من يؤنبه ضميره ومن لديه الحل؟

بقلم/
مصر : ٦-٤-۲۰۱۳ - ۸:۵۹ ص - نشر

من يؤنبه ضميره ومن لديه الحل؟تفقد الكلمات معانيها لكثرة ترديدها وتفقد الأشياء بريقها وبهاءها لكثرة إستخدامها ولا توجد كلمات تم إستخدامها في العامين الماضيين أكثر من كلمتي الثورة والرئيس المنتخب، وللصدفة فإن أكثر من يرددهما هم تيارات لا تؤمن بالإنتخابات ولا بالثورة.

حسبناها فعلاً بدايات ثورة مع أحداث اليوم الثامن والعشرين من يناير ٢٠١١، بدايات ثورة تغيير شامل في الحياة بمصر سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً كبرت معها الآمال والأحلام بحجم مساحة الوطن من الأرض للسماء. ولروعة الحدث وإبهاره لم نلتفت أو لم يلتفت أحد بالقدر الكافي أو لعل هناك من صرخ وتحدث وحذر، لكن هدير الميادين كان أقوى من أية صرخة تحذير في ذلك الوقت.

فقد شابت هذه الأيام أشياء لم يتم التوقف عندها طويلاً، مثل الهجوم على السجون وإقتحامها وتهريب المسجونين منها، والآن يجلس أحد هؤلاء المسجونين في قصر الرئاسة في مصر، وللآن لم يتم كشف حقيقة ما حدث أو إجراء تحقيق أمني وقضائي نزيه ومحايد لمعرفة حقيقة إقتحام السجون وتهريب المسجونين، ومن أصدر العفو عن أهم مسجون؟ وكيف؟ وما هي حدود القصد المتعمد أو الصدفة في هذه القصة؟ أو لعله جرى تحقيق ثم تم الإحتفاظ بنتائجه في أحد أدراج القصر الجمهوري أو تم حرقه فوق قمة جبل المقطم.

شابت هذه الأيام أيضاً بعض أحداث عنف وأمور تثير القلق والإستغراب ولم يتم إستنكارها أو رفضها في حينها، مثل أن يتولى مدنيون سلطة التحقيق مع مدنيين آخرين وضربهم وتعذيبهم داخل محطات المترو أو شركات السياحة بميدان التحرير أو بداخل المساجد أو على أسطحها. وكانت نتيجة عدم الإستنكار والصمت أن بررت مليشيات مرسي لنفسها بعد ذلك الإعتداء على المتظاهرين وتعذيبهم عند أسوار قصر الرئاسة بالإتحادية وأماكن أخرى وكانت حجتهم أنه كان يحدث مثل هذا في ميدان التحرير.

حدث أيضاً أن وجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما حديثه للرئيس السابق خلال أيامه الأخيرة في الحكم بما يشبه الأمر والتحذير بأنه يجب عليه أن يرحل أو (Step Down)، ولم تخرج صيحة إعتراض واضحة وصريحة والرد عليه بأن هذا شأن لا يخصك، هذا شاننا نحن، ثم إستظرف السيد أوباما بعد ذلك بأنه في نفس اليوم الذي تنحى فيه الرئيس السابق كان هو نفس يوم تقاعد أحد كبار موظفي البيت الأبيض الأمريكي وفي حفل تكريمه قال له أوباما مداعباً وهو يقدم له رابطة عنق كهدية بأنك لست الوحيد الذي (Step Down) اليوم، وكانت هذه إهانة أخرى على الأقل بالنسبة لي وقت مشاهدتي لها على الهواء مباشرة.

ثم إتضح بعد ذلك أن رحيل الرئيس السابق مبارك شئ يخص أوباما ويخصه جداً ومن حقه أن يداعب أحد موظفيه بالسخرية من الرئيس السابق مبارك، فقد تم الإتفاق على كل شئ مع البديل الجاهز والمستعد لتقديم كافة الخدمات والتنازلات للإدارة الأمريكية وبسعر أقل وربما مجاناً في سبيل الوصول للسلطة والإستحواذ عليها الإنفراد بها. في وقت كان على الجميع أن يتنازل عن أطماعه ورغبته في السلطة حتى تمر هذه المرحلة الصعبة بسلام وبأقل قدر من الخسائر من أجل إعادة البناء على أسس وقواعد سليمة من أجل المستقبل، لكن هناك من تعامل بإنتهازية فجة وخطف سلطة حكم غير مستحقة وإتفق من وراء ظهر الجميع كعادته، وسيدفع ثمن ذلك سياسياً وربما يدفعه في حقيقة بقاء كيانه نفسه مستقبلاً، وقد يكشف لنا المستقبل أيضاً عن آخرين كانوا يرغبون في عقد إتفاقات سرية لكنهم لم يتمكنوا من ذلك.

