الوطن بودربالة

في دولة ديمقراطية تمثل قوة اقتصادية وعسكرية على المستوى الكوني، حيث يعيش المواطنون والمهاجرون واللاجئون والمتشردون، وحتى الكلاب الضالة والفئران المتسللة، في بحبوحة وبلهنية من العيش الرغيد، حيث جودة الحياة والتعليم والصحة والتأمين والسعادة، في مقابل ذلك يبقى الوطن والمواطن تائقا ومشدودا إلى الحرية كقيمة لا مساومة عليها في البورصة أو على طاولة المفاوضات.

شعب الولايات المتحدة الأمريكية هو نموذج لنظرية قدر الصهر الذي يتعايش فيما بينه في إطار تفاعل كامل ومتجانس رغم التباينات والمسافات الوارفة بين هذه الأقليات والمجموعات البشرية، على المستوى الديني والعرقي والثقافي. لكن تبقى دولة العم سام بحاجة إلى أعوام عدة حتى تذوب كليا باقي العناصر الدقيقة التي تطفو على سطح الأحداث فيصير الوطن واحد والشعب واحد.

مقتل المواطن ”جورج فلويد” ليس حدثا استثنائيا ولن يكون النهائي، فتركيبة المجتمع الأمريكي غير متجانسة بالأساس، فنجد مواطنين من أصل إفريقي واسيوي وتمييزا بين الأبيض والأسود والإيطالي والإيرلندي كعناصر دخيلة في الفكر العنصري المتطرف، هذا التنافر الطبيعي أدى إلى إيجاد تنظيمات كل يدافع عن معتقداته وجيناته. وإذا لم تستمر عملية أمركة نمط حياة وأفكار مكونات المجتمع عبر الإعلام والتعليم ومظاهر الحياة العامة، فالخطر الذي تُوجده الإنقسامات العرقية يفوق ردود أفعال كيم جونغ أون.

لمحة سريعة عن الحياة في أميركا سنجد تناقضا صارخا لكنه في نفس الوقت يوافق ويساير النظام الرأسمالي الليبرالي، حيث إن المدارس تعتمد تدريس نظرية النشوء والتطور لتشارلز داروين كحقيقة علمية أو كنظرية في أدنى الإحتمالات، وهي نظرية تكرس تفوق الجنس الأبيض بيولوجيا وعطفا عليه التفوق في الذكاء والحضارة، مقابل احتقار للسود على اعتبار وجود تشوهات في جماجمهم وأنوفهم وهي عيوب خلقية لها دلالات علمية في علم الإجرام والبيولوجيا.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
مستقبل تونس إلى أين؟

وجود هذه التناقضات العريضة بين ديمقراطية الدولة وعنصرية المجتمع أو بتعبير اَخر ديمقراطية المؤسسات وعنصرية الجنس البشري، لا ينفي تقدم الدولة على المستوى القانوني والحقوقي والإنساني على الأقل داخليا. وهذه العنصرية تبقى نسبية، حيث إثر مقتل جورج فلويد تظاهر الشعب الأمريكي كله بمختلف طبقاته الإجتماعية ومجموعاته العرقية فكان البيض والسود على نفس الخط.

الأبرز من هذا نجد أن المؤسسة الأمنية اعترفت بالخطأ المهني واصطفت في جانب الشعب ورفض الجنرالات عرض الرئيس الأمريكي الجمهوري ”دونالد ترمب” بإستعمال القوة والجيش لوقف الفوضى التي أحدثها الشعب الأمريكي كشعب يؤمن بحرية الشعب لا بحرية الفرد فقط، ويُسقط أية إهانة فردية على الجميع، إنها قيمة الحرية التي لا يدركها العصفور العربي الذي تربَّى في القفص وتغلَّب بالحبوب والفتات.

تدخل الشرطي ”ديريك شوفان” الذي يحمل من نسبه نصيبا من النحس جرَّ إليه تهمة ثقيلة بالقتل غير العمد، حيث تحيلنا الشوفينية إلى المغالاة والتعصب للفكرة أو الوطن. والتدخل الذي قادته الشرطة لم يخالف كثيرا الضوابط المعمول بها ميدانيا، ومع ذلك تم تسريح الشرطيين المتهمين من العمل ومحاكمتهم بتهم عقوباتها بالسجن. هذا الحدث قد يبدو بسيطا ومعتادا في مخيلة المواطن العربي الذي يتوهم أن سلطة أمن الدولة تماثل سلطة الأب، وهذ التفكير نوع من الجهل والسادية والذهان والهلوسة.

التباين بين المجتمع الأمريكي والعربي واضح إلى حد بعيد، فالأول يعرف بعض النَزعات العرقية لكن على مستوى الأفراد فقط، حيث إن المؤسسات الأمريكية لا تعاني من العنصرية وتعامل الجميع على قدم المساواة. أما الوطن العربي بودربالة، فالعنصرية والظلم قيمتان علويتان أو لنقل دينا وضعيا ينبذ كل من يريد إصلاح المجتمع وسيادة القانون وإيجاد الحرية والكرامة والعيش الكريم للجميع.

عقب كل مظاهرة أو مطالبة سلمية بالحق في الهواء والخبز تجهز أجهزة الأمن على الأفراد بصورة تحيلنا إلى فترة الإستعمار الغربي للوطن العربي. إنها تناقضات صريحة بين القاعدة الشعبية والمؤسسات المعنية، ما يعني أن هذه المؤسسات دخيلة وغير منتخبة أو أن القاعدة الشعبية مستوردة وأجنبية، فمن في وطننا العربي ليس أصليا وأثيلا للشعب أم الوطن.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الشعب المسجون في بلده

حجم التناقض بين حقيقة جسم الدولة ولِباسُها له تأثير المسألة الزنبورية على سبويه، فالدولة العربية تفتقر إلى الطريق المعبدة في الحواضر والبوادي، فتستثمر أموالا تعادل خزينة بعض دول إفريقيا في مجال الطيران، فيجيب المواطن العاري البسيط متهكما إني مصاب بفوبيا المرتفعات، ويسأل اَخر مستهزءا هل يوجد في الطائرة مساحة إضافية لجحش الأتان الخاصة بي فهي حامل في شهرها الأخير؟

الأدهى من هذا يطالب المواطن العربي بالحق في الشغل، وبعد أن يفقد عينا أو رجلا في مظاهرة، يصدر البنك مع وزارة الشغل مبادرة لدعم مشاريع الأفراد، وبعد أن تُكرر البرامج والدعايات عبر التلفاز تبدأ هذه الأخيرة وهي مقفلة، في إعادة ترديد الشعارات الفارغة والكلمات المنمقة الكاذبة، فتتبعها الجدران والبواليع والكَنابات إلا صاحب المنزل الذي باغته النوم فجأة أثناء الإستماع للمذيع وهو يشكر البنك على دعم المشاريع.

بعد إنتهاء أمد تنزيل المبادرة تكون الأموال المخصصة لها في حسابات صاحب البنك وصاحب المبادرة، ويكون المواطن المقترض في السجن ووزجته تتسول أمام المسجد والتلفاز مازل يهتف بعبقرية المبادرة وصاحب التلفاز نائم مطمئن على الكنبة.

مواطنون اَخرون تقدميون ورجعيون يصرخون ”نريد الحرية”، فخطر على بال الدولة رأي سديد، سنحضر الحرية حالا، فابتهج الجميع، فأقامت الدولة منصة وأحضرت الحرية من أمريكا والغرب، فجلبلت ”شاكيرا” و”جينيفر لوبيز” وغيرهم، فصدح بعض من الذين يظهرون الإلتزام الديني ‘ نعم إنها الحورية، عفوا الحور، عفوا الحرية” وبدا الجميع فرحا بقيمة الحرية، التي تعني في فكرهم الضيق إفراغ الكبت والصراخ فيضحى القفص والسجن قصرا والحياة سعيدة مثالية.

إن الوطن بودربالة لا تنتظر منه أن يُكسيك فهو جائع لن يُبلعمك لقمات، ومستبد لن يدافع عن حقوقك ولن يحترم إنسانيتك وكرامتك. فالمطالب الأمريكية للحرية لا تُطلب من صنم، أما المواطن العربي فيجب أن يدافع أولا عن هدم الأصنام وتوحيد البشرية وعندما يَنتخب إنسانا عندئذ يمكنه طلب الحرية وإجازة على شاطئ البحر وقدحا من عصير الليمون ومجلة لإنتخاب سيارة فصل الشتاء.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
في يوم إستقلال أمريكا نتوق لإستقلال فلسطين
[/responsivevoice]

اترك تعليقاً