مصر بعد الثورة: هي فوضى؟

مصر : ۱۳-٦-۲۰۱۱ - ۸:۳۰ م - نشر

إن معظم ثورات العالم –كما علمنا من دروس التاريخ– تعيش بعد نجاحها مرحلة فوضى تتدهور فيها البنى السياسية والإقتصادية والأمنية للدولة (دموية الثورة الفرنسية والبلشفية خيرمثال على ذلك). تمرمصر اليوم من مرحلة إنتقالية عصيبة إذا لم تواجه بحزم قد تحرق الأخضر واليابس وترجع أم الدنيا الى العصور الوسطى. فمصر ما بعد الثورة تولد من جديد وتحتاج الى رعاية وإهتمام أكبر من أبنائها لا إلى الفوضى والتدمير وعدم الإحساس بالمسؤولية.

لقد تحول بلد الأمن والأمان إلى بلد البلطجة والفوضى في غياب تام وملحوظ لرقابة حكومية جادة. فعندما يتم الإعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة للشعب دون أي تدخل أمني فوري، فهذه فوضى. وعندما لا تستطيع الأسر المصرية النزول الى الشارع بسبب أجواء التردي الأمني وأحداث السرقة بالإكراه وحوادث الإختطاف، فهذه فوضى.

عندما ترتفع أسعار المواد الغذائية الأساسية للسقف ولا يجد المواطن البسيط ما يأكله، فهذه فوضى. وعندما يصبح الهدف الرئيسي من الثورة هو تصفية حسابات شخصية حتى أصبح النائب العام يستغيث من كمية البلاغات التى تقدم بدون أدلة، فهذه فوضى. عندما يتم تجنيد بعض شباب مصر لخدمة مصالح الساسة على الفيس بوك من أجل ترشيح فلان او آخر بدون معرفة مسبقة بالبرامج السياسية لهؤلاء، فهذه فوضى.

عندما يشتكي المواطن من غياب الأمن وفي نفس الوقت لا توجد ثقة بين الشعب والشرطة، فهذه فوضى. عندما يطالب شباب التحرير بدولة مدنية ولا يتم تعديل المادة الثانية من الدستور (لأنها مسألة إيمان أو كفر) ويطلق سراح أعضاء وزعماء تنظيم الجهاد بدون مراجعة قانونية، فهذه فوضى وعلينا أن نقلق.

عندما تتحول الشوارع الرئيسية والميادين العامة (خاصة ميدان التحرير) إلى محلات تجارية تباع فيها الخضر والفواكه ويفترشها باعة الإكسسوارات النسائية، في مشهد ينتقص من تاريخية ورمزية المكان الذي ما زال مرويا بدماء الشهداء، فهذه فوضى وعلينا أن نخجل.

إن انتشار مثل هذه الفوضى راجع بالأساس الى الفهم الخاطئ لمفهوم الحرية بأن تفعل ما تريد بدون اي إعتبار للقانون أو حتى الأعراف. إن الحرية لا تعني محاربة كل ما جاء به النظام السابق من قوانين أو أن تكون ثوريا برتبة تشي غيفارا فتصنع ثورة كل أسبوع بسبب أو بدون سبب. الحرية لا تعني التعدي على حقوق الآخرين والقيام بأعمال التخريب والفوضى؛ وإنما تقوم على إحترام الآخر ومراعاة حقوقه المدنية، فحرية الإنسان تنتهي مع بداية حرية الآخرين.

مصر وصعود التيار السلفي

إن ما يقلق الكثير من المراقبين ليس فقط حالة الفوضى وغياب الأمن وتدهور الإقتصاد في مصر، وإنما أيضا تحويل مسار هذه الثورة إلى منحى آخر لم يكن في الحسبان، منحى قد يؤدي الى ولادة نظام دكتاتوري آخر يطيح بكل شيء جميل جاءت به ثورة 25 يناير. إن أخطر علامات الفوضى هو ظهور السلفيين على الساحة السياسية ومحاولتهم الإلتفاف على ثورة الشعب، بعد أن كانوا‬ يحرمون السياسة والخروج على‮ طاعة ‬الحاكم، ها هم اليوم يطمعون فى‮ ‬السلطة ويطالبون بإقامة دولة دينية ترجع مصر إلى عصور الظلام (عصور لا تجادل ولا تناقش).

