أردوغان وغول.. بوتين وميدفيدف

بقلم/
مصر : ۱۹-٤-۲۰۱٤ - ٦:۲۲ ص - نشر

مجرد أبيات شعرية "مساجدنا ثكناتنا.. قبابنا خوذاتنا.. مآذننا رماحنا.. والمصلون جنودنا.. وهذا الجيش المقدس يحرس ديننا" إقتبسها وشدى بها رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية التركي الحالي في أحد مؤتمراته الجماهيرية إبان ولايته لبلدية اسطنبول عام ١٩٩٨، فكانت بمثابة نقطة تحول في حياة هذا الرجل، فقد وُجهت له تهمة التحريض على الكراهية الدينية وأحيل للمحاكمة القضائية وصدر في حقه حكماً بالحبس ترتب عليه حرمانه من تولي المناصب العامة.

وفي نفس العام تم فيه حظر حزب الرفاة بزعامة نجم الدين أربكان "المعلم" ومؤسس الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا كما يلقبه أنصاره ومؤيدوه، وكما يراه أردوغان نفسه، وتمت إحالة أربكان للقضاء بتهم عدة منها خرق مواثيق علمانية الدولة، وتم حرمانه من ممارسة العمل السياسي لمدة خمس سنوات، إلا أن ذلك لم يثني أربكان فقام بتأسيس حزب جديد عام ٢٠٠٠ تحت إسم "الفضيلة" ولكن تم حظره هو الآخر.

كل هذه التفاعلات السياسية دفعت أردوغان إلى أن يعيد حساباته السياسية فقد أدرك أن السير على نهج أربكان لن يحقق طموحه ولن يشبع نهمه السياسي، فلم يجد بداً من التحول قليلاً نحو البراجماتية السياسية، فقام هو وعبد الله غول، الرئيس التركي الحالي، بتأسيس حزب العدالة والتنمية عام ٢٠٠١، كحزب يحافظ على علمانية الدولة ويراعي المرجعية الإسلامية لمواطنيها، ومع حصول الحزب على الأغلبية في أول انتخابات برلمانية بعد تأسيسه عام ٢٠٠٢، تولى تشكيل الحكومة وترأسها حينها عبد الله غول حتى مارس ٢٠٠٣، ثم تولى أردوغان رئاسة الوزراء من مارس ٢٠٠٣، وذلك بعد إنقضاء أسباب منعه من تولي المناصب العامة.

ولعل تجربة أردوغان كعمدة لبلدية اسطنبول وما حققه فيها من إنجازات وما حظي به من شعبية من مواطنيها، كان لها بالغ الأثر في تحفيزه لتحقيق نجاحات أكبر على المستوى القومي، حيث سعت الحكومة بقيادتة نحو تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي وزيادة معدلات النمو الاقتصادي والتوسع في قطاعات البنية التحتية والسياحة والتبادل التجاري والذي تجاوز ٣٥٨ مليار دولار تقريباً بنسبة زيادة بلغت ٣٥٤% مقارنة بعام ٢٠٠٢، وذلك وفق ما ورد في كتاب "قصة رحلة" والذي أعدته منسقية الدبلوماسية لرئاسة الوزراء التركية هذا العام، وتضمن ذلك الجولات الخارجية والزيارت التي قام بها رئيس الحكومة التركي لدول العالم والتي بلغت ٣٠٥ زيارة لعدد ٩٣ دولة حول العالم، وجاء هذا الكتاب في إطار حملة رسمية للترويج لحكومة أردوغان وحزب العدالة والتنمية قبيل إجراء الانتخابات البلدية بأسابيع قليلة.

ومع تداعيات الأحداث السياسية التي شهدتها تركيا منذ منتصف عام ٢٠١٣ والتي اعتبرها بعض المحللين بمثابة زلزال قد يعصف بحكومة أردوغان وسيطرة حزب العدالة والتنمية على السلطة في البلاد، فمع تصاعد وتيرة المواجهات بين السلطات التركية والمتظاهرين وما تبع ذلك في ١٧ ديسمبر ٢٠١٣ من كشف لسلسلة من فضائح الفساد المالي والسياسي وصفت بأنها الأضخم في تاريخ الجمهورية التركية فقد ضمت عدداً من الوزراء وأبنائهم ومسؤولين في الحكومة وعدداً من رجال الأعمال المقربين من السلطة، كما طالت أردوغان ونجله، تضمنت نشر وثائق ومستندات تدينهم بالفساد والرشوة والتربح واستغلال النفوذ، فضلاً عن تسريبات تداولها ناشطون ونشرتها العديد من المواقع الاليكترونية في مارس الماضي وقبل الانتخابات البلدية بأربعة أيام، حيث يوجه فيها أردوغان تعليمات بترتيب فضيحة جنسية ضد زعيم حزب الشعب الجمهوري العلماني السابق دنيز بايكال، وهو ثاني أكبر الأحزاب في تركيا بعد حزب العدالة والتنمية.

وجاء رد فعل السلطة بإصدار عدة قرارات وإجراءات من شأنها تقويض ممارسة حرية التعبير في البلاد وزيادة هيمنة الحزب على الحياة السياسية، فقد أصدرت قراراً بحجب موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" داخل تركيا، وتلاه غلق موقع الفيديوهات الشهير "يوتيوب"، فخرج أردوغان مصرحاً بأنه سيمحو موقع تويتر وسيقضي عليه ولن يعبأ برد فعل المجتمع الدولى على ذلك ولكنه سرعان ما رضخ لقرار المحكمة العليا في تركيا بوقف تنفيذ القرار وإعادة تشغيل الموقع، ولكنه لم يتوقف عن الهجوم على موقع تويتر واتهم إدارته في ابريل ٢٠١٤ بالتهرب من دفع الضرائب، وتعهد بملاحقته في ذلك، واتسعت دائرة القرارات التصعيدية فأمتد هجومه إلى القضاء معتبراً أحكامه تدخلاً في الشان السياسي. وقام بتغيير بعض المدعين العوام بسبب لائحة الاتهامات التي قاموا بصياغتها ضد المسئولين الحكوميين وأبنائهم، مهدداً برفع دعاوي قضائية ضدهم، وكذلك اعفاء عشرات من قيادات الشرطة بهدف تعطليل عمليات التحقيق والتحري ذات الصلة بوقائع الفساد.

وتزامن مع هذه الإجراءات العقابية موجة من الاستقالات الجماعية داخل حزب العدالة والتنمية حيث تقدم مئات من أعضاء الحزب باستقالتهم احتجاجاً على إدارة أردوغان وفضائح الفساد التي تلاحق حكومته، كما تقدم عدد من الوزراء من بينهم وزير الداخلية والاقتصاد والتخطيط العمراني والبيئة باستقالاتهم لتورطهم وابنائهم في هذه القضايا، ليبدو وكأن الاستقرار السياسي الذي كثيراً ما يردده في مناسبات عدة كأنه أشبه بالرهان الخاسر.

بينما ذهبت أكثر التقديرات تفاؤلاً إلى أن تداعيات الأزمة السياسية في تركيا سوف تلقي بظلالها على نتائج الانتخابات المحلية والتي أجريت نهاية شهر مارس ٢٠١٣، وأن شعبية الحزب سوف تتأثر بالسلب، إلا أن مؤشرات نتائجها أظهرت مفاجأة من العيار الثقيل، حيث حصل فيها حزب العدالة والتنمية على الأغلبية بنسبة تصل إلى ٤٥% من مقاعد البلديات وذلك في ٥٠ بلدية ومدينة كبيرة من إجمالى ٨١ بلدية ومقارنة بعدد ٤٧ بلدية فاز فيها في انتخابات ٢٠٠٩، فهذه النتائج غير الرسمية تشير إلى أن أن شعبية الحزب لم تتأثر بالأزمات السياسية الراهنة وبمجموعة الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة القائمة، وهذا ما دفع الكثير من المحليين للتساؤل عن سبب ذلك، الأمر الذي أوجزه في:

– ارتباط التصويت في الانتخابات البلدية بثمار عملية التنمية على المستوي المحلي، فالمواطن في محيطه المحلي غير معني بالصراعات أو الأزمات على قمة هرم السلطة السياسية، بقدر اهتمامه بما يحصل عليه من خدمات وما يحققه من فائض في دخله وهذا ما ركزت عليه حكومة حزب العدالة والتنمية حيث تضاعف متوسط دخل الفرد في تركيا من ١٢٠٠ دولار سنوياً في بداية حكمه إلى ما يقدر بحوالي ١٤٠٠٠ دولار بعد عشر سنوات.

– التوجه الأيديولوجي للحزب من يؤيده، سواء التوجه المعلن كحزب ذو صبغة ديمقراطية محافظة، أو التوجه غير المعلن وهو الأقرب لميول مؤيديه كونه حزب حديث ومعاصر بمرجعية اسلامية، وارتباط ذلك بعمليات الشحن المعنوي والحشد الجماهيري في هذه الانتخابات التي أعٌتبرت بمثابة استفتاء على شعبية الحزب وأردوغان نفسه قبيل الانتخابات الرئاسية المزمع اجراؤها في اغسطس ٢٠١٤.

– رغم تعدد وتنوع الأحزاب في تركيا إلا أن غياب البديل القوي لحزب العدالة والتنمية على الساحة السياسية قد حال دون استخدام المواطنين الأتراك للتصويت العقابي ضد الحزب، فالتنمية الاقتصادية التي تحققت على يد هذا الحزب دون غيره من أحزاب المعارضة والتي اتسمت بالضعف في هياكلها وبرامجها، لا تزال تشفع لأردوغان وحزبه.

ومع إطمئنان العدالة والتنمية لنتائج الانتخابات البلدية، إلا أن الحزب قد يسعى لإتخاذ إجراءات قصيرة أو متوسطة المدى أو تبني سياسات جديدة تساعده على الخروج من أزماته، فقد يلجأ إلى تغيير الحكومة وإجراء تعديلات وزارية محدودة أو شاملة، وقد يسعى إلى إحداث تغيرات جوهرية على خريطة السلطة السياسية والتنفيدية على مستوي الدولة، حيث تتجه التحليلات الصحفية إلى أن إحتمال خوض رجب طيب أردوغان غمار الانتخابات الرئاسية القادمة، بينما يشغل عبد الله غول بعد انتخابات ٢٠٠٧ رئاسة الحزب أو رئاسة الوزراء، في إطار لعبة تبادل كراسي بين منصبي الرئيس ورئيس الوزراء، وهو أشبه بالسيناريو الروسي، بوتين-ميدفيدف. وقد يتسق مع هذه التحليلات تصريح منسوب لأردوغان نفسه مفاده أن "الرئيس القادم لن يكون بنفس صلاحيات الرئيس الحالي"، فالنظام السياسي التركي يتبنى النموذج البرلماني في الحكم فهو يقلص من سلطات الرئيس لصالح رئيس الوزراء، فمنصب الرئيس بروتوكيلاً أو شرفياً، في مقابل منصب رئيس الوزراء الذي يمتلك السلطة الفعلية في البلاد.

جدير بالذكر أنه قد سبق وتم إدخال تعديلات على الدستورالتركي عام ٢٠٠٧ لإقرار انتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً عاماً ومباشراً خلافاً لطريقة اختياره فيما سبق حيث كان يجري انتخابه من خلال نواب البرلمان، ولذلك فإن أردوغان يعتزم خلال الفترة القادمة تمرير تعديل دستوري يتضمن صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية بما يتواكب مع الوضع السياسي الجديد، الأمر الذي سيضفى أهمية غير مسبوقة على انتخابات الرئاسة القادمة، وإحداث حراك سياسي أكثر سخونة وممارسة ديمقراطية اكثر انفتاحاً، ولا شك أننا ننتظر الكثير من المفاجآت!

وفيما يتعلق بمنصب رئيس الوزراء، فرغم عدم وجود أية موانع أو عقبات سياسية لشغل منصب رئيس حزب العدالة والتنمية خلفاً لأردوغان، إلا أنه في حالة نية الحزب ترشيحه لشغل رئاسة الوزراء فالقواعد تشترط أن يكون رئيس الوزراء عضواً في البرلمان، ومن أجل ذلك قد يسعى الحزب عقب انتهاء ولاية غول إلى تفريغ أحد الدوائر الانتخابية بدفع أحد نواب الحزب لتقديم استقالته نظراً لعدم وجود مقاعد شاغرة حالياً، والدعوة لانتخابات فرعية يخوضها غول ومن ثم يصبح عضواً في البرلمان ويحق للحزب وقتئذ ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء.

هكذا يتعامل الحزب بورقتي البراجماتية السياسة وأيدلوجية الدين، فيستحوذ على السلطة بواحدة ويكسب أصوات الناخبين بالأخرى، فتكون الصورة أمام المواطن وكأن هناك تغيراً حدث في المشهد السياسي، ولكنها في الحقيقة لعبة كراسي، ولكن تظل الورقة التي طالما كان أردوغان وحزبه يعملون من أجلها وهي السيطرة على الجيش وجنرالاته أو على الأقل تحييد دورهم في الحياة السياسية، فطالما كانت المؤسسة العسكرية التركية بمثابة الشوكة في تاريخهم مشوارهم السياسي وكثيراً ما وضعت أمامهم العراقيل والقيود لتبنيهم أفكاراً تتعارض والمبادئ العلمانية للدولة التركية كما أسس لها أتاتورك، وكانت صور ذلك إما بالانقلاب تارة أو التهديد بالاقصاء أو السجن أو حل أحزابهم أو التضييق على أنشطتهم العامة تارة أخرى، وهذا ما فطن اليه أردوغان فأمسك العصا من المنتصف وحافظ على شعرة معاوية في علاقته مع القوات المسلحة فلم يصطدم بهم، ولم يتخلي عن أفكاره المحافظة، وهذا مقصد أردوغان عندما شدى بأبيات شعرية قائلاً "وهذا الجيش المقدس يحرس ديننا"، فلم تكن العبارة مجرد حرث في الهواء وإنما نتيجة عقيدة ومنهج فكري يحكم مشواره السياسي.

فالأداء الاقتصادي لحكومته خلال السنوات العشر الماضية، ومبادرات الانفتاح السياسي التي قام بها مع أكراد تركيا واعتذاره عن المذابح التي ارتكبت بحقهم خلال الفترة ١٩٣٦-١٩٣٩، في محاولة لرأب الصدع في العلاقة وكسب ورقة يستخدمها البعض للضغط على النظام، قد تقلل من حدة الأزمة التي يواجهها النظام وفضائح الفساد التي تطاله، غير أن التضييق الذي تمارسه السلطة في ملف الحقوق والحريات السياسية، والموقف التركي تجاه ما يحدث في سوريا والدعم المتواصل لجماعة الإخوان وفلول نظامها في القاهرة إبان حكمها وبعد سقوطها في مصر بعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وكذلك التصريحات غير اللائقة ضد بعد الرموز المصرية، الأمر الذي أثار استياء كثير من المصريين تجاه أردوغان، فبعد أن كانوا يظهرون اعجابهم بتجربتة قبل وصول الإخوان للحكم في مصر، أصبح الكثير منهم يطالب بقطع العلاقات مع تركيا. ولذلك فلن تجدي محاولات أردوغات كثيراً لاظهار ما يحدث وكأنها مؤامرة عظمي من كيانات خارجية أو عوالم افتراضية للنيل من استقرار تركيا وقوتها وهي الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي والدولة التي أبرمت اتفاقيات للتعاون العسكري والاستراتيجي مع الكيان الصهيوني.

وعلى ضوء نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة والاتهامات غير الجوهرية التي شابتها بوجود تلاعب في عملية التصويت، وهو ما لم ينعكس بشكل واضح على شعبية الحزب، إلا أنه يمكن القول بأن أردوغان قد يفقد نسبة من شعبيته كمرشح في حالة خوضه انتخابات الرئاسة القادمة لكونها ستجرى في بيئة أزمة، ولاسيما إذا استمر على نفس النهج في التعامل مع قوى المعارضة والاحتجاجات والتظاهرات السلمية التي تشهدها البلاد، ولذلك فالبراجماتية السياسية التي يستخدمها حزبه ضماناً لبقائه في الحكم قد تضع أردوغان أمام اختيار صعب وهو إما الخروج من اللعبة بدون خسائر أو الاستمرار فيها بشروط معينة، للخروج من الأزمة الراهنة وتجنب أية أزمات في المستقبل القريب.

السيد عبد الوهابEgypt

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق