسكن إليها وفيها من بعد طول العناء، يتعهدها ويرعاها ويرويها بنفسه وبدمه، يظل هكذا أبداً ودوماً يتأمل في حسنها ويتعبد في محراب جمالها، فهي جديرة بذلك، ويبات ليله يحرسها، فهي تستحق ذلك فيقيم أسواره وسياجه، يحصنها ويحميها من كل شئ، فهي أهلا ً لذلك، ومن سواها أحق بذلك.

الحديث عن الحرية مثل الحديث عن النور الموجود منذ شروق أول شمس على الأرض، كالنهر الجاري الذي نحت مجراه ليكون وجوده منذ فجر التاريخ، لأن الحرية نفسها هي الأصل المتأصل الذي وجد من قبل الوجود، فكل الصراعات والحروب قامت إما لسلب الحرية أو للحصول عليها، للدفاع عن الحرية أو الحفاظ عليها، وكذلك نجد أن من وسائل العقوبة لمخالفة القانون هي السجن، وذلك شئ شديد على النفس، فهو تأديب وتهذيب وإصلاح، ليس السجن في حد ذاته أو العقوبة كما هي بتفاوت درجاتها، ولكنه الحرمان من الحرية، الحرمان من الحق المشروع لكل إنسان على وجه الأرض.

بعد المقال الحالي شاهد:
تونس والجمهورية  الثانية

الحق في اختيار ما كان  وما سوف يكون، وليس أوضح من بعض الأقوال عن عظيم الشخصيات ذات الأثر والتأثير، مثل سيدنا عمر ابن الخطاب وقوله في الحرية وقيمتها للناس جميعاً "متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، وسيدنا علي ابن أبي طالب وقوله عن حرية الفرد "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا".  وجدير بالذكر في هذه الجزئية تحديداً، تحريم الإسلام للرق والعبودية، بهدف صلاح المجتمع ككل فحرية الفرد هي حرية الوطن، وما من مناضل ثوري أو زعيم سياسي، إلا وقد نهض يستنفر القوى الكامنة في نفوس الأفراد، مخاطباً فيهم حرصهم على حياتهم ومنادياً على حرياتهم، فإن كانوا تحت أقدام الاستعمار أشعل فيهم لهيب الحماس للخلاص من المستعمر، كما قالها الزعيم أحمد عرابي "لقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا، وأننا لسنا تراثاً أو عقاراً، والله الذي لا الله إلا هو، لن نورث بعد اليوم."

إذا كنا نتحدث عن الحرية في زماننا هذا، ونحن بكل الأحوال أفضل حالاً وأوفر حظاً من أزمنة كثيرة مضت وقرأنا عنها، وبالطبع لا ننكر في الوقت ذاته أننا نعيش في حقبة زمنية شديدة وعتية، فالأهداف صعبة وتكالب القوى العنيفة المحيطة يضيف صعاباً فوق الصعاب.

العدو واضح وهيمنته على الحرية لا يحتاج برهان، فهو قادر على سلب الحرية، وبالإيهام يجعلنا نظن أننا أحراراً. فلسنا أحرارا حتى نأكل من أراضينا أو نكتسي مما تصنع أيادينا، سلاحنا لا يحمينا، وأموالنا وفيرة ولكنها سجينة، أسيرة الجدران والأقفال. لن تشترى الحريات بالنقود، إن الحرية مثل الجوهرة الغالية التي يطلق عليه أنها لا تقدر بثمن.

لا نتحدث عن بلد بعينه أو عن حالة بعينها، إنما نريد الحديث أن يكون عاماً وشاملاً، يشمل الوطن كله، عالمنا العربي جميعه، نستطيع أن نفعل كل شئ بتوحيد هدفنا سوياً، باجتماع رايتنا وسبيلنا، عالمنا العربي كبير، ووطننا العربي عظيم، لنا في كل مجال رائد، ولنا في كل ميدان ذراع، ثرواتنا المادية وفيرة، ومواردنا البشرية أعظم، وحرياتنا في أن نفعل ونعمل، لن يستطيع أحد أن يسلبها منا.

بعد المقال الحالي شاهد:
النظام العربي ونظرية المؤامرة

الآن، ولوقت طويل قادم، إن أصعب ما في الطريق هو اختيار الطريق نفسه، وأصعب ما في الاختيار هو أن نكون أحراراً في اختيارنا. حصولنا على حرياتنا لن يأتي إلا عن طريق عقولنا وسواعدنا، لن نحصل على حرياتنا كهدية من غريب في يوم العيد.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

انشر تعليقك