لم يكتف السلفيون بحرق كنيسة إمبابة في القاهرة وضرب شعار "يحيا الهلال مع الصليب"، الذي ردده أبناء الثورة بميدان التحرير ،عرض الحائط، بل جاء قائدهم عبود الزمر ليزيد الطينة بلة بتصريحاته النارية التي طالب فيها أبناء مصر" الأقباط" بدفع الجزية مقابل حق الحماية. وعندما سئل عن السبب، أجاب بأنه لو قامت حرب بين دولة نصرانية كأمريكا مثلا فمن المؤكد سيقوم الأقباط بالوقوف الى جانب العدو لأنهم من نفس الملة.

كلام غير منطقي جعل الإعلامية منى الشاذلي تذكر شيخنا الجليل بأن الأقباط حاربوا إلى جانب إخوتهم في الوطن فى حرب (1973) لكنه أجاب بأن العدو كان يهوديا وعندما ذكرت له أن الأقباط شاركوا فى ثورة 1919 رد بأن الإنجليز مخالفون لملتهم. قمة التحجر والتشدد حقيقة. المصيبة ما قرأته بجريدة النهار أنه قد قام عدد من شباب الفيس بوك بتخصيص صفحة بعنوان "عبود الزمر رئيساً لمصر" ينادون بترشحه باعتباره أنسب شخص لمنصب رئيس الجمهورية.

فإذا حكم مصر رجل يفكر بهذه العقلية العنصرية، فلنصلِ لشهداء الثورة المصرية الخالدة ولنقرأ الفاتحة ترحماً على أم الحضارات مصر، وليستعد الإخوة الأقباط لحزم أمتعتهم والرحيل. هذا ما تنبأ به الكاتب والصحفي المصري نبيل شرف الدين في مقال نشرته صحيفة المصري اليوم، قائلا: "ليس من المستبعد أن يلقى الأقباط نفس مصير اليهود –الذين طردوا من ديارهم بعد إتهامهم بالعمالة لإسرائيل– خاصة في ظل التمدد السرطاني للأفكار السلفية" وإختتم مقاله بالقول بأن "المجتمع الذي لا يحتمل التنوع والإختلاف، هو مجتمعٌ مأزوم ضاق ذرعاً بأبنائه اليهود، وها هو يضيق بالمسيحيين، وبعدها ستبدأ مرحلة جديدة يأكل فيها المسلمون بعضهم البعض، فهذا صوفي "قبوري"، وذاك شيعي "رافضي"، وأؤلئك علمانيون كفرة."

ويشاطر هذا الرأي نجيب جبرائيل –رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، حيث أكد أن "السلفيين لديهم مفاهيم خاطئة ومغالية تتعدي حدود الوسطية والأدب الديني والأخلاقي، وأوضح أن هناك دعوات عديدة لتأسيس دولة إسلامية بمصر وبالتالي وجب عليهم طرد كل من يحمل معتقدات دينية أخرى وهذا لن يحدث أبداً مهما حاولوا." وشدد بالنهاية على ضرورة تضافر كل فئات الشعب المصري للوقوف ضد الطائفية والتيار السلفي المتطرف، لكي لا تتحول مصر إلى عراق آخر هجر وشرد وقتل فيه أبناء الوطن من المسيحيين والأقليات بدون ذنب.

إن وباء الطائفية وتقسيم أبناء الوطن على أساس الدين أو العرق أصبح حقيقة مؤلمة تشهدها المنطقة ولا يمكن تجاهلها. هذا السرطان الخبيث قد بدأ بالإنتشار بالفعل في جسم هذه الأمة التي لن تنعم بالوحدة أو التقدم إذا ما استمرت سياسة الفرز والتشتيت قائمة، وهذا للأسف مانراه اليوم في العراق وسوريا وليبيا واليمن والبحرين ومصر بصور مختلفة.

لهذا أقول، يجب على أبناء مصر أن يحموا مبادئ الثورة التي رفع شعارها الشباب والكهول من رجال ونساء (الشعب يريد دولة مدنية: حرية، ديمقراطية وعدالة اجتماعية) وأن يعملوا بجد لتطبيقها. هذا ما أكده أيضا الدكتور علاء الأسواني، الكاتب والروائي المصري، في حوار نشر بجريدة الشروق: "لقد قامت الثورة بمشاركة كافة أطياف المجتمع المصري من أجل دولة مدنية ديمقراطية تقوم علي أساس مبدأ المواطنة والمساواة، مهما اختلفت أصولهم العرقية أو معتقداتهم. فالإخوان يتبنون فكرة الخلافة الإسلامية، وأنا أرى أن الزمن تجاوزها بمراحل لأنها تتناقض مع مبدأ المواطنة". لكن للأسف، لازالت المادة الثانية من الدستور تبعد مصر عن الدولة المدنية وتقربها أكثر من مفهوم الدولة الثيوقراطية (الدينية).

و أخيرا أقول، إن عدم الإستقرار والفوضى التي تشهدها بلد الأمن والأمان، قطعاً لا تصب في مصلحة الوطن ولا المواطن بل تزيد الوضع تأزماً. فالفوضى تساهم في ضرب قطاع السياحة (أحد الأعمدة الأساسية للإقتصاد المصري)، وتضرر هذا القطاع الذي يغذي قطاعات عريضة صناعية وخدمية أخرى، مما يتسبب في إلحاق الأذى بالإقتصاد وإفلاس الدولة، ومما سيؤدي الى نشوء أزمات سياسية وتمزقات إجتماعية-طائفية قد تحرق الأخضر واليابس.

هذا ما لخصه محمد البرادعي فى مقابلة مع شبكة «سى ان ان» حيث قال: "إن مصر تتفكك إجتماعياً، وعلى شفا الإفلاس اقتصادياً، وتعيش حال الثقب الأسود سياسياً" وفى حوار مع صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية أكد أن مصر تعاني من "فوضى سياسية ودستورية"، وأن الدستور الجديد لابد أن يحقق السلام الإجتماعى لكل طائفة، باعتباره عقداً إجتماعياً بين جميع طبقات الشعب.

ان الإقتصاد المصري يحتضر نتيجة لقلة الإستثمارات والتضخم وإختلال الموازنة العامة وما يزيد الوضع تأزماً هو عدم الإستقرار. فأعداد السياح قد إنخفضت بنسبة 60% عما كانت عليه فى أوائل العام الحالي، وتعاني الصناعة من التعثر على خلفية الإضرابات والإحتجاجات اليومية المطالبة بزيادة الأجور، ومن المتوقع أن تنخفض نسبة النمو إلى 1% وهى الأدنى منذ عقدين، بحسب صندوق النقد الدولى.

يجب أن نعلم بأن 42% من أبناء الشعب المصري كانوا يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، وما يعادل 8% يعيشون في العشوائيات في عهد مبارك. فلا نريد أن تتضاعف هذه الأرقام في ظل الثورة التي أنارت بشعلتها العالم. فالشعب هو صانع الثورة وعليه أن يتحمل مسؤولية حمايتها، حتى إذا تقاعست الدولة عن فعل ذلك.

وأخيراً أقول لكل من يسعى لتخريب مصر والعالم العربي: قد يمكنك أن تدوس الزهور، لكنك لن تؤخر فصل الربيع.

وديان حمداش المغرب

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • رنيم

    أخت وديان علمت انك من المغرب الشقيق ومعنى هذا انك لست على علم بأكثر من شعب مصر (مكة ادرى بشعابها) لو كنت فعلا مثقفه سياسيا كما تزعم اناملك في ما كتبتيه لكنت علمت بإن النصارى انفسهم قالوا بإن من قام بحرق الكنيسة هم ذيول النظام السابق الذين يريدون وقوع الفتنة الطائفية بين المسلم والمسيحي اختي الم تعلمي بإن السلفيون الذين تتكلمي عنهم قد اسسوا حزبا سياسيا لهم وفيه 30 عضوا مسيحي!!! وهل منهج السلف الصحيح هو منهج ينتمي لعصر الظلام (لا تجادل ولا تناقش) إذن لماذا طلب المجلس الاعلى للقوات المسلحة حفظهم الله لنا لماذا طلبوا من محمد حسان وغيره وهم ينتمون للسلفيين اذا كنت تعلمين يعني طلبوا منه ان يتدخل بإلقاء كلمة في حادثة اطفيح وهدأ بين المسلمين والنصارى!! أختي ارجوك دام انك لا تنتمين لهذا الشعب لا جنسية ولا ثقافيا ولا عندك دراية كاملة بهموهنا فالصمت افضل لك من هذا المقال.. ليتني استطيع ان ارد عليك ايضا في المدعو البرادعي لكن الوقت لا يسعني.. واتمنى ان تقبلي رأي بصدر رحب دون ازعاج.. وتحياتي لك

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق