الموت والمسك وبائع الثلج

د. سامح يوسف
مصر : ۱۵-۸-۲۰۱۳ - ۱:۰۷ م - نشر

هنا و بجوار مشرحة زينهم لا تستطيع المشي على قدميك من زحام الموتى، هنا حالة من الانكسار، هنا يتهاوى الجسد و ترتخي قدميك ليهوي جسدك على أقرب رصيف حتى تجلس بجوار أم أو أب أو أخت لقتيل، ولن يستطيع لسانك أن يسأل من بجوارك هل ذاك الجسد الساكن فى الثوب الأبيض مسلم أم مسيحي؟ هل كان مؤيداً أم معارضاً؟ هل هو أب أم إنها أم؟ هل كان يريد حكماً أم أنه يبتغي وجه الله؟ هل هو من الشرطة أم من الجيش؟ هل هو ذو لحية أم إنه كان فى الجيش جندي من خير أجناد الأرض؟ ويأبى اللسان أن يسأل ويقشّعر الجسد بدلاً من المرة ألف مرة، كلما وقعت العين على ذاك الثوب الأبيض وتحاول أن تحبس دمعة، تحاول أن تهوي ولكن هيهات.

هنا تنتشر رائحه المسك، تنتشر منذ الأمس، ذاك الأمس اللعين يكسوه مسك الموتى وآهات الأمهات، ذاك المسك الذي تقشعر له الأبدان، وترى الأرض مبتله من ذوبان الثلج الموضوع على من مات، ذلك الثلج الذي يشتريه الأهل ويتشاركوه بعضهم البعض.

هنا ترى عربات كتب عليها "يا أيتها النفس المطمئنة…" و"عربة تكريم الانسان" وترى الأغلبية يضع ذاك الشاب الممدد في الرداء الأبيض على الكرسي الخلفي للسيارة الملاكي أو الأجرة.

هنا ترى الأمهات كلهم واحد، كلهم أمي وأمك، ونفس الكلمات التي يناجون الله بها، يتشاركها الجميع، كلمات تهددنا جميعاً، كلمات تحرق أفئدتنا، كلمات يسمعها الله مباشرة، كلمات ليس لها مثيل ولا نفهم معانيها إلا فى مواقف كهذه، كلمات مثل "حسبنا الله ونعم الوكيل" أو "إنا لله وإنا إليه راجعون" أو "الله على من ظلم".

هنا فرحتهم ليست كأية فرحة، هنا يفرحون إذا ما نودي على إسم فقيدهم حتى يدخل إلى المشرحة بعد إنتظار أكثر من يوم على بابها في ذلك الشارع المكتظ بالأموات، هنا فرحتهم عندما يجدون كمية ولو بسيطة من الثلج.

هنا ما لا يشعر به أي من القيادات، هنا ما لا يشعر به الإعلام الذي يعلوه بعض المرتزقة، هنا ما لا أراه أنا، وأنا بينهم ألتقط أنفاسي مع بعض الصور، اللهم لا تعذبنا بهم، اللهم ابعد عنا لعنة قد تلاحقنا حتى بعد الموت، اللهم إنك تعلم ولا نعلم، اللهم إنك أنت من قلت "ويمكرون ويمكر الله" اللهم إنا لا نعلم من يمكر ولكنك تعلم، اللهم انتقم لنا ممن مكّر.

هنا حرمة الموت، هنا مسك الموت، هنا بائع الثلج، هنا اللامنطق.

د. سامح يوسف مصر

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق