الدين لله والوطن للجميع

بقلم/
مصر : ۵-۱-۲۰۱۲ - ۱۲:۲۳ م - نشر

الدين لله والوطن للجميعيبدأ العام ٢٠١٢ وهو مثقل بتداعيات الربيع العربي وثورة يناير التي أحاطت بها الكثير من المؤامرات والتحديات، فهناك علامات إستفهام كبيرة وكثيرة تملأ جنبات مصر عما يروج له على أنه طائفية وإضطهاد لإخواننا في الوطن والدم الذين يدينون بدين المسيح عليه السلام.

وللحقيقة يجب على الجميع أن يسألوا أنفسهم لماذا لم تحدث أية إعتداءات تحمل بصمات الطائفية خلال ثورة يناير؟ كما أن الأمر قد تكرر فعلاً خلال الثورة الثانية التي نادت بسقوط حكم العسكر وهي مستمرة إلى اليوم في ميادين مصر.

لم نر حادثاً واحداً بين مسلم ومسيحي، وكانت الأيام الماضية تحمل عبق رائحة يناير ٢٠١١ حيث الألفة والروح المصرية الجميلة التي كدنا أن نفقدها لولا زخم الثورة التي ذكرتنا بأشياء كثيرة كدنا أن ننساها حقاً.

لن أنسى أننا يوم حرق المجمع العلمي المصري بكينا جميعاً وغضبنا جميعاً ولم نستطع الإنفكاك من مصريتنا على الرغم من إختلافاتنا في الرؤى والتوجهات وأحياناً خلافاتنا الشخصية الضيقة والحزبية الأضيق التي دائماً ما نزج بإسم مصر الطاهر فيها. فمصر هي الرابط الذي يجمعنا جميعاً.

ومن عدة أيام فقط ظهر شاب في أسيوط، في صعيد مصر، دون سابق إنذار ليشق هذا الصف لتظهر مصر وهي ترتدي ثياب الطائفية المتشح بالسواد. وإشعال هذه الفتنة تحديداً يلقي بظلاله على المشهد المصري من جديد كما أنه يبعث في النفس سؤالاً حول اليد الخفية أو الطرف الثالث الذي يريد أن يحول أنظارنا عن الهدف الأساسي.. الموجة الثانية من ثورة يناير.

أعلم جيداً أن هناك من الخبثاء من ينفخ في النار وينفث سمومه في المجتمع من أجل مزيد من الإضطراب، ولكن الشعب المصري لديه بوصلته الخاصة التي يعرف بها أين يقف ومتى يتحدث.

نحن كشعب مصر لم ولن نقع في آتون الطائفية لسبب بسيط جداً أن المسيحي والمسلم ليسوا من أعراق مختلفة ولكنهم أبناء جلدة واحدة بحكم التاريخ والجغرافيا وكذلك بحكم الدم الذي يجري في عروقنا والجينات التي تتحكم في أجسادنا، نحن شعب له أصول ثابتة وتاريخ يروى، ولم نكن أبداً قبائل متناحرة أو أناس إحتلوا أرضاً.

يجب أن نعلم جيداً أننا منذ توحدنا في هذا الكيان العزيز الذي هو مصر التي ورد إسمها في الكتب السماوية، لم نتفرق أبداً منذ مينا موحد القطرين، وبعض المصادر التاريخية ترجع ذلك إلى ملك يسمى الملك العقرب وهذا قبل أكثر من عشرة ألاف سنة أو أكثر، وبالطبع لم نسمع أن مصر خلت من أهلها لفترة من الزمن ليأتي غيرهم ليحتلوا مكانهم ومن ثم فنحن من بنى حضارة مصر عبر الزمن ونحن من علم الدنيا التسامح الديني والحضاري.

وعلينا أن ندرس فعلاً بجد ما حدث لنا خلال عهد العسكر في الستين سنة الماضية منذ ثورة يوليو،  فعلاً مصر في تدهور مستمر منذ ذلك الحين، في العادات والتقاليد والبنى الإجتماعية والإقتصادية، وقبل أن يصمني البعض، فأنا ناصري حتى النخاع، أؤمن بالقومية العربية وريادة مصر ودورها الإقليمي والدولي ولكن يجب أن نسأل أنفسنا أين هذه الريادة الآن؟ ولماذا ضاع هذا الدور الإقليمي والدولي؟ حتى أن أثيوبيا وغيرها من دول النيل تجرأت على مصر، هذا الكيان الذي لم يكد أحد أن ينطق باسمه إلا ولفته الرهبة، فهل جاء الزمان الذي يوجه فيه "وزير" تهديد لمصر؟ هذا أمر غير منطقي ويجب أن ندرسه لا أن نعطيه الظهر ونمر عليه مرور الكرام.

وبدلاً من التفكير الفعلي في مستقبل مصر ومكانتها ومستقبلنا في ظل هذه الصراعات المتزايدة من حولنا، بدأنا نختلق الفتن لأنفسنا ومن أعظمها شراً الطائفية التي تنسج خيوطها في عدد من العواصم الإقليمية والدولية تحت سمعنا وبصرنا!

وأعود إلى قصة الشاب الذي نشر صوراً مسيئة عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وبغض النظر عن الأيدي الخفية التي حركته ودفعته إلى القيام بهذا العمل، إن وجدت أيدي خفية، فأنا أؤكد أن هذا الشاب لم يعرف شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلو عرفها لما تجرأ على القيام بهذا العمل المشين.

وأنا لا أعتب على هذا الشاب، بل أعتب على الكنيسة والأزهر معاً، فهما قلاع الدين في مصر التي خفت دورها كما خفت دور الكثير من مؤسساتنا التي خبت شعلتها التنويرية.

ودعوتي إلى من إجتمعوا ودعوا إلى محاكمة الشاب، عليهم أن يحاكموا أنفسهم أولاً قبل هذا الشاب، لأن ما فعله كان نتيجة لعدم قيامهم بدورهم كرجال دين يعلمون الحق.

أنا لا أدافع عما فعله الشاب، فما فعله جريمة يعاقب عليها الله قبل القانون، ولكن علينا أن لا نعالج النتائج ونترك المسببات كما هي لتفرز لنا شباب آخرين يقترفوا الجرائم في حق هذا الوطن المسكين وفي حق أنفسهم. علينا فعلاً أن نبحث عن مسببات الإحتقان وعن سبب ضياع الألفة التي كانت تقارب بيننا في أحلك الظروف.

وأدعو القائمين على الأزهر والكنيسة إلى تفعيل دور الدين في حياتنا، وأنا هنا أعني الدين الحقيقي الذي ينهى عن التعصب الأعمى، فمصر بها الإسلام والمسيحية من قرون عديدة لم نلحظ نحن هذه الفروق أبدا كما لم يلحظها غيرنا، فماذا حدث؟!

علينا أن نجيب عن هذا السؤال بحكمة وشفافية، وعلينا في سبيل ذلك أن نصارح أنفسنا أولاً ونجيب بموضوعية، هل حقاً هناك طائفية في مصر؟ وإن كانت الإجابة بنعم يجب علينا جميعاً أن نعلم أن هناك ثمة شئ خطأ يجب تداركه قبل فوات الأوان.

فمصر قبل الدين المسيحي جاءها سيدنا المسيح عيسى إبن مريم وأمه البتول الطاهرة مريم العذراء ليحتموا في ظلها فلم تطردهم بل إحتضنت مصر الأم والطفل كما احتضنت سيدنا يوسف وربت سيدنا موسى وصاهرت سيدنا محمد، عليهم جميعاً الصلاة والسلام، علينا أن نعي حكمة الله من هذا كله.

مصر على مر التاريخ إحترمت أولياء الله وبجلت أنبيائه حتى لو كانت تدين بدين أخر غير ما بعث به هؤلاء الأنبياء، فماذا حدث؟!

وبعد كل شئ وقبل كل شئ، كل عام ومصر كلها بألف خير بمسيحيها ومسلميها، بنسائها ورجالها وشبابها وأطفالها، كل عام ونحن إلى الله الذي نؤمن به جميعاً أقرب.

محمد صلاح صحفي مصري في قطر

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق