عندما أقيل الوزير

بقلم/ فراس حامد نويران الخوالدة
مصر : ٤-٦-۲۰۱۵ - ٤:۲۳ ص - نشر

في الشتاء.. ماتت والدة الوزير.. حتى الأشجار والجدران شاركت في تقديم العزاء.. أما الطرق الزراعية المهملة في المنطقة التي أقيم فيها العزاء فقد تحولت إلى خطوط متصلة من السيارات المصطفة.. أضطر الكثيرون إلى ركن سياراتهم في مكان بعيد، والمشي لمئات الأمتار، لكي يتسنى لهم الوصول إلى ديوان العزاء.

أحد الموظفين تحرج قبل يومين من أن يحمل كيسا من الخبز في الشارع باعتبار أن ذلك يشكل إهانة لبذلته الرسمية، التي يرتديها على الدوام بحكم منصبه والمستقبل العظيم الذي ينتظره.. أن يصبح، ولو بعد ربع قرن، وعلى حافة القبر، وزيرا، ولكنه اليوم نسي زوجته وأطفاله، وتحول إلى نادل يقدم القهوة والتمر لمقدمي العزاء، خاصة الذين جلسوا على مقربة من الوزير: هل رأني معاليه؟ هل رأني؟ لا بد أن يراني.

كان هناك عجوز وصل إلى أرذل العمر، لم يذهب إلى صلاة الجمعة منذ أسابيع بسبب آلام الروماتيزم، لم يجد اليوم صعوبة في البقاء واقفا لساعة كاملة على مرمى نظر الوزير، فهو رغم أنه أحيل على التقاعد منذ سنوات، لا زال بحاجة ماسة إلى عطف الوزير، فلديه أربعة أولاد ينتظرون فرصة عمل، ولا زال هو شخصيا في حاجة إلى الإحساس بأنه لا زال بإمكانه أن يرتشف القهوة في مكتب الوزير، أو حتى مكتب سكرتيرته الأكثر غرورا من الوزير.

علية القوم جاءوا من كل مكان. كانت فرصة للتعارف، ولإعادة التواصل، لتبادل الهمسات، لتسريع المعاملات الشخصية المحفوظة في أدراج مكتب الوزير.

بعض المعزين لم يأتوا من أجل الوزير نفسه، بل من أجل آخرين من علية القوم، حيث لم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها لكي يعرفوا متى سيأتي مسئول معين لتقديم العزاء، فرب صدفة من غير ميعاد كما يقولون، وعندئذ ستكون فرصة ذهبية للوقوف مع هذا المسئول لثوان أو دقائق، ليقدم له خلالها طلبا أو يذكره بطلب كان هذا المسئول قد تناساه منذ عدة أشهر.

لأيام، بدا أن الوطن بأكمله، تم اختزاله في ديوان العزاء. وأن والدة الوزير كانت أما للوطن. تحدث الكثيرون، على مسمع الوزير أو حاشيته، عن خصال الفقيدة، عن ورعها وحنانها، رغم أنهم لم يروها، ولم يسمعوا عنها البتة، بل إن بعضهم لم يعرف بأن والدة الوزير كانت على قيد الحياة إلا بعد أن علم بوفاتها عبر وسائل الإعلام. وكيف يسمعوا بها أو يروها إذا كان الوزير نفسه، ابنها، لم يرها منذ أشهر إلا مرات قليلة، بعد أن دخلت في غيبوبتها التي لم تفق منها إلا في العالم الآخر؟

الصحف الرسمية والمواقع الإخبارية الإلكترونية أصبحت تعج بإعلانات التعزية، بحيث أصبح اسم الوزير أكثر أسماء الوزراء استخداما على محركات البحث عبر الإنترنت لعدة أيام.

في الربيع، أقيل الوزير، عاد إلى منزله، ككثيرين غيره، تلك هي الحياة، فسبحان الله عز وجل، (تؤتي الملك من يشاء، وتنزع الملك ممن يشاء) آل عمران: ٢٦، أصبح حديث الناس لأيام تطول أو تقصر، ثم انضم إلى كوكبة المنسيين.

في الصيف مات والد الوزير.. بيت العزاء لم يتجاوز عدد الحاضرين فيه، في أحسن الأحوال، بضع عشرات، أغلبهم من أقارب الوزير وأنسبائه، وكثير من هؤلاء حاقدين على ابن جلدتهم الذي لم يقدم لهم شيئا، ولم يرفع أسهم العشيرة أو المنطقة في دوائر الدولة، كما كان بين الحاضرين عدد قليل من المخلصين، وعدد أقل ممن يحسبون أنفسهم أصحاب بعد نظر: قد يعود وزيرا من جديد.. ربما تجمعه علاقة صداقة ببعض المسئولين الحاليين.. حتى لو خرج من الوزارة فإنه لا زال له كلمته المسموعة داخلها، يقولون أن الأمين العام "تربى على يديه".

التنوع الاجتماعي والطبقي الذي كان موجودا في العزاء السابق بدا مفقودا بشكل كلي في هذا العزاء، وكأن الوزير لم يغادر منطقة سكناه أبدا، وأمضى حياته جالسا على كرسي البقال أو لاهثا وراء سكة المحراث. إن هذا العزاء هو مناسبة محلية بامتياز، أما العزاء السابق فكان، بدون مبالغة، مناسبة تاريخية لا زال الناس يتحدثون عن فخامتها، خاصة بعد مقارنتها بعزاء الوالد الهزيل والبائس.

أما في الصحف الرسمية فلم يظهر سوى إعلان عزاء واحد وصغير على هامش الصفحة، بينما كان عدد إعلانات العزاء في المواقع الإلكترونية محدود جدا.

فراس حامد نويران الخوالدةHashemite Kingdom of Jordan

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق