الدستور والدائرة الخضراء

بقلم/
مصر : ٦-۱۰-۲۰۱۲ - ٤:۲۸ م - نشر

الدستور والدائرة الخضراءهذه الأيام يكثر الحديث عن الدستور وعن الجمعية التأسيسة، وتتطاير الاتهامات يميناً ويساراً بين كل الاطراف، فمن ينصبون أنفسهم إسلاميين دون باقي الشعب، يتهمون خصومهم بأنهم كفرة فجرة يريدون محاربة شرع الله.

والقوى السياسية المدنية تتهم خصومها بأنهم يريدون دستوراً يدشن لدولة دينية وتكون نصوصه خاضعة لعشرات التأويلات المتشددة التي تطلق العنان للمتطرفين في التضييق علي كافة الحريات ومصادرة المجتمع بكامله لصالح وجهة نظرهم.

وبعيداً عن كل هذا يقف الشعب متفرجاً غير مكترث بهذا الصراع وأجزم أن الكثيرين من المصريين، وبدون مبالغة ما لا يقل عن نصف الشعب المصري المشغول بلقمة عيشه وبالأحوال الإقتصادية المتردية، لا وقت لديه للغوص في مواد الدستور وتفسيرها ومعرفة الفرق بين إضافة كلمة أو حذفها وتأثير ذلك علي حياته ومستقبله ومستقبل أولاده وبلده.

وهذا في حد ذاته مهزلة وطعنة نافذة في قلب هذا الدستور المفترض.. فالمفروض أنه بعد إتمام كتابة الدستور الجديد سيطرح للاستفتاء الشعبي وسيسبق ذلك مدة خمسة عشر يوماً سيطرح خلالها الدستور للحوار المجتمعي.. فهل ذلك معقول؟ وهل يمكن طرح أهم وثيقه تحدد شكل الدولة  لشعب يصل قوامه تسعين مليوناً يتم فيه النقاش الشعبي في مدة 15 يوماً فقط؟ ألا يشعر القائمون علي هذا الطرح أنهم فاقوا ترزية القوانين في عهد مبارك في سلقهم للقوانين؟

وكأننا لم نقم بثورة ولا يحزنون، وكأننا نتحرك للوراء أو نمشي علي الرؤوس، فبدلاً من أن يكون لدينا ترزية قوانين أصبح لدينا إسكافية (جمع إسكافي) دساتير، يطبخون المواد الدستوريه بمزاجهم ويدفعونها للإستفتاء في وقت قياسي والكل يعرف اللعبة اياها وبارك الله في الدائره الخضراء التي تطير بك إلى الجنه، إن كنت من المؤيدين القائلين نعم يا حبيبي نعم، أما إن كنت لا قدر الله من اصحاب الدائرة السوداء المعترضين دائماً "بتوع لا" فسنينك سوداء وإلى جهنم وبئس المصير لأنك ضد الشريعة وتضمر النفاق ومكانك محجوز بجوار مسيلمة الكذاب وإبن أبي سلول حتي لو كنت تصلي وتصوم وتزكي.

وبعد أن تتم العملية بهذا الشكل يصبح الدستور بقرة مقدسة لا يجوز الإقتراب منها وإلا فإنك تنقلب علي الشرعية الشعبية وتتحدى رغبة الجماهير، وكأن رغبة الجماهير هذه تاكسي ملاكي تركبه بعض التيارات فيذهب بها  كيفما يشاؤون.

ولن أضرب مثلاً بدول من أوربا الشرقية ولا أمريكا في كيفية طرح الدستور للاستفتاء، بل ساضرب مثلا بإحدى دول القارة الإفريقية، وهي دولة جنوب أفريقيا، فحين انتهت الدولة العنصرية بجنوب أفريقيا وصدر دستور مؤقت عام 1994 وبدأ الإعداد لدستور جديد، تم طرح الدستور للنقاش المجتمعي لنحو سنتين وتمت الإستعانه فيه بكافه وسائل الاعلام ولوحات الإعلانات علي الطرق وإنشاء قناة خاصة وصحيفة لشرح مواد الدستور، وتم إنتاج أفلام وثائقية وأفلام كارتون توضيحية تشرح كل كلمة بالدستور، أضف لكل ذلك عقد مئات الندوات ودورات التوعية في كل مكان، وإفساح المجال لكل وجهات النظر ولكل القوى السياسية لطرح رؤيتها في مستقبل وطنها، وكانت الخطوة الأخيرة طرح الدستور للإستفتاء، وكانت النتيجه دستور محترم يحظى بالتوافق الوطني ويلبي طموحات الشعب الذى صوت وهو فاهم علي ماذا يصوت.

إن اللذين يحاولون إستغفال الشعب المصري لن ينجحوا في مسعاهم، لأن الشعب المصري كما إكتشف خدعة إستفتاء مارس، فإنه قادر علي إكتشاف أية خدعة أخرى ولكن بشرط أن ننبهه لما يدور في الخفاء.

لهذا أدعوا كل القوى السياسية المدني، وكل رموز المجتمع، التحرك من أجل إطالة الفترة المتاحة للحوار المجتمعي ومن أجل مد الأيدي للجماهير العريضة وعلى الجميع التحرك والتواصل مع الشعب في المصانع والشوارع والمقاهي ووسائل الإعلام، وإقامه المناظرات وشرح الخلافات علي الدستور.

وكلي ثقة في أننا لو إلتمسنا الطريق لعقل وقلب الشعب المصري فسيكون هو نفسه الحارس الأمين والراعي الواعي لدستور نفخر به جميعاً يحافظ علي مدنيه الدوله ويكبح جماح المتطرفين، فالشعب المصرى ذو طبيعة سمحة طوال تاريخه لم يعرف التعصب أو التطرف.

ولنعلم أن اللجوء للشعب هو الضمان الوحيد لدستور يصنع حضارة إنسانية ويخلق نظاماً يقوم علي أساس العدالة والحرية ويحفظ لشعبنا حقوقه بضمانات دستورية ولا يفرط  في أصالتة الثقافية ولا يلغي أو يعادي الهوية الإسلامية ولا يمكن لاحد ان ينادى بذلك. ولكن كل ما نريده دستور لا يخون دماء ألف شهيد ضحوا من اجل مصر حرة، لا من أجل مصر مكبلة بولاية فقيه مستقوي بدائرته الخضراء إياها.

أما طرح الدستور قطعة واحدة بكامل أبوابه علي الشعب في إستفتاء مسلوق خلال خمسة عشر يوماً، فهذا أشبه بطالب يدخل الامتحان ثاني يوم من بداية عام دراسي جديد ونطالبه بأن يكون علامة عصره و"يطلع الأول".

صدقوني وثقوا معي في شعبنا، فلا حل التأسيسية سينفع ولا الصياح والصراخ في الفضائيات سيفيد، وكل ما سيفيد هو اللجوء للشعب وإتاحة فرصة كافيه له ليعرف ويفهم مغاليق الأمور وبعدها علينا أن نستمع جميعاً لصوت الشعب في الإستفتاء الذي ساعتها سيكون فعلاً القول الفصل في مسألة الدستور.

د. أحمد عبد الفتاح عثمانمصر

سكرتير عام حزب المصريين الأحرار بالغربية

عضو لجنة الدستور بحزب المصريين الاحرار

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق