كوفيد-١٩ وإنهيار النظام العالمي

كوفيد-١٩ وإنهيار النظام العالمي

برغم جائحة كورونا، أو كوفيد-١٩ وتدعياتها العالمية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي بلا شك أقوى دولة في العالم، بل ربما يطيب للبعض تصنيفها كإمبراطورية تتحايل على القواعد المعلنة للعلاقات الدولية في العصر الحديث. فرغم أن تعدادها اليوم لا يزيد عن ٣٤٠ مليون نسمة، إلا انها تنتج وحدها ٢٤,٤% من اجمالي السلع والخدمات التي يقدمها هذا الكوكب.

تحتفظ وحدها بـ١٣حاملة طائرات، وهي السلاح الاستراتيجي الأكثر كلفة وكفاءة وترويعا، إذ تشكل تلك الحاملات معا عصب السياسة الأمريكية الخارجية. وقد بلغ عدد قنابلها النووية عام ١٩٦٧ما يزيد عن ٣١,٠٠٠ قنبلة.

تملك ما يزيد عن ألف قمر صناعي منهم ١٩٠ مقصورين على التجسس والاستخدامات العسكرية حصرا. كما تملك جميع أقمار نظام تحديد المواقع العالمي GPS. تحتفظ بـ٣% من الاحتياطي العالمي للنفط. وتأتي أربعة من جامعاتها في المراكز الأولى من بين الجامعات الخمس الأفضل فى العالم.

يؤكد البعض أن تلك الدولة تحمل مقومات البقاء على نفس صورتها المهيبة لألف عام. لكن المدقق في تلك الإمبراطورية المهولة يجد بعض الشروخ العميقة.

يعدد المؤرخون أسباب إنهيار بعض الامبراطويات التاريخية في لائحات طويلة، ربما يمكن جمع كل تلك الأسباب في معادلة واحدة. إذ تنهار الامبراطورية اذا زادت كلفة الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية عن إجمالى الموارد التي تحققها. وأقرب الأمثلة على ذلك هو مثال بريطانيا العظمى، تلك الدولة اللقيطة التي حازت مجدها مدفوعة بمكاسب سنوات الثورة الصناعية، ونهب المواد الخام من الأمم الغافلة، ثم إغراق تلك الاسواق البدائية بالقماش والأنسجة المميكنة الرخيصة، لتصير في غضون سنوات الإمبراطورية التي لاتغرب عنها الشمس.

وعندما تورطت تلك الإمبراطورية فى أول عراك لها بالأيدي فى حانة للأوغاد (الحرب العالمية الأولى) ورغم "انتصارها" المعلن إلا انها ظهرت خلال تلك الحرب الطويلة على حقيقتها، وانهارت صورتها التي طالما صدرتها للعالم على أنها الدولة التي لا تقهر، والإله الذي لا يمس. ظهرت على حقيقتها كدولة عادية تسعى بيأس لصد جحافل الألمان. تجند الهنود المستضعفين تحت حكمها في الجيوش، وتخطب ود الاسترالين لينضموا لجيوشها التي تدافع عن "الحرية"، وتخطف المزارعين الأفارقة من حقولهم بشكل غير رسمي لتجنيدهم اجباريا. وهى ممارسات تجمع بين القرصنة والسخرة وإنعدام الشرف.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
بلسان المصريين وقلوبهم: منحبك يا مصر

رغم انتصارها الظاهرى الا انها خرجت من الحرب مفلسة. اذ أطاحت تلك الحرب بكل مدخراتها التي نهبتها من الشعوب المستضعفة خلال الثورة الصناعية ثم الحقبة الاستعمارية اللاحقة. كما أن انهيار صورتها القوية في عيون "حلفائها" المقهورين جعل نهمهم للاستقلال معلنا، فصارت في الحرب الثانية كالرجل الوقور الذي سقط بنطاله فجأة بين الناس، ومنذ ذلك الحين بالغت "الإمبراطورية" البريطانية في الاستدانة والإنفاق على أساطيلها لإحكام سيطرتها على تلك الأقطار البعيدة تحت حكمها، مما سرع إنهيارها الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، لتتخلى عن مستعمراتها تباعا وتعود إلى وضعها الأصلي البعيد عن الدعاية كدولة عادية جدا.

يتضح من تلك التجربة مدى كفاح الدول العظمى للمحافظة على صورتها فى عيون المستضعفين. ومدى أهمية تلك الصورة لابقاء الدولة "عظمى".

واليوم نجد الولايات المتحدة تسير على نفس المسار، تسعى بكل جد وتكلف نفسها غاليا لتلميع صورتها بشكل مبالغ فيه، ولا تسمح لأي لطخة وحل صغيرة أن تشوهها. إذ أنها تعرف ان بقاءها نفسه يعتمد على جودة تلك الصورة، تستعيد مهابتها فى نفوس الدول المترقبة بعد أحداث ١١ سبتمبر بشن حربين شديدتى الكلفة على دولتين صغيرتين.

وها هي اليوم الإمبراطورية العصرية تخرج من جميع حروبها منتصرة ولكن مدينة حتى فاقت ديونها إجمالي ناتجها القومي.

وها هي اليوم تبدي علامات الضعف والشيخوخة في مواجهة فيروس كورونا أو كوفيد-١٩ بكل مؤهلاتها العلمية والإقتصادية والتنظيمية. تجلس كغيرها من دول العالم العادية بلا حول ولا قوة تنتظر الفرج. فيما تسيطر الصين تماما على الوباء الذي كاد أن يعصف بها خلال ايام قليلة، وتعلن ألمانيا أنها تمكنت بفعل تنظيمها الإدارى الدقيق فقط، من محاصرة المرض حتى قبل إبتكار علاج للفيروس.

لا أحد يعلم متى تنهار أخيرا الصورة الدعائية الجميلة لتلك الإمبراطورية الأمريكية قصيرة العمر، لكن المحتوم حقا هو أن العالم بعد أحداث مواجهة فيروس كوفيد-١٩ لن يعود كما كان من قبل، ستصعد دول درجة وتهبط دول درجات، وستبقى دول بعينها لا تتأثر بأى أحداث فهي بالفعل في المؤخرة ولا يضيرها شيئ. لكن المؤكد حتما هو أن ذلك النظام العالمى الذي نبتت بذرته في رحم الحرب العالمية الأولى ثم سقي ببحر من الدماء أريقت في الحرب الثانية لن يظل قائما دون تغيير.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
أوكار الماسونية وعلاقتها بالصهيونية

المصادر:

https://www.topuniversities.com/student-info/choosing-university/worlds-top-100-universities
https://www.navy.mil/navydata/ships/carriers/cv-list.asp
https://www.visualcapitalist.com/80-trillion-world-economy-one-chart/
https://www.usatoday.com/story/money/2019/05/22/largest-oil-reserves-in-world-15-countries-that-control-the-worlds-oil/39497945/
https://ycharts.com/indicators/us_gdp_as_a_percentage_of_world_gdp
https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_USA_satellites

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x