واقع الأمر أنه قد يكون من حسن حظ مصر أن هذا الإتفاق قد تم وزاد التعاون المشترك والمشين بين جماعة الإخوان المسلمين وبين الإدارة الأمريكية التي خانها ذكائها وسوء تقدير مراكز أبحاثها التي يبدو أنها في بعض الأحيان تبني حساباتها طبقاً لطريقة التفكير والثقافة الأمريكية وليس طريقة تفكير المواطن في مصر حيث تختلف المعايير والمفاهيم والثقافة والمصالح، أو أنها تبني حساباتها بناء على القشرة الخارجية التي عمرها ثمانون عام ولا تنظر للعمق الذي يصل لأكثر من سبعة الآف عام.

ففي اللحظة التي تتخلص فيها مصر من سطوة الإخوان على الحكم "غير المستحق لهم" ستكون هي نفس اللحظة التي تتخلص فيها مصر من التدخل الأمريكي السافر والخفي في شئونها وفرض أجندته التي بدأ في العمل بها منذ السبعينات من القرن الماضي، شريطة أن يأتي نظام حكم وطني مدرك لمتطلبات ومتغيرات العصر والتعامل معها واعياً بحقيقة الأوضاع السيئة التي وصلت إليها مصر بفضل النظام السابق أو الحالي على كافة المستويات.

ستستمر أمريكا في دعم الإخوان المسلمين رغم التصريجات التي تخرج من وقت لآخر بأنها فد أخطأت الحساب في الإعتماد عليهم ودعمهم، لأنها تدرك أنها ستخسر الكثير برحيلهم، وكل يوم تستمر فيه الإدارة الأمريكية في دعم الإخوان يتناقص رصيدها شيئاً فشيئ ويتقلص نفوذها داخل مصر حتى يأتي نظام جديد وقد تخلص من عبء التوغل الأمريكي الذي إستشرى منذ السبعينات وازداد وتوحش في عهد النظام السابق وإزداد أكثر في عهد النظام الحالي، ولكن إلى أي مدى؟

تسير الأمور والأحداث من سئ إلى أسوأ مع نظام لا يملك أقل حس من اللياقة والذوق، ناهيك عن الذكاء في التعامل مع المناسبات الوطنية والقومية الهامة أو أي شئ آخر، لنصل لواحد من أسوا المشاهد التي حدثت في تاريخ مصر على مدار أكثر من أربعين عام، عندما تم رد جزء كبير لإعتبار اسرائيل بعد هزيمتها في حرب أكتوبر ١٩٧٣، بواسطة مرسي المنتخب، حين تم دعوة الإرهابيين والقتلة، ومنهم قاتلي قائد النصر الرئيس أنور السادات، لحضور إحتفالات النصر والجلوس بالصف الأول في إحتفالات أكتوبر الأخيرة، مكرمين ومعززين وكأنهم أصاحب الفرح ومرسي هو عريس الفرح الذي دخل الإستاد مزهواً بنفسه في سيارة مكشوفة محيياً الجماهير وكان لا ينقصه سوى إرتداء الزي العسكري لقائد منتصر ليكتمل مشهد الكوميديا السوداء، ثم يستغرب البعض بعد ذلك من خطاب مرسي الذي يحمل كل مشاعر الود والمحبة لصديقه الوفي شيمون بيريز.

إستفاد الإخوان من بداية الثورة التي لم تكتمل ولو إستفادة وقتية أو مرحلية وإستفادت بشكل آخر الدول الأوربية وأمريكا وأفغانستان معهم، فالمقاتلون العرب في أفغانستان يعودون لبلادهم لشد أزر إخوانهم في الحكم أو لقتال أنظمة الحكم المستبدة الكافرة كما يحدث في سوريا حالياً أو كما حدث في ليبيا واليمن، فوجود هؤلاء المقاتلين في أفغانستان بعد إنسحاب القوات الأمريكية من هناك بمثابة صداع في رأس الحكومة الأفغانية، وهاجس للولايات المتحدة عن ماذا سيفعله هؤلاء المقاتلين بعد إنسحابهم.

ثم وبعيداً عن بسط النفوذ والسيطرة وعقود الشركات العملاقة في البناء وفي البحث والتنقيب عن البترول ببلاد (الربيع العربى)، فقد أعادت أوربا تصدير الإرهابيين إلينا مرة أخرى، قد رُدت إلينا بضاعتنا، أوطانكم الأصلية أولى بكم، تجمعوا في مكان واحد خارج أراضينا حتى يسهل إصطيادكم بدون محاسبة قانونية، إذهبوا وحققوا حلم الإمارة والخلافة بعيداً عنا، وسواء نجحتم في تحقيقه أو لم تنجحوا فستتقاتلون في نهاية الأمر ويقتل بعضكم بعضاً أو تتولى المهمة طائرات بدون طيار وهي تطير الآن في سماء الدول العربية وتمارس مهامها من فترة ليست بالقصيرة، وسيشكل المتبقي من هؤلاء المقاتلين مشاكل عند عودتهم مرة أخرى لبلادهم الذين يحملون جنسيتها، ففي أمريكا الآن نقاش وقلق حول من ذهبوا للقتال في سوريا ضد بشار الأسد من حاملي الجنسية الأمريكية.

للثورات العربية كرامات تجعل بعض ما لم تؤمن به بالأمس تتغنى وتؤمن به اليوم، مثل الإنتخابات، فمن كان يؤمن بالولاية أصبح يغني للرئاسة والرئيس المنتخب. تتردد كثيراً كلمة "الرئيس المنتخب" حتى أصبحت "كالنكتة البايخة" التي بلا معنى. لا توجد دولة بها فترة إنتقال طويلة للرئيس الذي يتم إنتخابه حتى لحظة توليه الحكم رسمياً مثل الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الثلاثاء الأول من شهر نوفمبر كل اربعة اعوام تجري إنتخابات الرئاسة الأمريكية والرئيس الفائز بالإنتخابات يحمل لقب "الرئيس المنتخب" وتتعامل معه وسائل الإعلام بهذا اللقب ويظل حاملاً له حتى الوصول للحظة قسم اليمين في العشرين من يناير وبعد يمين القسم يصبح لقبه "الرئيس" ولا يطلق عليه لقب الرئيس المنتخب بعد هذه اللحظة، لأن الرئيس المنتخب لا يحق له ممارسة الحكم ما لم يقسم اليمين ويتسلم الحكم رسميا.

بعد الإنتخابات والفوز بالرئاسة يبدأ إعداد الرئيس المنتخب وإطلاعه على الملفات والقضايا المهمة لكنه لا يزاول مهام الرئاسة ولا يذهب للبيت الأبيض أو يصحب أصدقانه للجلوس في شرفته وصالوناته، فمازال هناك رئيس آخر يدير البلاد يسكن البيت، وإذا خالف الرئيس الذي تم إنتخابه بعد تولي الحكم القانون أو ثبت عليه تهمة الكذب لا يكمل مدته مثل ما حدث مع الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون بسبب فضيحة ووترجيت، وكاد الرئيس بيل كلينتون أن لا يكمل فترته الثانية في الرئاسة بسبب الكذب وإعاقة العدالة في فضيحة مونيكا لوينسكي، وخاض فيها معركة قانونية قاسية وتمت تبرئته على أثرها وإن كان قد عوقب بعدم ممارسة مهنة المحاماة لمدة خمسة سنوات بعد إنتهاء فترة رئاسته، وواقع الأمر أنه لا يوجد لديه أي وقت لممارسة المحاماة لكثرة أعماله وتنقلاته وأعمال مؤسسته الخيرية الضخمة، رأينا أيضا أكثر من رئيس ورئيس وزراء يدعون لإنتخابات مبكرة عندما تتعقد الأمور في بلادهم وتتزايد الأزمات السياسية والإنقسامات فيسعى الرئيس الذي أتى بالإنتخاب ويحرص على مصالح بلاده ويحافظ عليها من الإنقسام بالدعوة لإنتخابات مبكرة، ولا يظل طول الوقت يردد هو وأنصاره أنا "الرئيس المنتخب" وينسى أن يضيف بإنتخابات مشكوك في صحتها وفي الطريق للوصول إليها وعليها الكثير من علامات الاستفهام.

ورغم الدعوة المستمرة لإجراء إنتخابات رئاسية مبكرة في مصر وعلى فرض أنه تم إجراءها، فمن يضمن أن تستقر الأوضاع بعدها سواء نجح أحد من الإخوان المسلمين أو من خارجها بعد كل هذه الإنقسامات التي حدثت في مصر وكميات السلاح التي تم تهريبها للداخل وأصبحت الأراضي المصرية مسرحاً وساحة تمرين مفتوحة بالمجان لتنظيمات إرهابية ولأجهزة مخابرات دول ودويلات.

وفي وسط هذه المرحلة الضبابية يخرج مواطنون إنتابهم اليأس وفقدوا الثقة في الإخوان وفي كل القوى الأخرى لعمل توكيلات للفريق السيسي لإدارة شئون البلاد، والفريق السيسي صامت لا يتكلم سواء بالإعتراض على التوكيلات أو بالموافقة عليها، وإلا فليقل لنا كم من التوكيلات يحتاجها قبل أن يتعطف علينا ويتحرك ليصلح ما أفسده المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة المشير طنطاوي، ليقل لنا الفريق السيسي كم يحتاج من التوكيلات لإنقاذ البلاد قبل أن تصل لمرحلة يحتاح فيها الفريق السيسي نفسه أن ينقذ نفسه وينقذ الجيش من غضبة شعب قد يكفر بكل شئ إذا تملكه اليأس تماماً وفقد الثقة في آخر شئ يثق فيه ويعتمد عليه. من ممن أوصلنا لهذه المرحلة إن كان بدون قصد يشعر بالندم أو يؤنبه ضميره، فليخرج ويطلب العفو والغفران والمحاسبة من الشعب، أما من كان يقصد أن نصل إلى هذه المرحلة فهذه قصة أخرى… من لديه الحل؟

محمد سعـد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق