عدو الفصل.. فيلم سلوفيني يواجه الثورة

بقلم/ أمل ممدوح
مصر : ۱٦-۱-۲۰۱۵ - ۱۲:۰۳ ص - نشر

قد يكتسب شخص عداءنا لأنه لا يروق لنا، حتى يصلح أن يكون مشجبا لتعليق كل الأخطاء برقبته وسببا مقنعا لحدوث كل شر، هذه الفكرة تناولها بشكل سلس وموضوعي في نفس الوقت الفيلم السلوفيني "عدو الفصل" إنتاج ٢٠١٣ للمخرج "روك بيتشك" في ١١٢ دقيقية مترجمة للإنجليزية، والذي عرض ضمن عروض بانوراما الفيلم الأوروبي في دورته الأخيرة والتي انتهت يوم يوم ٢٩ نوفمبر الماضي.

الفيلم حاز على ١٦ جائزة عالمية، من ضمنها جائزة أفضل عمل من أسبوع النقاد الدولي في مهرجان فينيسيا، أما عن العدو في عنوان الفيلم فهذا العدو هو مدرس اللغة الألمانية في مدرسة ثانوية في سلوفانيا، حازم وقور، يحب النظام والجدية، حدث أن تحاور يوما مع "سابينا" الطالبة المنطوية الحزينة في فصله والتي تعاني من الكثير من الضغوط النفسية والحياتية.

كان منهجه مواجهة الواقع ومساعدة طلابه على مواجهة أنفسهم، لكن ما حدث أن زاد اكتئاب وحزن سابينا بعد هذا الحوار حتى فوجىء الجميع بانتحارها، فحزن زملاؤها ثم بدأوا يحاولون المبالغة في حزنهم وفاء تقديرا لها وتعويضا لتقصيرهم في حقها، وبدأت تتكشف أمور يبدو منها كم اللامبالاة وعدم المشاركة التي تعاملوا بها مع سابينا حين كانت بينهم، لكنهم بدلا من تحمل ذلك بدأوا يسقطون ذلك الشعور بالذنب والتقصير تجاهها على السبب الأسهل والأقرب لتفريغ شيء في نفسهم وهو ذاك المدرس "مستر روبرت زوبان" ويسمونه بالنازي، بينما كان يحاول الاستماع لهم ودفعهم للتنفيث عما يشعرون تجاه زميلتهم المتوفاة، لكنهم كان كلما مضى الوقت وافتقدوها زاد إحساسهم بالذنب وإحساسهم بالرغبة في التخلص من ذلك بإسقاطه على مدرسهم غير المحبوب.

بل إنهم تطرفوا ولاموا مدرستهم المحبوبة محملين إيها المسؤولية أيضا لأنها لم تكن موجودة في ذلك الوقت، يستمرون في التطرف فيهاجمون مدرسهم ويتمردون عليه ويتركون حصته ويحاولون الضغط على أعصابه بإثارة إحساسه بالذنب مستعينين بقوة ضغطهم الجماعي وتكتلهم كمجموعة، وقد نجح الفيلم في تجسيد التصاعد في هذا الأمر سواء في مواجهتهم له بما يرون في الإذاعة المدرسية، حيث الصوت العالي والعلانية وسيلة ضغط نفسي، أو ارتدائهم جميعا ماسكات أو أقنعة لوجه "سابينا" فيفاجأون بارتدائه معهم أيضا، ويستمر الوضع في ازدياد حتى يتم التحقيق معه ويستعد لمغادرة المدرسة ليواجههم قبل ذهابه بأن يتعاملوا مع الواقع بشجاعة أن الحياة لا تؤخذ بهذا التطرف فهي ليست إما أبيض أو أسود، وهنا يسود الصمت فهي الحقيقة الخيرة التي تبقى وتطفىء شعلة من وهم، فالأمور كما يرينا الفيلم لا تؤخذ دائما بظواهرها، فقد يكون المجموع على باطل والعدو المخترع وإن بدا فظا هو المظلوم والأكثر صدقا، في المشهد الأخير تطوف روح سابينا بينهم كما كانت غريبة لا يشعرون بها فتنظر للبحر وهو المشهد الخارجي الوحيد، وكأنها تفكر في الانتحار من جديد، فالحقيقة أن الجميع شركاء فيما حدث لها.

قدم الفيلم فكرة تكون التطرف وإن كان مستندا على وهم ومغالطة وعدم قدرة على المواجهة، وتغذيتها بالتكتل الجماعي والثورة الجماعية كما تكبر كرة الثلج حين دحرجتها على الجليد، وقد تجرح وتسبب الحوادث لكنها تبقى مجرد ثلج، فهي ثورة مجانية نشأت من فراغ وبه امتلأ حجمها، قدمها الفيلم بشكل جيد خاصة حين جعل شخصية المدرس الجادة المتحفظة والمختلفة عن غيرها، ربما تكوّن انطباعا سلبيا لدى المشاهد لكن رغم ذلك لم يكن هو المسؤول عما حدث ولا المستحق لكل هذه الإدانة، بل على العكس بدأنا نرى جانبه الآخر من صبر حكيم على التلاميذ ومحاولة مناقشتهم في رؤيتهم هذه وإن كان قرر أخيرا الانسحاب من المدرسة إثر هذا الغضب، ليخجلهم في النهاية بحجته الهادئة فلا يستطيعون ردا، لتتحول تدريجيا نظرة المشاهد له من التحامل حتى التعاطف والاستياء من قسوة التلاميذ وهنا تكمن براعة حبكة الفيلم المتقنة.

اسم الفيلم نفسه بالمقارنة بما نستكشفه موح بمدى إمكانية الظلم بمناصبة العداء لمن لا يستحق وإن كان فيه بضع صفات سلبية، وقد برع الممثل "إيجور ساموبور" في دوره "مدرس اللغة الألمانية" واستطاع أن يملأ دوره تماما بشكل مقنع جذاب الأداء بشكل قوي صارم هادىء لحد البرود كما يوجب الدور، أحيانا يخفي ما يعتمل داخله وهو مطلوب في بعض مراحل الفيلم وفي أحيان أخرى نشعر بما يخفيه، كما كانت الممثلة "داشا كوبفسكي" المؤدية لدور "سابينا" شديدة الحضور حتى بعد غيابها بالانتحار، موحية بطبيعة شخصيتها وظروفها وإن لم نعرف عنها شيئا بعد، فتعبيراتها متأزمة توحي بحياتها، وكذلك كان مزيج شخصيات الطلبة طبيعيا مقنعا في تنوعه وتلقائية أدائه، ساعد على تألقهم جودة فكرة الفيلم ورؤيته واتزان إيقاعه.

أمل ممدوحEgypt, Cairo Governorate

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق