التخمة الأمنية والفجوة الأمنية

بقلم/
مصر : ۱۷-۳-۲۰۱۱ - ٤:۰۹ م - نشر

التخمة الأمنية والفجوة الأمنيةفي الوقت الذي كانت تتغنى فيه الآلة الإعلامية لنظام الرئيس مبارك بأعمال البنية الأساسية للمرافق والخدمات، دارت فى الوفت نفسه عملية تجريف وإفساد منظم فى البنية السياسية للمجتمع المدني في مصر بكافة قطاعته الحيوية، سواء فى المجالس النيابية أو الأحزاب السياسية أو الجامعات أو القضاء وغيرهم. تزامن ذلك مع تعاظم دور أجهزة الأمن وخصوصاً أمن الدولة وأسندت إليه كافة الملفات الداخلية الرئيسية وغير الرئيسية وتقلصت وتقزمت بجانبه كافة الأجهزة الأخرى.

وهو ما نتج عنه أن النظام أصبح يضرب (لخمة) مع كل أزمة تواجهه ولايعرف كيفية التعامل معها بالشكل الصحيح، فيلجأ للحل الأمني المفضل لديه دائما بسبب إنعدام أو قلة تكلفته السياسية، فإنسحبت الحلول السياسية لصالح الحلول الأمنية حتى فى المشاكل العاطفية بين شاب مسلم وفتاة مسيحية أو العكس.

نتج عن زيادة إعتماد النظام على الأمن فى حمايته أن إنعزل عما يدور حقيقة داخل شرايين المجتمع المصرى واصبحت كل صلته به هى التقارير الأمنية لا السياسية، والتقرير الأمني يتم ختمه دائما بالعبارة الشهيرة (كله تمام يافندم) أو (الوضع تحت السيطرة) لإثبات كفاءته وتفانيه فى حماية النظام، فلن يكتب فى التقرير الأمنى أبداً أن أحد الأشخاص او عدة اشخاص قد انتحروا نتيجة لشعورهم بالقهر والظلم، بل انتحروا لأنهم مرضى نفسيين وسيصف أى منغصات أمنية أنها من قلة مندسة حاقدة لاتريد الخير لمصر.

إلا أن الأمن نفسه ومع مرور 30 سنة يعمل من خلالها بمقتضى قانون الطوارئ، هى فترة حكم الرئيس مبارك، ربما قد ساعد على إنجاح ثورة 25 يناير، فزيادة الإعتماد على الأمن أوجب الصرف على وزارة الداخلية بلا حدود أو بميزانية مفتوحة تخطت ميزانيتى وزارتى الصحة والتعليم معاً من أجل محاصرة الوطن داخليا ومراقبته وعد وملاحقة أنفاسه إلى درجة الخنق.

أصبح هناك كمين أو أكثر فى كل طريق ومخبر وراء كل مواطن وزاد وسواس الهاجس الأمنى إلى الحد الذى أصبح فيه كل شئ يتم فى مصر يجب أن يمر من خلال بوابة الأمن وبالأخص فى التعيينات بالمناصب الهامة أوحتى الهامشية من الوزير إلى الخفير، لضمان شروط الولاء والإنصياع لرغبات الأمن لكل من يتولى منصباً، خصوصاً بالسنوات الأخيرة أو سنوات الحسم للتوريث.

أدى ذلك إلى زيادة أو تضخم الأجهزة الأمنية وتوحشها وزيادة عدد أفرادها وقوة سلاحها وعتادها لمواجهة المهام الملقاه عليها، وحرصاً على عدم الوقوع فى أى خطأ قد يؤدى إلى نتائج تعكر من صفو الرئيس فى نزهاته بشرم الشيخ أو تقلق الوريث فى أن يجلس مستريحاً على كرسى العرش الملكى!

أدى التوحش والتضخم الأمنى فى العتاد والأفراد إلى مايشبه التخمة الأمنية، أصبح الأمن مثل الجندى الذى تم تسليحه بكافة الأسلحة والدروع لحماية نظام الحكم ولما جاءه الإختبار الحقيقى لحمايته لم تكن لديه القدرة الكافية على التحرك بسرعة وحرفية لثقل المحمل به، فجاءت خطواته بطيئة وثقيلة، لحسن حظ مصر والثورة، قاد شعور الأمن بالعجز عن ملاحقة الأحداث السريعة للثورة إلى استخدام قوته الغاشمة بصورة مفرطة فأشتعلت نيران الثورة وزادت وهجها.

أيضا ساعد طول فترة الحكم بقانون الطوارئ في خلق قوة طاغية ومستبدة لجهاز مباحث أمن الدولة أوصلته لما يشبه الغرور فهو قادر على أن يلقى بشخص أو عشرة أو حتى آلاف الأشخاص فى غياهب السجون دون محاسبة أو خشية من عقاب أو حساب، ولم يتم إعارة أى بال لمهام جهاز الأمن من البحث والتحرى والتحقيقات وجمع الأدلة قبل إلقاء التهم والقبض على المواطنين، كما يحدث فى أى جهاز شرطة يتم فيه إحترام حقوق المواطن بقوة القانون والدستور، مشقة البحث والتحرى وجمع الأدلة غابت عن جهاز الشرطة فى مصر وأمن الدولة منه بالأخص بسبب القوة التى يستمدها من قانون الطوارئ والذى ستواجه الشرطة بسببه مآزق حقيقى عند إلغاءه.

هل آتاك ماحدث فى اليوم التالى لتفجير كنيسة القديسين بالأسكندرية وتنظيف الشارع الذى أمامها ومكان التفجير بكميات هائلة من المياه، مما أدى إلى طمس ومحو العديد من الأدلة الجنائية نتيجة ذلك، بكل تأكيد لم يكن مقصود من هذا الفعل طمس الأدلة لكنه غياب الفكر الجنائى والبحث لدى جهاز الشرطة والأرتكان لسياسة لإعتقال والتعذيب لكل المشتبه فيهم حتى يعترف أحدهم بالجريمة حقا أو ظلما لينجو بنفسه من التعذيب. ومازال ما حدث مع المرحوم سيد بلال ماثل فى الأذهان ونتمنى أن لا يذهب دمه هو وغيره هدراً.

أدت سياسة الحل الأمنى المدعومة بقانون الطوارئ والثقة المفرطة بأن الشعب المصرى لايمكن أو يقدر على القيام بثورة، أن تضع الأجهزة الأمنية نصب عينيها وتعمل على الفئات والتنظيمات التى تستشعر الخطورة منها كالإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية مع المساعدة على إنشاء أحزاب هلامية أو بالأصح فروع للحزب الوطنى مهمتها الوحيدة تعويق أى عمل جاد، وقيامها بتخريب الأحزاب السياسية القديمة وإفساد الجامعات ومراقبة الأنشطة السياسيىة لتيارات المجتمع المدنى كالوقفات الأحتجاجية، وضع الجهاز الأمني فى حسبانه أنه يستطيع إعتقال المئات أو الآلاف فى ساعة واحدة من الزمن إذا أستدعى الأمر ولكنه لم يحسب أبدا او يخطر فى باله أنه لايستطيع إعتقال الشعب المصرى كله.

أدت هذه العملية لتجريف وتخريب الحياة السياسية، وهى من اسوأ جرائم النظام السابق، إلى بعض مانراه الآن على الساحة فى مصر، فلم يكن هناك بحر للسياسة فى مصر كى يجف كما قال الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل، فالبحر مياه متحركة ومتجددة فإن جف بفعل التبخير الذى حدث لأى وجه او شخصية أو نشاط قد يكون له تاثير على مشروع التوريث سنجد أنفسنا أمام ارضية جافة سليمة ستجرى فيها المياه مرة أخرى وتتجدد دون عوائق كثيرة عند عودة الأمور إلى طبيعتها.

فى واقع الأمر كان لدينا مستنقع سياسى مياهه راكدة وآسنة، تجمعت فيه وحوله كافة الطفيليات والخفافيش التى امتصت ثروات الشعب المصرى وسكنت فيه خفافيش أخرى خرجت علينا لتتصدر المشهد السياسى بعد إنتهاء فترة الكمون والتقية. ثم خرج السيد عبود الزمر بعد ثلاثين عاماً من سجنه بفضل ثورة 25 يناير وله الحق فى المطالبة بالتعويض المناسب عن كل يوم قضاه فى السجن زيادة عن العقوبة المقررة له، لكنه خرج ليعطينا المواعظ والإرشادات والنصائح لمستقبل مصر والثورة وهكذا عرفنا أن له مواهب أخرى فى غير التخطيط للقتل والتكفير، ثم أعلن عن عزمه ونيته لزيارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

والسيد عبود الزمر قد سجن لإتهامه بالتخطيط لقتل الرئيس السابق للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، الرئيس أنور السادات، يوم 6 أكتوبر عام 1981، ثم أعلن أنه سيعرج بعد ذلك لزيارة السيد رئيس الوزراء لتهنئته والشد من أزره، ونهنئ المهندس عصام شرف مقدما بهذه الزيارة الميمونة!

ولم ينس السيد عبود الزمر أن يعلن أنه غير نادم على قتل الرئيس السادات ولم ينس أن يبشرنا أنه يخطط لعودة تنظيم الجهاد مرة أخرى!

من حق السيد عبود الزمر أن يمارس حقوقه السياسية وأن ينعم بما ينعم به أى مواطن مصرى خرج من سجنه بعد قضاء فترة العقوبة، ولكن أن تتاهفت القنوات التليفزيونية والصحف لإجراء المقابلات والأحاديث معه فهذا هو الخبل بعينه ولن أستغرب أو أفاجأ إذا طالب بتقديم الإعتذار له لأنه تم سجنه بدلا من تكريمه على قتل الرئيس السادات!

من المشهد الذى نراه الأن يساورنى الشك أننا سنرى قريبا جماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تسير فى شوارع مصر، هذا إن لم تكن قد بدأت عملها فعلاً فى بعض مناطق العشوائيات والمناطق النائية بصعيد مصر.

محمد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق