دستور مصر كرة بين أيدي الحكام

دستور مصر كرة بين أيدي الحكام

كنت قد عزمت على الكتابة عن أحد موضوعين عن العام الجديد. إما الأمنيات أو حصيلة العام السابق للاتعاظ. ولكن شغلني كثيرا موضوع دستور مصر  وتعديلاته.

كان في مصر دساتير أو محاولات لكتابة دساتير محترمة منذ قرنين تقريبا مرتبطة بحالة الشعب، والعلاقة بين الشعب وأهل السلطة  والحكم على اختلاف أنماطها وأسمائها. ومن ذلك دستور ١٨٧٩، ودستور ١٨٨٢، ودستور ١٩٢٣، وهو من انجازات ثورة ١٩١٩، ودستور ١٩٣٠، بعد أن ضاق الملك فؤاد ذرعا بدستور ١٩٢٣، وقد جاء تضييقا للحريات وسلطات البرلمان وتوسيعا لسلطات الملك، ثم عودة العمل بدستور ١٩٢٣ في ديسمبر ١٩٣٥ بعد عدم الاعتراف بدستور ١٩٣٠ ومقاطعة الانتخابات التي تجرى في ظله، وبعد إتفاق حزب الوفد وحزب الأحرار الدستوريين.

وهناك دستور ١٩٥٦، أول دستور بعد ثورة يوليو ١٩٥٢، ودستور ١٩٥٨، وهو دستور الوحدة بين مصر وسوريا، ثم دستور ١٩٦٤، بعد إلغاء الوحدة بين مصر وسوريا، ودستور ١٩٧١، وقد جرى عليه تعديلات أيام السادات ثم أيام مبارك. ثم تعديل دستوري في ٢٠٠٧،  لتمكين مبارك من توريث الحكم، ثم الإعلان الدستوري في ٢٠١١، الذي أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد سقوط مبارك أو تنحيه عن الحكم، حيث زعم بعضهم أن نعم في الاستفتاء عليه تدخل الجنة. ثم دستور ٢٠١٢، الذي أقر بعد الاستفتاء عليه بنسبة ٦٤% في دسيمبر ٢٠١٢ والاخوان في الحكم، ثم دستور  ٢٠١٤، ما بعد ثورة أو إنقلاب ٣٠ يونيو، وقد أيده من صوت عليه من الشعب بنسبة أكبر من  ٩٨%. وهو موضع حديث التعديل اليوم.

تعقيبا على خطاب الرئيس السيسي يوم الأحد ١٣-٩-٢٠١٥ الذي أشار فيه إلى أن كثيرا من مواد دستور ٢٠١٤ كتبت بحسن نية وأن البلاد لا تحكم بحسن النوايا، وقد كتبت مقالا بعنوان: “النوايا الحسنة في خطاب الرئيس السيسي وفي الدستور” وتم نشر المقال يوم الأربعاء ١٦-٩-٢٠١٥ في جريدة الوطن في مصر.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
صرخة يوم الطفل الفلسطيني.. افرجوا عن الأطفال المعتقلين

قلت في ذلك المقال: “شاركت في إعداد دستور ١٣–٢–٢٠١٤، وأدرك تماماً أن الجميع أو معظم أعضاء لجنة الخمسين كانوا حسني النية، ثقة فيمن كلفهم بهذه المهمة الجليلة، وثقة في ضرورة الخروج من الدائرة التي عاشت أو عاثت فيها الدساتير السابقة، الدساتير السابقة كرست للتوريث أو لفهم دينى عنيف أو متشدد، استطعنا بعون الله تعالى وفضله الخروج من تلك الدائرة الفاسدة”.

ألاحظ اليوم بعد إشارة الرئيس عن الدستور، بعض الذين هللوا للدساتير السابقة يهللون اليوم لإشارة الرئيس، لأنها جاءت من سلطة عليا، ولا أظن ذلك عن قناعة كلاً أو جزءاً. الشعب المصري العظيم قال كلمته عن الدستور، كما قال كلمته في انتخابات الرئيس التي وقعت في ضوء نفس الدستور، الذي فرح به الشعب أو معظم الشعب، لا أتكلم نيابة عن لجنة الخمسين، ولكنني أتحدث كعضو لجنة الخمسين، ونائب الرئيس المنتخب في اللجنة.

نحن لم نستكمل حتى اليوم تقنين مواد الدستور التي تحتاج إلى تفصيل وتبيين، تلك المواد تزيد على ثمانين مادة ولو أكملناها من قبل الحديث عن الدستور، كانت هناك مصداقية واحتراما لإرادة الشعب. أنا أثق في ضرورة التطوير والتحسين، وكان هذا هو الأولى بالحديث عن الدستور، كما أن باب الحقوق والحريات والواجبات العامة من أجمل وأكمل الأبواب في مجاله، ليس في العالم العربي فحسب، بل في العالم أجمع، الماء الجاري أحسن من الماء الراكد، ولكننا لم نجرب هذا الدستور لنعرف طبيعة حركته.

ثم قلت: “حضرت يوم الخميس وقت المغرب ندوة دعا إليها الدكتور العزيز سمير عليش، عن صيانة الدستور وتفعيله، دعا إليها الرجل منذ أسبوعين، وفكر فيها مع آخرين يهمهم مستقبل الوطن، منذ مدة أطول. وإنه لمن العجب العجاب أن هناك اليوم بعد خطاب السيسي من يطعن في الدستور، ومن يحاول، من قبل أن يحافظ على الدستور ويسعى لصيانته. مصر بلد العجايب”.  إنتهى المقال.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
السنن الكونية والزواج

وأقول اليوم لقد قام بعض من يطالب بتعديل الدستور وآخرهم الأستاذ ياسر رزق، ومن قبل ذلك طالب الشيخ مظهر شاهين وآخرون بتعديل الدستور، من خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي معتز عبد الفتاح، في برنامج “٩٠ دقيقة”، المُذاع على فضائية المحور وقال: “العقل والمنطق أن نمنع المريض من تناول السم، والدستور يحتوي على قنابل موقوتة، فالمادة ٤٦ و٤٧ من الدستور يترتب عليهما صداما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، والحملة التي تنادي بتعديل الدستور تسير وفق حق دستوري، فالدستور ينص على إمكانية التعديل، ولكني لا أتفهم أبدا تشكيل جبهة لمنع هذا الحق”.

وكان ردي  على هذه المداخلة: ”كيف تطالب بإلغاء شئ قبل تفعيله، وهذا لم يحدث في العالم كله، المواد القانونية لا علاقة لها بالسم، هذه مواد دستورية، ونحن لا نضع قنابل موقوتة، وأنا نائب رئيس اللجنة التي وضعت الدستور، ولكنك ياشيخ مظهر تتهمني بأني إرهابي، قنابل ايه وسم ايه، فيه منطق فاسد ومنطق صحيح ، وكعالم يجب أن تضع أمثلة صحيحة ومقبولة ولا تقول سم وقنابل”.

وأضفت  خلال الحوار مع الإعلامي معتز عبد الفتاح ببرنامج “٩٠ دقيقة” على فضائية المحور: “أنا بقول للسيد الرئيس ولمظهر شاهين وكل أحبابنا سواء اختلفنا أو لم نختلف: أيوه الدول بتبني الدساتير على النوايا الحسنة ولو بنيت على النوايا السيئة ستصبح مثل إسرائيل”.

وتابعت قائلا: “نحن لا نصادر على رأي يطالب بتعديل الدستور مثل ما يقول العالم الجليل مظهر شاهين، لكني كنت أتمنى من الشيخ مظهر أن يسأل السلطة التنفيذية والرئيس السيسي، لماذا لم نطبق باب الحريات حتى الآن بعد سنتين من الاستفتاء على الدستور؟ وليه طالب بتعديله قبل أن نطبق الأشياء الجميلة به؟”.

طبعا الدساتير يمكن أن تخضع لتعديل وتحسين، ولكنها لا ينبغي أبدا أن تكون كرة بين أيدي أو أرجل الحكام ومن يسير في فلكهم من المنافقين، وقد رأينا بعضهم ممن صفقوا لمبارك والتعديلات الدستورية من أجل التوريث، يصفقون اليوم للسيسي الذي جاء للحكم وفق هذا الدستور الذي يطعنون فيه اليوم. وجرت في ضوئه الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
اللجنة التأسيسية للدستور وتكريس الإستبداد

أما إذا كانت التعديلات تأتي كما جاءت تعديلات الدستور الأمريكى لصالح الشعب وصالح المستقبل فهذا أمر مقبول. ألا يكفي للحاكم فترتين رئاستين؟ لماذا يطالب رزق بتعديلات تعطي  السلطة للسيسي لمدد تزيد عن عشرين سنة ويكون مسؤولا حتى عمن يأتى بعده من رئيس.  تأليه الحاكم أمر مشين والاستهزاء بالشعب أمر مشين، وبقاء الحكام في السلطة حتى الثورة عليهم والفوضى أمر مشين.

الدساتير ليست نصوصا مقدسة لأنها من وضع البشر وقابلة للتعديل ولكن للأحسن. ولكن الدساتير –مع ذلك– مواثيق ويجب أن تحترم لأنها تعبر عن قيم إنسانية ومجتمعية لا يستقيم الحكم ولا الحياة إلا بها، وهي سبيل التحضر والتقدم طالما أنها تعلي القيم الكبيرة من حرية وعدالة وكرامة ومساواة وحقوق الإنسان. وفى هذا تفصيل كثير. فليبق في الحكم الحاكم الناجح ما يشاء طالما رضي به الناس، وطالما إلتزم بهذه القيم الكبيرة أفعالا مع الأٌقوال.

الحكم في بريطانيا ملكي، ولكنه برلماني ويضمن كل تلك القيم ويضمن فوقها القضاء المستقل والضمان الاجتماعي، ويحفز التعليم  والصحة والخدمات والبحث العلمي، ويتطلع للتقدم والدستور غير المكتوب محترم. وتاتشر مع قوتها وقوة حزبها لم تبق في الحكم إلى الأبد. “كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ  أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ”. وللأسف فإن البلدان العربية وحكامها مسلمون أكثر طغياناً وظلماً من غيرها.

كنت أتمنى أن نحترم الدستور ولو لسنتين متتاليتين في مصر وأن يكون التعديل لتأكيد الحريات وحقوق الإنسان، وليس للتمديد للحاكم وزيادة سلطاته. وأن تكون مصر نموذجا، لأنها دولة الحضارات القديمة بدلا من أن تنحدر إلى قاع ترتيب الدول في كثير من الميادين. والسيسي جاء الحكم بعد ثورتين.

الذي يراجع التعديلات التي أدخلت على الدساتير في مصر يجد أن بعضها ألغي وأعيد أكثر من مرة، ويجد أن معظمها في السبعين سنة الأخيرة كان لتكريس الديكتاتورية والاستبداد وتقييد الحريات. وكم كان جميلا وسط الضغط والاستبداد الذي تعيشه مصر ان نرى بيانا في مصر: “لا للعبث بالدستور”.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الاقتصاد والعلوم السياسية

هل يقبل الشعب المصري بهذا العبث؟ عندنا مثل شعبي في مصر معبر يقول: “اللي يشيل قربة مخرومة، تخر على راسه”. فمن يحمي رأس الشعب؟

أخاف عليك يا مصر من النفاق والاستبداد كما أخاف عليك من الإرهاب والتخلف والصراع والهيمنة أيا كانت.

وبالله التوفيق.

[/responsivevoice]

اترك تعليقاً