٢٥ أيار ٢٠٠٠ من تحرير الأرض إلى تحرير الإرادة

بقلم/
مصر : ۲٤-۵-۲۰۱٤ - ۱۱:۲۵ ص - نشر

كان الاندحار الصهيوني عن الحزام الأمني الحدودي المحتل انتصاراً تاريخياً للبنان المقاوم بكل المقاييس، ومعه كل شرفاء الأمة وأحرار العالم، بل كان ذاك الانتصار تتويجاً لعقود طويلة من الكفاح والمقاومة عاشها أولاً شعب فلسطين ومعه كل أبناء الأمة والإقليم، على تنوع تياراتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية، وهي عقود تخللتها انتصارات وانكسارات، آمال عراض وخيبات كبرى.

فلا يمكن الفصل بين ما تحقق في ٢٥ أيار ٢٠٠٠، وبين ما جرى في المثلث الفلسطيني ومعركتي القسطل والفلوجة عام ١٩٤٨، وما جرى في بور سعيد وقناة السويس عام ١٩٥٦، وما جرى في وقفة بور تسموث العراقية ضد الاستعمار البريطاني، وما جرى في "التوافيق" السورية عام ١٩٦٠، وما جرى في الكرامة الأردنية عام ١٩٦٨، وما جرى في تشرين المصري السوري العربي عام ١٩٧٣، وما جرى في بيروت عام ١٩٨٢، وحتى ما جرى قبل ذلك في ثورات التحرير في ليبيا عمر المختار وجزائر عبد القادر الجزائري ومغرب عبد الكريم الخطابي وتونس صالح بن يوسف وسودان المهدي ويمن الثلايا وأقطار الأمة كافة.

بل جاء ذاك الانتصار الذي أدى إلى اندحار المحتل، تتويجاً لصفحات مجيدة من تاريخ المقاومة اللبنانية للمشروع الصهيوني بدأت فكرياً مع الأب بولس عبود الكسرواني، والكاتب نجيب عازوري الجزيني، والفيلسوف ميشال شيحا البيروتي، وصولاً إلى الوزير ميشيل اده الموسوعي في مناهضة الصهيونية، وتواصلت نضالياً مع فوزي القاوقجي الطرابلسي، ومعروف سعد الصيداوي، والشهيد النقيب محمد زغيب البعلبكي لتصل إلى ملاحم سطرها في ستينات وسبعينات القرن الماضي رواد أبطال كالأخضر العربي أمين سعد في شبعا، وحسين علي قاسم صالح في كفرشوبا، وواصف شرارة في بنت جبيل، وشباب حي باب الرمل الطرابلسي وقد استشهدوا في الهبارية في أيار ١٩٧٠، وآل شرف الدين ومحمود قعيق في الطيبة، وعبد حلاوي في كفر كلا، والبيروتي نور الدين المدور شهيد المقاومة في القاسمية عام ١٩٧٨، وصولاً إلى تلك المقاومة الأسطورية دفاعا عن مدن الجنوب ومخيماته، وعن بلدات البقاع الغربي وراشيا خصوصاً مع الجيش العربي السوري في السلطان يعقوب.

وصولاً إلى بيروت حيث كان الصمود التاريخي لفلسطينيين ولبنانيين وجنود سوريين ومتطوعين عرب بوجه حصار الثمانين يوماً، وحيث انطلقت رصاصات المقاومة الأولى ضد العدو المتوغل في العاصمة على يد أبناء الطريق الجديدة، ثم تلتها عمليات رأس النبع والبسطا والمصيطبة وعين المريسة وزقاق البلاط وسييرس والنورماندي حتى رأس بيروت والعملية النوعية الخالدة لخالد علوان، وهي عمليات استمرت ما بعد ١٩٨٢ وحملها على درب الاستشهادي الأول احمد قصير شهداء وشهيدات كسناء محيدلي، ولولا عبود، وبلال فحص، وابن بيروت سمير الشامي، وغيرهم وغيرهم، من مقاومين عروبيين وناصريين وبعثيين وقوميين اجتماعيين وشيوعيين وإسلاميين من حواري صيدا إلى سهول البقاع الغربي وأعماق جبل عامل.

كان الانتصار عام ٢٠٠٠ هو نقطة التحوّل النوعي في تراكم تاريخي شارك في صنعه كل قوى التحرر والنهوض في لبنان، وهو ما يدفع قائد المقاومة وإخوانه إلى التأكيد دائماً على هذا التنوع في مراحلها أو في طبيعة المشاركين فيها، مدركين إن ما من إساءة للمقاومة أكثر من محاولة استفراد فريق أو تيار أو حزب أو فئة بها وهي مع الأسف محاولات بدأت مع انطلاقة المقاومة عام ١٩٨٢.

ومثلما كان انتصار عام ٢٠٠٠ تتويجاً لمرحلة كاملة من الكفاح والمقاومة وصلت إلى ذروتها المتقدمة، كماً ونوعاً، مع المقاومة الإسلامية عموماً، وحزب الله خصوصاً، يمكن القول إن ذاك الانتصار كان أيضاً افتتاحاً لمرحلة بلغ فيها صراع الأمة مع أعدائها اشد مراحله دموية وعنفاً، وصراع الأمة مع أمراضها وعثراتها وواقع الاستبداد والفساد والتبعية أخطر تجلياته في تداعياته المستمرة.

وبقدر ما كان ذاك الانتصار مذهلاً للأعداء ومقلقاً لهم، بكل إيحاءاته الروحية والنضالية والسياسية والميدانية، فقد كان أيضا محركاً لأعلى درجات الرغبة بالانتقام لديه ولدى حلفائه وأدواته، حتى يمكن القول أن كل ما شهده لبنان، ومعه الأمة والإقليم، من اضطرابات وتهديدات وفتن وحروب إنما كانت في جزء مهم منها، هو نتيجة تلك الرغبة العارمة بالانتقام من المقاومة، كخيار وثقافة وسلاح، ومن الأمة التي ما امتحنها أعداؤها يوماً في استقلالها وهويتها وكرامتها إلا وقاومتهم بكل ما أوتيت من وسائل.

لقد كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام ٢٠٠٠، وبعد أشهر من الانتصار اللبناني، ثمرة لتلك العلاقة التفاعلية بين مقاومة فلسطين ومقاومة لبنان، لذلك جاء أيضاً الانقضاض الصهيوني على المدن، والمخيمات عام ٢٠٠٢ في الضفة الغربية انتقاماً للهزيمة الصهيونية في لبنان، وحربا استباقية للحيلولة دون تكرار ما جرى في لبنان على ارض فلسطين.

وبقدر ما كان احتلال العراق عام ٢٠٠٣ وإشعال الفتن الطائفية والمذهبية على أرضه، بعد سنوات من الحصار والعدوان، في جزء منه رداً استراتيجياً على المناخ الثوري الذي انطلق مع الانتصار في لبنان، ومحاولة تطويق المقاومة اللبنانية الظافرة بطوق من التحريض الطائفي.

فإن المقاومة العراقية العظيمة التي أربكت اندفاعة المشروع الصهيو–أمريكي في عموم المنطقة، حذت حذو المقاومة اللبنانية في مواجهة عدو متفوق عسكرياً ولكنه بات مرتبكاً إزاء إرادة شعب مقاوم.

وبقدر ما كان دور سوريا في احتضان المقاومة اللبنانية ما بعد الغزو الصهيوني عام ١٩٨٢، عاملاً حاسماً، سياسياً ولوجستياً، ساهم في تمكين المقاومة من تجاوز العديد من الألغام والمطبات والكمائن السياسية والحروب العسكرية، فان ما تشهده سوريا منذ ثلاث سنوات ونيف من حروب ودمار وفتن لا يمكن فهمه خارج سياق الانتقام من المقاومة وداعميها في انتصارها عام ٢٠٠٠ ثم في عام ٢٠٠٦، وبالتأكيد عبر استغلال ثغرات في بنية النظام كما في الأداء والممارسة.

وبقدر ما كان تحرير غزة على يد المقاومة الفلسطينية الباسلة تأكيداً على سلامة الشعار الذي رفعه ذات يوم جمال عبد الناصر بأن "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة"، وهو شعار كل مقاومة اليوم، فان حروب ما بعد تحرير غزة على القطاع المحاصر والصامد، لا يمكن قرءاتها أيضا إلا في سياق الرغبة الصهيونية العارمة في الانتقام من المقاومة، خياراً ونهجاً وثقافة وسلاحاً.

وما يقال عن العراق وسوريا وفلسطين وتداعيات الانتصار اللبناني على تطورات الأوضاع فيها، يمكن أن يقال عن مجمل التطورات التي شهدتها أقطار الأمة وكياناتها.

فأياً كان تقييم الحراك الشعبي الذي شهدته تلك الأقطار، فان أحداً لا يستطيع أن ينكر أن كسر حاجز الخوف لدى المواطن العربي الذي ساهم في إطلاق هذا الحراك هو احد ثمار انتصار المقاومة العربية الشاملة على الأعداء المدججين بأعتى ترسانات الأسلحة وأشدها فتكاً، فإذا كان مقاومون بأسلحة بدائية، تصل أحيانا إلى الحجارة، قادرين على هزيمة القوى الجبارة، فلماذا لا يقدر المواطن البسيط على هزيمة أنظمة هي صنيعة تلك "القوى الجبارة"؟

وفي السياق ذاته، فان احد لا يستطيع أن ينكر إن أحد أسباب تفجّر هذا الحراك الشعبي الهائل، لا سيّما ضد الأنظمة التي كانت تستند إلى دعم واشنطن وحتى تل أبيب، إنما حصل بسبب تحوّل في موازين القوى الإقليمية والدولية لغير صالح الحلف الصهيو–استعماري وهو تحوّل كان الانتصار اللبناني أيضاً، كما الفعل المقاوم الفلسطيني والعراقي، والصمود الشعبي العربي والإسلامي، احد مصادره، وان ما رأيناه من محاولات التفاف حول هذا الحراك، وإجهاض نتائجه، وحرف مساره، لم يكن سوى سعي محموم من قبل ذلك الحلف المسموم لإعادة إنتاج ميزان قوى جديد لصالح هذا الحلف.

إذن كان تحرير الأرض مقدمة لتحرير الإرادة، تماماً كما كان تحرير الأرض نتيجة لتحرير إرادة المقاومين سواء في لبنان أو فلسطين والعراق، فالإرادة الحرة تحصن حرية الوطن والإنسان، والعكس صحيح، لكن تحرير الإرادة يبقى المهمة الأصعب في رحلة التحرير الشاملة.

فتحرير الأرض يحتاج إلى مقاومة المحتل، لكن تحرير الإرادة يحتاج إلى مقاومة للاحتلال الخارجي، كما للاختلال الداخلي في العلاقات بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات المجتمع ذاتها، اختلال طال جوهر المصالح الحيوية للأمة وأهدافها في وحدتها واستقلالها وتنميتها وتجددها الحضاري والعدالة الاجتماعية، وهي مصالح وأهداف يرتبط تحقيقها جميعاً بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

إن نقطة البداية في تحرير الإرادة، الوطنية والقومية، تنطلق من توفير عوامل القوة الذاتية لدى الشعوب والأمم، وهي في حال أمتنا تقوم على ركيزتين أساسيتين:

أولها وحدة وطنية داخل القطر تبدأ من المصالحة الشاملة التي تضع حداً للتدهور في العلاقات بين مكونات المجتمع وتحترم التطلعات المشروعة للشعوب، وهي مراجعة تستند بالضرورة إلى مراجعة عميقة يقوم بها الجميع لتجاربهم وممارساتهم، فيعمّقون الايجابي منها وينبذون السلبي، وفي مقدمة هذه السلبيات عقلية الإقصاء والإلغاء والاجتثاث التي تجتث الوطن فيما تظن أنها تجتث فئة واحدة منه.

وثانيها اتحاد عربي على مستوى الأمة يبدأ من تكامل متدرج على الصعد الاقتصادية والدفاعية والثقافية والاجتماعية والتربوية، يصل بنا إلى اتحاد الكيانات العربية فيخرجها من أزماتها التكوينية المتفجرة فقراً وجهلاً وتخلفاً وغرائز متنابذة وعصبيات متناحرة، ويدخلها في رحاب العصر.

فإلى مقاومة تحرّر الإرادة، بعد أن عرفنا مقاومة تحرّر الأرض.

معن بشور

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • مسعد بكر

    نعم لقد كانت المقاومة فى الجنوب اللبنانى وسام على صدر كل عربى حر امتداد لما حققه المصريين فى السادس من اكتوبر وتتويجا له باجمل معانى البطولة التى مازالت تسرح فى ذاكرتنا العربية والاسلامية

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق