التطهير العرقي في فلسطين

التطهير العرقي في فلسطين

كتاب "التطهير العرقي في فلسطين".. القصة المرعبة لتطهير فلسطين من سكانها الأصليين.. جريمة ضد الإنسانية أرادت إسرائيل إنكارها وجعل العالم ينساها..

يعد ايلان بابيه مؤلف الكتاب من المؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين يوصفون بأنهم خطر علي الكيان الإسرائيلي بسبب مناصرتهم للشعب الفلسطيني والتحدث عن حقه الضائع.. بابيه قرر مغادرة إسرائيل للأبد احتجاجا على عنصريتها ودعا إلى مقاطعتها ثقافيا ويري أن المقاطعة أفضل وسيلة للضغط علي إسرائيل لإنهاء أسوأ احتلال في التاريخ.

ولد في حيفا عام 1954 وينتمي لأسرة ألمانية يهودية هاجرت لفلسطين في الثلاثينيات.. حصل علي الدكتوراه من جامعة اوكسفورد عام 1984 وعمل في جامعة حيفا قبل أن يقدم استقالته منها العام الماضي ويعمل الآن في بريطانيا.

تناول بابيه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" قراءة من منظور جديد للأحداث التي سبقت قيام دولة إسرائيل والتي تلتها ووصف أعمال التطهير العرقي التي ارتكبت في حق الشعب الفلسطيني الذي طرد من أراضيه من اجل قيام دولة إسرائيل.. تحدث عن حصار غزة وشبه ما يحدث بها بالتطهير العرقي الذي تتبعه إسرائيل منذ سنوات وأضاف أن عجز إسرائيل وعدم وجود استراتيجية أو تكتيك واضح في التعامل مع الفلسطينيين هو السبب الرئيسي لهذا الحصار.

نقدم في السطور التالية عرضا لكتاب المؤرخ الإسرائيلي الذي يحترمه الفلسطينيون.

البيت الأحمر كان من أفضل نماذج البناء في تل أبيب في أعوامها الأولى قد جري تصميمه ليكون المقر الرئيسي لمجلس العمال المحليين.. وظل هكذا حتى أصبح في أواخر سنة 1947 مقر قيادة الهاجاناه "الميليشيا الصهيونية الرئيسية في فلسطين".

في هذا المبني عصر يوم العاشر من مارس عام 1948 وضعت مجموعة من احد عشر رجلا مكونة من قادة صهاينة قدامي وضابطين عسكريين شابين اللمسات الأخيرة لخطة تطهير فلسطين عرقيا، وفي مساء اليوم نفسه أرسلت الأوامر إلى الوحدات على الأرض بالاستعداد للقيام بطرد منهجي للفلسطينيين في مناطق واسعة في البلد.. وأرفقت الأوامر بوصف مفصل للأساليب الممكن استخدامها لطرد الناس بالقوة إثارة رعب واسع النطاق، محاصرة وقصف قري ومراكز سكنية، حرق منازل وأملاك وبضائع.. طرد هدم بيوت ومنشآت وأخيرا زرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم.. وتم تزويد كل وحدة بقائمة تتضمن أسماء القرى والأحياء المحددة كأهداف لها في الخطة الكبرى المرسومة.. وكان اسم هذه الخطة الرمزي الخطة دال وهي النسخة الرابعة والنهائية التي عكست المصير الذي كان الصهاينة يعدونه لفلسطين وسكانها الأصليين.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الوطن بودربالة

كانت هذه الخطة هي النتيجة الحتمية للنزعة الأيديولوجية الصهيونية التي تطلعت إلى أن تكون فلسطين لليهود حصريا كما أنها كانت استجابة للتطورات على الأرض في اثر قرار الحكومة البريطانية بإنهاء الانتداب.. وأتت الاشتباكات المسلحة مع الفدائيين الفلسطينيين المحليين لتوفر السياق والذريعة المثاليين من اجل تجسيد الرؤية الأيديولوجية التي تطلعت إلى فلسطين نقية عرقيا. وكانت السياسة الصهيونية في البداية قائمة علي ردود فعل انتقامية علي الهجمات الفلسطينية في فبراير 1948 ولكنها ما لبثت أن تحولت في مارس 1948 إلى مبادرة لتطهير عرقي لدولة بأكملها.

استغرق تنفيذ المهمة ستة اشهر ومع اكتمال التنفيذ كان أكثر من نصف سكان فلسطين الأصليين، أي ما يقارب 800 ألف نسمة قد اقتلعوا من أماكن عيشهم و531 قرية تم تدميرها و11 حيا سكنيا تم إخلاؤها من السكان وهو ما يشكل مثالا واضحا جدا لعملية تطهير عرقي.. وتعتبر اليوم في نظر القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية.. لذا من يقدم علي تنفيذ هذه الجرائم يعتبر مجرما يجب أن يحاكم أمام هيئات قضائية خاصة. وأنا أحاول من خلال هذا الكتاب أن أتوصل إلى رواية تاريخية أكثر دقة لما حدث وإلي موقف أخلاقي أكثر نزاهة.

بالنسبة للفلسطينيين وكل من رفض أن يصدق الرواية الصهيونية كان واضحا أن هؤلاء الأشخاص ارتكبوا جرائم وأنهم نجحوا في الهروب من العدالة وانه من الأرجح ألا تتم محاكمتهم علي ما اقترفت أيديهم وما يزيد من معاناة الفلسطينيين أن المسئولين عن هذه الجرائم ينكرونها تماما كما يتواصل تجاهل معاناة الفلسطينيين منذ عام 1948.

منذ ثلاثين عاما تقريبا بذلت إسرائيل كل ما بوسعها لإخفاء الحقيقة وتشويهها.. تحدثت الرواية الإسرائيلية التي جري تلفيقها عن انتقال طوعي جماعي أقدم عليه مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين قرروا أن يهجروا بيوتهم وقراهم مؤقتا من اجل أن يفسحوا الطريق أمام الجيوش العربية الآتية لتدمير الدولة اليهودية الوليدة.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
انتصار عربي بطعم الهزيمة

المصادر الفلسطينية أظهرت بوضوح أن القوات الإسرائيلية كانت نجحت قبل اشهر من دخول القوات العربية فلسطين في طرد ما يقرب من ربع مليون فلسطيني بالقوة في الوقت الذي كان فيه البريطانيون لا يزالون مسئولين عن حفظ الأمن والنظام في البلد.

إنني شخصيا اتهم السياسيين الذين خططوا والجنرالات الذين نفذوا الخطة بارتكاب جريمة تطهير عرقي. إن أحدا لم يجرب هذا المنظور لرواية حقيقة ما حدث فالروايتان الإسرائيلية والفلسطينية تتجاهلان مفهوم التطهير العرقي وهو ما يجعل العالم ينكر حقيقة ما جري هناك.

التطهير العرقي جريمة ضد الإنسانية

يصنف التطهير العرقي في المعاهدات الدولية كجريمة ضد الإنسانية، كما في المعاهدة التي قامت علي أساسها المحكمة الجنائية الدولية.. وسواء أكانت الجريمة مزعومة ام معترفا بها تماما فإنها خاضعة للمحاكمة بموجب القانون الدولي. المجرمون هنا ليسوا مجهولين إنهم أبطال حرب 'الاستقلال' اليهودية وأسماؤهم مألوفة جدا لدي معظم القراء. القائمة تبدأ بزعيم الحركة الصهيونية ديفيد بن جوريون الذي نوقشت في منزله وحبكت نهائيا الفصول الأولى والأخيرة في قصة التطهير العرقي.

وقد ساعدته مجموعة صغيرة من الأشخاص سيرد اسمهم لاحقا أشير إليهم في الوثائق النادرة التي حصلت عليها علي أنهم المستشارون أو 'الهيئة الاستشارية'.

وضع هؤلاء خطط التطهير العرقي واشرفوا علي تنفيذها إلى أن تم اقتلاع نصف السكان الأصليين من وطنهم، اشتملت قائمة المستشارين يجآل يادين وموشيه دايان وايجال آلون وإسحاق ساديه، ساعدهم قادة مناطق مثل موشيه كالمان الذي طهر منطقة صفد، وموشيه كرمل الذي اقتلع معظم سكان الجليل، وإسحاق رابين الذين نشط في اللد والرملة ومنطقة القدس. وهناك شمعون افيدان الذي طهر الجنوب وساعده في ذلك إسحاق بونداك الذي قال أنه أزال مائتي قرية من الوجود.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
المسجد الأقصى والخماسية

ثم هناك ضباط الاستخبارات الميدانيين الذين لم يكتفوا بجمع معلومات عن العدو بل قاموا بدور رئيسي في التطهير وأسوأ الأعمال الوحشية التي رافقت الطرد المنهجي للفلسطينيين وكانوا مخولين سلطة اتخاذ القرار النهائي بشأن أي القرى يجب تدميرها وأي أشخاص من القرويين يجب إعدامهم فهم من قرروا مصير الأهالي السجن أو الحرية، الحياة أو الموت. وقد اشرف علي عملياتهم سنة 1948 إيسار هرئيل الذي أصبح لاحقا أول رئيس للموساد وللشاباك.

الدافع الصهيوني الأيديولوجي

لقد كانت 'ارض إسرائيل' كما تسمي فلسطين في الديانة اليهودية، محط احترام وتبجيل علي مر القرون من جانب أجيال من اليهود بصفتها قبلة حج مقدسة ولم تكن في ذهنهم قط مكانا لدولة علمانية مستقبلية.

تحولت رؤيتهم لتصبح فلسطين بلدا يحتله "غرباء" ويجب استرداده منهم. وصفة غرباء هنا تعني كل من لم يكن يهوديا وعاش في فلسطين منذ الحقبة الرومانية. أما الفلسطينيون السكان الأصليون الذين كانوا يعيشون هناك، فكانوا في نظرهم إلى حد كبير كائنات غير مرئية أو جزءا من عقبات الطبيعة التي يجب التغلب عليها أو إزالتها.

وتبين أدلة تاريخية انه في وقت ما بين سنة 1905 وسنة 1910 ناقش عدد من الزعماء الفلسطينيين الصهيونية بصفتها حركة سياسية تهدف إلي شراء أراضي وأملاك وتسعي للحصول علي قوة في فلسطين.. ومع مرور السنين في عهد الانتداب، تعمق لديهم الإحساس بالخطر، بل الإحساس بكارثة وشيكة ولكن لم يترجم هذا الإحساس قط إلي استعدادات كافية لمواجهة هذا الخطر الكامن.

لقد وجه المستوطنون الصهاينة الأوائل معظم طاقاتهم ومرادهم لشراء قطع من الأرض في محاولة لدخول سوق العمل المحلية وإيجاد شبكات جماعية وطائفية قادرة علي دعم مجموعات القادمين الجدد التي كانت لا تزال صغيرة وهشة اقتصاديا.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الغضب الفلسطيني والتطبيع الخليجي الإسرائيلي والاصطدام مع دول الخليج

وفي اللحظة التي أعطي فيها وزير الخارجية البريطاني اللورد بلفور الحركة الصهيونية وعده سنة 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، فتح الباب لنزاع دائم اجتاح البلد وسكانه. وأدي لمقتل مئات من الفلسطينيين واليهود. وحتى عام 1928 تعاملت الحكومة البريطانية مع فلسطين كأنها دولة واقعة ضمن نطاق النفوذ البريطاني وليست مستعمرة.

ثم اتبع ذلك ثورة فلسطينية شعبية أخري عام 1936 أرغمت بريطانيا علي حشد قوات لإخمادها أكثر من القوات الموجودة في شبه القارة الهندية. واستمرت في هجماتها الوحشية علي الريف الفلسطيني لثلاث سنوات نفيت فيه القيادات الفلسطينية وحلت الوحدات شبه النظامية التي أدارت حرب المقاومة ضد قوات الانتداب الأمر الذي سهل استيلاء اليهود علي هذه القرى عام 1947.

التحضيرات العسكرية

اشتملت التحضيرات الصهيونية للتمكن من الاستيلاء علي البلد بالقوة في حال عدم الحصول عليه عن طريق المساعي الدبلوماسية، علي إنشاء منظمة عسكرية فعالة بمساعدة ضباط بريطانيين متعاطفين، وعلي البحث عن موارد مالية وفيرة 'كان في استطاعتهم اللجوء إلي يهود الشتات من أجل الحصول عليها'. كما كان إنشاء نواة سلك دبلوماسي جزءا عضويا من التحضيرات العامة نفسها الهادفة إلي إنشاء دولة في فلسطين بالقوة.

ملفات القرى

كان هناك حاجة إلي ما هو أكثر من مجرد الاستمتاع بمهاجمة قرية فلسطينية.. حاجة إلي تخطيط منهجي، واتي الاقتراح من مؤرخ شاب من الجامعة العبرية يدعي ­ بن سيون توريا ­ الذي رأي انه من المفيد إعداد سجل مفصل للقرى العربية تحت إشراف الصندوق القومي اليهودي لأن هذا سيساعد جدا في 'تحرير البلد' وضخ مزيد من الحماسة في العمل علي خطط الطرد التي وضعت لاحقا.

كما كان الصندوق القومي اليهودي الذي أنشئ عام 1901 بمثابة الإدارة الصهيونية الرئيسية لاستعمار فلسطين وهي الوكالة التي كانت وراء شراء الأراضي الفلسطينية التي جري توطين اليهود فيها.. اقترن نشاط الصندوق اليهودي باسم يوسف فايتس مدير دائرة الاستيطان الذي كانت أولويته القصوى هي تسهيل طرد المزارعين الفلسطينيين العاملين بأجر أو في مقابل جزء من المحصول من الأراضي المشتراة من ملاك غائبين يعيشون بعيدا عن أراضيهم بعد أن رسم الانتداب البريطاني حدودا لم تكن موجودة من قبل.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
سجون النساء في الدول العربية.. إنتهاكات بالجملة

وبلغت حماسة فايتس الذروة عندما بلغه خبر ملفات القرى واقترح علي الفور تحويلها إلي مشروع قومي. يتسحاق بن تسفي العضو البارز في القيادة الصهيونية والذي أصبح ثاني رئيس لدولة إسرائيل ذكر بان المشروع يجب أن يتضمن كشف الأصول العبرية لكل قرية وان تعرف الهاجاناة القرى الجديدة نسبيا. المهمة كانت رسم خرائط القرى لذا تم تجنيد خبير طوبوغرافي من الجامعة العبرية للعمل بالمشروع والذي اقترح القيام بمسح جوي للقرى ومنهما قريتي السنديانة وصبارين 'الخريطتان موجودتان في أرشيف دولة إسرائيل' وهما كل ما تبقي من القريتين بعد عام 1948.

ولقد اخفي معمل تحميض الأفلام للقرى في منزل مارجو ساديه عن أعين البريطانيين.. وفي عام 1947 نقلت دائرة رسم الخرائط إلي البيت الأحمر. كانت المحصلة النهائية لجهود الطوبوغرافيين ملفات مفصلة لجميع قري فلسطين بحيث أصبح الأرشيف مكتملا في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي.. وتضمن ملف كل قرية موقعها الطوبوغرافي وطرق الوصول إليها ونوعية أراضيها وينابيع المياه ومصادر الدخل الرئيسية وتركيبتها الاجتماعية­ الاقتصادية والانتماءات الدينية للسكان وأسماء المخاتير والعلاقات بالقرى الأخرى.. ومع نهاية عام 1945 كانت هناك أوصاف دقيقة للأشخاص والمساجد والبيوت وكمية الأسلحة الموجودة ونوعيتها.

مواجهة البريطانيين

بعد الحرب العالمية الثانية توصلت الحركة الصهيونية إلي فهم أوضح لكيفية إقامة الدولة الجديدة خاصة بعد أن حطم البريطانيون القيادة الفلسطينية وقدراتها الدفاعية في ثورة عام 1936 وبعد زوال خطر غزو نازي لفلسطين عام 1942، أدرك القادة الصهاينة بوضوح أن العقبة الوحيدة في طريقهم هي الوجود البريطاني لا المقاومة الفلسطينية.

دافيد بن جوريون.. المهندس

قاد بن جوريون الحركة الصهيونية منذ أواسط العشرينيات من القرن الماضي حتى أواسط الستينيات منه. أتي إلي فلسطين عام 1906 وكان قبل قدومه صهيونيا متحمسا. كان عمره ستين عاما عندما بدأت أعمال التطهير العرقي. سطع نجمه بعد سيطرته الكاملة علي شئون الأمن والدفاع في المجتمع اليهودي في فلسطين­ قبل عرض البريطانيين سنة 1937 بتأسيس دولة يهودية علي جزء من فلسطين.. أصغر مما كان في ذهنه ولكنه اعتبرها بداية جيدة.. وأصبح الموضوع الرئيسي في جدول الأعمال الصهيوني الذي يسيطر عليه بن جوريون في سنتي 1946 و1947 النضال ضد البريطانيين والذي تلاشي تلقائيا باتخاذ بريطانيا القرار في فبراير 1947 بالتخلي عن فلسطين وإحالة المسألة الفلسطينية إلي الأمم المتحدة. فلم يكن بإمكان بريطانيا التعامل مع الثورة اليهودية كما تعاملت مع الثورة العربية في الثلاثينيات. ومع نهاية عام 1946 أدرك بن جوريون أن البريطانيين كانوا في طريقهم للمغادرة واخذ يعمل مع مساعديه علي وضع استراتيجية عامة يمكن تطبيقها ضد الفلسطينيين في اللحظة التي يغادر فيها البريطانيون.. والتي عرفت بالخطة 'ج'.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
يوم المرأة العالمي

استهدفت الخطة 'ج' القيام بحملات هجومية علي مدن فلسطين وردع السكان الفلسطينيين عن مهاجمة المستعمرات اليهودية وذلك بوضع عدد من الأعمال التأديبية ومنها قتل القيادة السياسية الفلسطينية، قتل الفلسطينيين الذين نشطوا ضد اليهود، قتل الضباط والموظفين الفلسطينيين الكبار في النظام الانتدابي إلحاق الضرر بالمرافق العامة ومصادر العيش الفلسطينية ومهاجمة القرى الفلسطينية والنوادي والمقاهي وأماكن تجمع الفلسطينيين.

خطة تقسيم الأمم المتحدة

في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة توصية لجنة "أونسكوب unscop" الخاصة بفلسطين والتي تبنت قرار تقسيم فلسطين مع التوصية بإنشاء نظام خاص بمدينة القدس تكون فيه المدينة كيانا منفصلا خاضعا لنظام دولي بإدارة الأمم المتحدة.

ومن الواضح أن الأمم المتحدة بقبولها قرار التقسيم تجاهلت كليا 'تركيبة سكان البلد فلو قررت أن تجعل الأراضي التي استوطنها اليهود في فلسطين مناسبة مع حجم دولتهم العتيدة لما كانت أعطتهم الحق في أكثر من 10% من البلد. ولكنها قبلت الادعاءات القومية التي كانت الحركة الصهيونية تشيعها بالنسبة لفلسطين كما رغبت في تعويض اليهود عن الهولوكوست وجرائم النازية في أوروبا.

مخطط التطهير العرقي: الخطة دال

بدأ التطهير العرقي في فلسطين في أوائل ديسمبر عام 1947 بسلسلة من الهجمات اليهودية علي قري عربية وأحياء في المدن ردا علي أعمال عنف رافقت احتجاجات الفلسطينيين علي قرار الأمم المتحدة.. وعلي الرغم من أن هذه الهجمات كانت متفرقة ومتقطعة إلا أنها كانت عنيفة بما فيه الكفاية للتسبب برحيل عدد كبير من الناس 'نحو 75 ألف نسمة'.

المنطقة الأولى التي اختيرت لتنفيذ الخطة دال كانت الهضاب الريفية الواقعة علي المنحدرات الغربية لجبال القدس في منتصف الطريق المؤدي لتل أبيب.

صدرت الأوامر إلي الوحدات العسكرية بتنفيذ الخطة، وأشارت الأوامر إلي انه سيتم تحديد القرى التي يجب احتلالها وتطهيرها وتدميرها وكانت أول عملية باسم عملية نحشون والتي أتحدت جميع المنظمات العسكرية اليهودية ومنها الهاجاناة ولواء الجولاني وقوات الأرجون وعصابة شتيرن ­والتي عملت جميعها كجيش موحد وكانت حجر الأساس للجيش الإسرائيلي المرتقب. 'القسطل' هي أول قرية فلسطينية تسقط في أيدي اليهود علي الرغم من المقاومة الشرسة بقيادة عبدالقادر الحسيني الذي استشهد في التاسع من ابريل وأدي موته إلي تدهور معنويات جنوده إلي حد أن القرى الأخرى في القدس سقطت كلها بسرعة.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
وزيرة الصحة الفلسطينية تتحدث عن وضع الوباء في البلاد

دير ياسين

تجلت طبيعة خطة دال المنهجية والمنظمة جيدا في دير ياسين وهي قرية هادئة ومسالمة توصلت إلي معاهدة عدم اعتداء مع الهاجاناة في القدس لكن حكم عليها بالهلاك لأنها كانت تقع داخل المناطق التي عينتها الخطة دال أهدافا للتطهير. لذا أرسلت الهاجاناة قوات الأرجون وعصابة شتيرن كي تعفي نفسها من أية مسئولية رسمية.
في التاسع من ابريل عام 1948 احتلت القوات اليهودية قرية دير ياسين الواقعة علي هضبة إلي الغرب من القدس. رشقوا البيوت بنيران المدافع الرشاشة، فقتل الكثير من سكانها ومن ثم جمعوا بقية القرويين في مكان واحد وقتلوهم بدم بارد وانتهكوا حرمة أجسادهم في حين اغتصبت العديد من النساء قبل قتلهن.

الأبحاث الحديثة ذكرت أن 'أعداد ضحايا مجزرة دير ياسين 93 ضحية من 170' ضحية، كما أن هناك أعدادا أخرى لم يتم تسجيلها في التقارير الرسمية ولكن القيادة اليهودية أعلنت بافتخار رقما مرتفعا للضحايا كي تجعل من دير ياسين تحذيرا للفلسطينيين جميعا من أن مصيرهم سيكون واحدا إذا رفضوا أن يتركوا بيوتهم ويهربوا.

الهدف التالي كان أربع قري مجاورة هي قالونيا، ساريس، بيت سوريك، بدو والتي لم تستغرق العملية في كل قرية أكثر من ساعة واحدة حيث دخلت قوات الهاجاناة ونسفت البيوت وطردت السكان. قريتان في المنطقة نفسها أعفيتا من التدمير وهما: أبوغوش والنبي صموئيل حيث أقام مختاريهما علاقات ودية مع قادة عصابة شيترن.

تدمير المدن الفلسطينية

وجهت قوات الهاجاناة اهتمامها إلي المراكز الحضرية الرئيسية في فلسطين وكانت طبرية هي أول المدن التي سقطت في أيديهم في الثامن عشر من ابريل وذلك بعد هروب عدد كبير من السكان بعد وصول أنباء مذبحة دير ياسين وقرية ناصر الدين.. أما بقية السكان ففروا بعد أن كانت قوات الهاجاناة تدحرج براميل مليئة بالمتفجرات إلي المدينة من فوق الهضاب وتستخدم مكبرات الصوت لإصدار أصوات مخيفة لبث الذعر في قلوب السكان.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
قصف إسرائيلي وأربعة شهداء في غزة

تطهير حيفا من العرب

خصصت مدينة حيفا في خطة الأمم المتحدة للدولة اليهودية، ولقد أراد اليهود المدينة من دون 75 ألف فلسطيني كانوا يعيشون فيها منهم نحو 20 ألفا من الأغنياء الذين تركوا البلاد إلي مصر والأردن في ديسمبر عام 1947 تاركين بقية السكان تحت رحمة القوات اليهودية.

كانت حيفا الميناء الفلسطيني الرئيسي وكانت كذلك المحطة الأخيرة في مسار الانسحاب البريطاني الذين كان من المتوقع مغادرتهم في أغسطس عام 1948 ولكنهم قرروا فجأة تقديم الموعد إلي مايو وكان من سلطتهم القانونية والأخلاقية فرض القانون والنظام فيها ولكنهم قدموا واحدا من أكثر الفصول مدعاة للعار في تاريخ الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط..

أوكلت مهمة تطهير حيفا إلي لواء كرملي الذي كان من صفوة التشكيلات في الجيش اليهودي وبلغ عدده ألفين جندي يواجههم 500 من المتطوعين الفلسطينيين للدفاع عن المدينة بأسلحتهم البسيطة التي لم تصمد بالطبع أمام مدافع الهاون والعربات المصفحة.. كان القائد البريطاني ستوكويل علي علم مسبق بالهجوم اليهودي الوشيك فاستدعي القادة العرب ونصحهم بالرحيل.. ومن صدمة ورعب السكان تركوا منازلهم دون أن يأخذوا أي شيء معهم وتدفقوا إلي الميناء أملا في النجاة ولكن قوات لواء كرملي نصبت مدافع هاون علي منحدرات الجبل المطلة علي السوق والميناء الذي يحتشد فيه الفلسطينيون وقاموا بإطلاق النار.. فصعد من نجا إلي قوارب وكثير منهم غرق من هول الصدمة.

صفد وعكا ويافا

بدأت المعركة علي صفد في منتصف ابريل حيث واجه ألف من جنود البالماخ المدربين 400 متطوع عربي ونجحوا في طرد 9500 عربي كانوا في المدينة.. بينما سقطت عكا في مايو 1948 بعد أن قامت قوات الهاجاناة بتلويث مياهها بمرض التيفود.. في الوقت الذي احتل لواء جولاني مدينة بيسان بعد السيطرة علي القرى المحيطة بها.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
رجفة خوف من الآتي

أما يافا فكانت آخر مدينة يتم احتلالها في الثالث عشر من مايو وقبل يومين من انتهاء الانتداب البريطاني وكان بها أكبر عدد متطوعين نحو 1500 عربي عن غيرها من المدن الفلسطينية في مواجهة خمسة آلاف جندي تابعين للهاجاناة والأرجون وتكرر نفس سيناريو الهروب الذي حدث في حيفا والذي أدي لمقتل كثيرين.

عين الزيتون

تعتبر مجزرة عين الزيتون أكثر المجازر الثلاث شهرة لان قصتها شكلت الأساس للرواية الملحمية الوحيدة عن النكبة حتى الآن. أشرف علي العملية موشيه كالمان الذي قاد الهجمات الوحشية على الخصاص وسعسع والحسينية في المنطقة نفسها.. حيث ساق كل الرجال والشباب إلي ساحة القرية وفتحت عليهم النيران.

حتى أن من رفعوا رايات بيضاء أمروا أن يختاروا أطفالا ومراهقين بصورة عشوائية وقتلوا رميا بالرصاص. الوثائق العسكرية الإسرائيلية ذكرت أن من أعدموا سبعين شخصا فقط ولكن الحقيقة تفوق هذا العدد بكثير واشتملت علي نساء وأطفال رضع.

لم تكن أعمال القتل الجماعي الأخرى تحدث كعقاب بل لأن الهاجاناة لم يكن لديها بعد معسكرات اعتقال لأسري الحرب تستوعب العدد الكبير من الأسري القرويين.. وان المذابح كانت تحدث عندما تم أسر عدد كبير من القرويين كما في حالتي الطنطورة والدوايمة بعد 15 مايو 1948.

القدس مدينة أشباح

لم تتخط حملة تدمير المدن الفلسطينية القدس التي تحولت من 'المدينة الخالدة' إلي 'مدينة أشباح'. حيث قصفت القوات اليهودية الأحياء العربية الغربية ثم هاجمتها واحتلتها في ابريل 1948 وكان السكان الأثرياء قد غادروا المدينة قبل عدة أسابيع. كانت التعليمات الصادرة إلي القوات اليهودية واضحة جدا 'عليكم القيام باحتلال الحي وتدمير جميع منازله'.

وكانت المحصلة النهائية للتطهير العرقي في منطقة القدس الكبرى تطهير ثمانية أحياء وتسع وثلاثين قرية فلسطينية. وطرد سكانها إلي الجزء الشرقي من المدينة. القرى أزيلت من الوجود لكن بعض أجمل بيوت القدس لا يزال قائما تقطن فيه عائلات يهودية استولت عليها فور إخلائها من سكانها.. شاهدا باقيا علي المصير المأساوي لملاك هذه البيوت.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
سوريا دراسة الداخل

رضوى عبد اللطيف - مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
أحدث
أقدم
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
د. سامي عبد المنعم بريمة
د. سامى عبد المنعم بريمه - صحفى سودانى
2012/01/9 - 4:32 م

إن عملية التطهير العرقى أينما كانت فهى عمليه تتصف بعدم الإنسانية وخروج مرتكبيها عن القانون والإنسلاخ من الطبيعة البشرية فى حب الخير للجميع وضد فكرة زيادة التناسل البشرى الذى يخدم المصالح الإنسانية .

شاهدت فيلم إستمد أحداثه من الواقع يوثق دخول الإمريكان إلى العاصمة مقديشو بالصومال فى التسعينات فى محاولة لإجلاء بعض الأسرى وجيش المتمردين يقوم بأعمال تصفية وإبادة جماعية وعرقية ضد شعب الصومال العزل من السلاح . كما جاء فى فيلم آخر جرت أحداثه فى نيجريا شهدنا فيه كيف أن المتمردين يقومون – ببشاعة مفرط فيها – بعمليات التطهير العرقى وتصويب البنادق إلى صدور الفلاحين العزل تماما” .

كما أذكر في منتصف التسعينيات وقعت في رواندا – بالقارة الأفريقية -مذابح بشعة بين قبائل التوتسي والهوتو .
ذهب ضحيتها أكثر من نصف مليون نسمة خلال مائة يوم , وكانت هذه المذابح من أفظع ما عرفه لفظ التطهير العرقي على الإطلاق ‏.
حيث كان يحكم المنطقة أفراد من التوتسى ذو ى كراهية للهوتو تبلور ذلك فى الأحكام والقوانين المناصرة للتوتسى والتى تحتقر فى نفس الوقت الهوتو .
وتستمرفظاعة عمليات التطهير العرقى يوما” بعد يوم أنها صرخة للإنسانية
أفلا وقفنا ثم هتفنا بإيقاف هذه الأعمال . د. سامى عبد المنعم بريمه – صحفى سودانى إحتراف

1
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x