المصريون والقتل الناعم

بقلم/
مصر : ۳۱-۱۲-۲۰۱۱ - ٤:۰٤ م - نشر

المصريون والقتل الناعميحكى أن أحد المصريين إشترى جهاز كمبيوتر مستعمل من إحدى شركات الصيانة وعندما ذهب لإستلامه فوجئ بمالك الشركة، يخبره أن الجهاز ملكه بالفعل لكنه بحاجة لبعض الوقت ليتأكد من سلامته وقدرته على الآداء بكفاءة، لذا فهو سيبقيه لديه بعض الوقت، وأن المواطن يستطيع أن يأتى لإستخدامه وقتما شاء وحدد له 6 أشهر كموعد نهائي لإستلام الكمبيوتر.

ورغم أن المواطن كان متلهفاً، لإصطحاب الجهاز معه للمنزل ليعيد تعبئته بما ينفعه فى عمله ومنزله، ويمسح البيانات القديمة من عليه، ويتمكن من إستخدامه بحرية، أي أن يشعر بإمتلاكه فعلاً، إلا أنه كان سعيداً لتولي الشركة مسئولية إصلاحه، لأنها شركة لها سمعة حسنة وصيت عالمي، فقد كانت شركة رجال، ومصنعها كان مصنع رجال، الأمر الذي لم يدفعه لكتابة ورقة ضمان أو شئ من هذا القبيل، وإعتاد المواطن الذهاب للشركة لإستعمال الكمبيوتر، إلا أنه كان يصطدم في كل مرة بمالك الشركة يطلب منه بلطف أن يحاوره فيما يريد فعله بالكمبيوتر ليتولى هو القيام به بدلاً منه حرصاً على مصلحة -البلاد- عفوا على مصلحة الجهاز.

بعد الفرحة صدام

وفي إحدى المرات فاض بصاحب الكمبيوتر الأمر وعلا صوته وهدد مالك الشركة برفع أمره للقضاء وفضحه على وسائل الإعلام المختلفة، لأنه يراوغه ولم يسلم الجهاز في موعده، كما أنه لم يجري له أية إصلاحات تذكر، فما كان من المالك إلا أن إعتدى عليه بالضرب.

فذهب المواطن وقد إستبد به الغضب… أيدفع المال ولا يتسلم الجهاز، بعدما وثق في أصحاب الشركة وسلمهم المال، وترك لديهم الجهاز طوال هذه الفترة دون عقد مكتوب، ويكون جزاء ثقته تعرضه للضرب… وأخد يصرخ في الشوارع ألماً و قهراً، فتجمهر أقاربه وذهبوا للشركة يطالبوها بتسليم الجهاز وتعويض الإهانة والاعتداء ومحاسبة المسئول، فقابلهم مالك آخر للشركة وتحدث إليهم بكل لطف ووعدهم بتسليم الجهاز، لأنه لايرغب فيه فهو يمثل عبئ على الشركة لأن لديها كثير من الأجهزة سواه تتحمل مسئوليتها و أنهم سيحاسبون المعتدي.

وذهب المنادون باستعادة الجهاز، ولكنهم لم يستلموه، فعادوا وقد قرروا هذه المرة أن لا يصدقوا وعود الشركة مهما حدث، ولجأوا للاعتصام أمام الشركة لحين تسليم الجهاز، وظل الحال على ما هو عليه، ويوماً بعد يوم تناقصت أعداد المعتصميين حتى بات عددهم قليل، فانتهز أفراد الأمن التابعين للشركة هذه الفرصة للقضاء عليهم بطلقات الرصاص الحي و بالفعل أردوا بعضهم قتلى وخلفوا إصابات عديدة.

القتل الصريح

وحين ذاع الخبر تجمهر الناس بمئات الآلاف وصوتهم يشق السماء: يسقط مالك الشركة.. الشعب يريد إعدام المدير.. مطالبين بإستعادةجهاز الكمبيوتر بعدما أصبح أغلى جهاز في العالم، ولم يعد ثمنه مالاً بل دماً.

هنا أدرك المدير أن سياسة القتل الصريح هذه لا تصرف أصحاب الجهاز عن المطالبة بجهازهم، بل تجعلهم أشد ضراوة و أكثر عدداً، كما أنها تجعله وحيداً في المواجهة رغم أن له شركاء في الشركة (معلنون و أخرون لا يعلمهم أحد) فقرر اللجوء لسياسة القتل الناعم، دون إراقة دما،ء بأن يقتل المعتصمين وهم أحياء، بقتل سمعتهم الحسنة، ومشهدهم البطولي هذا الذي تهتز له الافئدة، فينصرف المسانديين لهم، وساعتها تحين اللحظة المناسبة للتخلص منهم دون أن يبكيهم أحد بل ربما بصق الناس على جثثهم.

المدير لم يكن شريراً لكن المعتصميين أرغموه على هذا، فهم يأبون الإنصراف دون جهازهم الذى دفعوا ثمنه مالاً و ودماً، وهو لايستطيع تسليم الجهاز لأن به بيانات قديمة هامة تمس شركته ومواردها المالية، والأهم أنه لا يجب ان يستسلم حتى لا تسقط هيبة الشركة ويصبح هو وملاكها مواطنين عاديين كسائر الشعب، بلا حاجز نفسي يفرق بينهم، فهو يرى أن شركته يجب أن تحتفظ بوضعها المخيف، لإعتقاده أن هذا هو السبيل لضمان إحترام الناس لها، ويبدو أن مالك الشركة إختلط عليه الفارق بين الخوف والإحترام.

الإعلام القاتل

وعند هذا إنتشرت الأبواق الإعلامية المدفوعة من الشركة تؤلب الرأي العام ضد الثائرين أصحاب الجهاز، وتتهمهم بأنهم يريدون تخريب الشركة ويحاولون إحراقها، وأن شركة عالمية منافسة تدفع لهم بالدولار في مقابل هذا التخريب، وأنهم أشخاص منحلين متحللين من دينهم، بدليل الشعارات التى يرفعونها و التي لم يذكروا فيها إسم الله ولا رسوله (عليه الصلاة والسلام) وأنهم يطلقون على أنفسهم أحراراً، مع أنهم عباد لله.

وحين وصل الخبر لبعض الأئمة ممن يملكون قنوات إعلامية، تصدوا بكل قوة لهؤلاء ممن يسمون أنفسهم أحراراً، متحللين في وجهة نظر الأئمة من عبوديتهم لله بإستخدامهم هذا اللفظ، وباتوا يتساءلون: ما معنى أنهم يسمون أنفسهم أحراراً؟ ولم ينتظروا الإجابة ولا إستمعوا لها حتى بعد أن حاول المعتصمون إفهامهم معنى كلمة أحرار… بل قرروا أن الحرية معناها أن يفعل كل فرد ما يحلو له من معاصي وذنوب بل وكبائر دون إلتزام بشرع الله وقرر الأئمة وأتباعهم أن لا يكتفوا في تصديهم للمعتصميين الأحرار بقنواتهم الإعلامية فقط، بل أن يواجهوهم في الشوارع بتجمهرات مماثلة، ونزلوا بإعداد غفيرة وصوتهم يشق السماء أيضاً: الشعب يريد العبودية لله.

وجف حلق المعتصميين الأحرار وهم يحاولون إفهامهم أنهم لم يقربوا شرع الله، ولم يقصدوا أبداً بكلمة أحرار أنهم ليسوا عباداً لله، بل يقصدون أنهم ليسوا عباداً لسواه، ممن يستبيح حقوقهم، وأنهم ليسوا في معركة مع الدين، بل معركتهم من أجل إستعادة جهاز الكمبيوتر الذي دفعوا ثمنه مالاً ودماً، والشركة تأبى تسليمه لهم، وأنهم بهذا يصرفونهم لقضية لا وجود لها، وإستحلفوهم بالله بما لهم من قوة وتأثير أن ينضموا لهم للمطالبة بالجهاز، الا أن الأئمة وتابعيهم بمجرد أن سمعو المعتصمين يذكرون إسم الشركة ثاروا وهاجوا وماجوا، وأعلنوا أن الشركة كان لديها حق قائلين: أنتم لا تبحثون عن الجهاز ولا مصلحة صاحب الجهاز ولا غيره، أنتم تريدون تدمير الشركة، وقال كبيرهم: فعلاً أنا لا أستبعد أن هناك مخطط خارجي لشركة منافسة بتدمير هيبة وسمعة الشركة المصرية.

وبكى المعتصمون ألماً حين وجدوا أنفسهم يحيدون مضطرين عن قضيتهم الأصلية، ويتصدوا لقضية الدفاع عن أنفسهم رافضيين إتهامهم في دينهم، وعادوا يذكروا الأئمة وتابعيهم أنهم يرددون نفس كلام الشركة التى روجت لإشاعة المخطط الأجنبي، وسألوهم: من أراق الدماء، أليست الشركة؟! من إذن الذي يخرق شرع الله و يستبيح الدماء؟!

ولم يجد أصحاب الجهاز صدى لصرخاتهم أبداً، وفي مكان بعيد عن هذا المشهد إنبرى أعضاء الشركة المالكيين الفعليين للجهاز المسلوب، فى مكاتبهم يضحكون بصوت عالى من طرافة المشهد الذي حقق لهم أكثر مما يتمنون، وهم يتناولون أكواب الشاى الساخنة في برد شديد يتذوقه المتجمهرين المناديين بإستعادة الجهاز والمتجمهريين التابعيين للأئمة المنادين بعدم الإنصياع وراء الأحرار المتحللين من عبوديتهم لله.

وهنا إطمأن مالكي الشركة أنهم قضوا على سمعة المعتصمين، أصحاب الجهاز، ومشهدهم البطولي وأنه لن يبكيهم أحد، فأعطوا إشارة إنهاء حياتهم، وبالفعل راحت الكثير من الأرواح، وراحت أبصار الكثير، فى تصويب متعمد على حبيبتيي المعتصميين أي أعينهم.

وفى نفس الوقت، أعلنت الشركة نيتها لتسليم الجهاز، إحترازاً لإمتصاص غضب الأئمة، موضحيين أنهم لا يعرفون لمن يسلمون الجهاز، وقد راح فى مقابله الكثير من القتلى والمصابيين، وبهذا تزايدت أعداد مالكيه وإختلفت طوائفهم، وأنهم سيجرون قرعة، يسلمون بمقتضاها الجهاز لمن ترسو عليه، وكانت قرعة بنظام غريب، قرعة بأسماء أشخاص وأخرى بقوائم تضم العديد من الأشخاص، وفرح الأئمة لأن القرعة حتماً سترسوا عليهم لأنهم أكثر عدداً وبإمتلاكهم للجهاز ستنقضي الأزمة ويتمكنون من التفرغ لإقامة شرع الله في الأرض ضد الأحرار المتحللين من دينهم.

الإعلام العادل

إلا أن الشركة فوجئت ببعض القنوات الإعلامية المقروءة والمرئية تفضح مخططها ولا تنساق في تأييدها كسائر القنوات. فحاولت الشركة تهديدهم بوقف الإعلانات التي تمولها، حتى لا تستطيع الوفاء بإلتزاماتها المالية وتغلق أبوابها، ولكن لم تستجب كل الشركات المعلنة.

هنا أدركت الشركة مالكة الكمبيوتر الحالية أن هذه الوسائل مستمدة ثقلها من أعداد الناس المتجمهرة، المطالبة بتسليم الجهاز، حيث يضمن هذا المشهدة، بالتبعية، أعداداً كبيرة من المشاهدين المؤيدين للمعتصميين، والعدد كبير يغري شركات الدعاية بالدفع.

الفئة الثالثة

فقررت الشركة أن تبحث عن فكرة أخرى لتقليص عدد المتجمهرين، بعدما قسمتهم لفئتين: ملتزمين دينياً وأحراراً متحللين دينيا، فالشركة بحاجة الآن لفئة ثالثة تطالب بإستمرار إمتلاك الشركة للكمبيوتر، على إعتبار أنها الأأمن عليه من هؤلاء المتشرذمين المشاغبين المخربيين عملاء الشركات الأجنبية، وهذه الفئة الجديدة كفيلة بخطف أبصار وسائل الإعلام ولفتها عن المطالبن بتسليم الجهاز.

ونادت الشركة نداء مسستتراً بأهمية أن يظهر المؤيدون لها في الشوارع ليعلنوا بكل شجاعة عن رغبتهم في إستمرار إمتلاك الشركة لجهاز الكمبيوتر. وجن جنون المناديين بتسليم الجهاز، لأنهم هم من دفعوا الثمن مالاً ودما وهم وحدهم لهم الحق في تقرير مصير الجهاز.

حرب ثلاثية لتسهيل القتل

وهنا إستغلت الشركة هذا التعبير أفضل إستغلال، لتعلن للرأي العام أن فئة المطالبين بالجهاز هي فئة مستبدة تمارس الديكتاتورية على الناس وتستعلي عليهم وتريد أن تنفرد بالقرار.

وإستمرت أدوات الإعلام المدفوعة، بقوة الشركة، تستضيف من يهاجمون المناديين بتسليم الجهاز، بإعتبارهم طغاة مستبدون يريدون فرض قضيتهم ورأيهم على الناس رغم أن الجهاز تم تسليمه وفق القرعة للأئمة.

ورغم أن أصحاب الجهاز، الثائرون، إرتضوا بالقرعة وتسليم جهازهم لأية فئة أملاً في الحصول عليه مستقبلاً، ورغم أن الأئمة لم يبدأو حتى الآن في إستعمال الجهاز، ورغم أن الشركة أكدت في اكثر من مرة أنها لن تتخلى عن سلطاتها في إدارة شئون الجهاز، وأن الأئمة ليس من حقهم إجراء أى تغيرات في بياناته القديمة، إلا أن أحدا لم يلتفت لحقيقة المشهد.

فالمشهد الآن ثلاثي الأبعاد، فئة كانت كبيرة جداً، طالبت بإستلام جهازها الذي دفعت ثمنه مالاً ودماً، نجحت الشركة فى أن تجعلها فئة قليلة جداً مطعونة الروح والبدن والشرف والسمعة، وفئة كبيرة جداً، لم يكن لها دخل فى القضية من الأساس ولا صوت لها، وبالرغم من ذلك فقد وقع عليها الإختيار في تسلم جهاز الكمبيوتر لأنها الأحرص عليه بما لها من عهد مع الله بحكم إلتزامها الديني، كما أن صوتها الآن أصبح عالياً محارباً الأحرار الذين يريدون تغييب دين الله وتحتمي بالشركة ذات السمعة و القوة في حربها ضد الأحرار، وفئة ثالثة ليست كبيرة -حتى الآن- تنادي بإستمرار سيطرة وتحكم الشركة في جهاز الكمبيوتر، وهذه الفئة كفيلة بمقاومة وسائل الإعلام التى تؤازرالمعتصمين والتى ظلت زمناً تقول أن من حق من يعبر عن رأيه في الشوارع، متحملاً في سبيل ذلك الأذى البدني و المعنوي، أن يصنع القرار، فقد أصبحت هذه الوسائل الآن مضطرة للإعتراف بمن ينزلون الشارع بخلاف الأحرار، وبأحقيتهم في صنع القرار، حتى ولم يدفعوا مالاً ولا دماً.

الجهاز الآن لدى الشركة، محتمية بقوتها ومسانديها الملتزميين دينياً، الذين قتلوا أصحاب الجهاز ممن دفعوا ثمنه دماً ومالاً، قتلاً ناعماً، ومتدثرة بغطاء إعلامي وبالمساندين لإستيلائها الجائر على الجهاز واستمرار إدارة شئونه، أي أن مهمة القتل الصريح، أصبحت سهلة وميسرة، والوضع الآن بانتظار إشارة، لتشرب الأرض المزيد من دماء الأحرار.. دون أن نجد لهم بكاءون.

رقية الشرباصي قطر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق