عبودية الزمن الرخيص

مصر : ۲۲-۱-۲۰۱٤ - ۱۱:۳۹ ص

أنا متأكد من أن الكثير ممن يتابع تطورات الشؤون العامة المحلية في الجزائر قد لاحظ مدى الفساد الذي آلت إليه الأمور، زمان كنا نكتفي بالدهشة من ما تبثه اليتيمة من تملق رجال الدولة من الوزراء والرسميين لأسيادهم الذين يتحكمون في خيوط صناعة القرار في هرم الدولة، أما اليوم ومع الإنفتاح الإعلامي الذي تشهده البلاد، انكشفت الكثير من الرداءة التي لم نكن نتوقع أن نصل إليها نظراً للتاريخ الشعبي العميق المليء بالشهامة والأنافة.

فقد أدهشنا معظم من يشارك في الحياة العامة من رسميين ونواب برلمانيين ونواة المجتمع المدني كرؤساء الأحزاب والجمعيات ومن الإعلاميين، بتملق غير مسبوق، حيث يطلقون التصريحات من أشهر وارخص المنابر الإعلامية، متحدثين عن الولاء للزعيم عوض الولاء للوطن وهو الواقع المرتبط مباشرة بالمرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد في صورة تنذر بعبودية عصرية مرادها الحفاظ على المصالح الشخصية.

ومن مظاهر هذا التملق أو كما يطلق عليه من طرف الجزائريين "الشيتة"، نرى اللاعقلانية السياسية في رئيس حزب يسمى بالعتيد يصر على تزكية ترشح رجل لم يعد يقوى حتى على مخاطبة شعبه، وهي نفس الحكاية مع أغلبية الأحزاب التي تشكل المسرح السياسي، أو عفواً المسرحية السياسية الجزائرية، التي يعد بيت قصيدها أن الجزائر الدولة الوحيدة التي لا تطمح فيها الأحزاب للوصول إلى السلطة.

وعن مظاهر التملق الإعلامي المصلحجي، فقد تجلى ذلك في حفل الكرة الذهبية لجريدة معينة، فكل من شاهد الحفل على المباشر قد تفاجأ واحتار عندما منحت هذه الجريدة لقب أحسن جمهور لرئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، ولا تكمن الغرابة في منح جائزة معينة لشخص معين أي كان، بل في تكييف جائزة من المفروض أن يكرم بها المناصر البسيط، الذي يدفع معادلة ثمن التذكرة زائد الضرب زائد عدم توفير الأمن زائد عدم توفير أدنى شروط الراحة زائد المستوى المتواضع للمقابلات، لتعطى الجائزة في الاخير لفخامته حتى تكون "شيتة" مسك الختام لسنة ٢٠١٣.

وفي سياق جد متصل، تحضرني قصة تتصل مباشرة بما تمثله هذه الجماعات التملقية المصلحجية التي أصبحت لا تخجل في ممارسة الشيتة "جهاراً نهاراً" بينما تتغنى بالاحترافية والمهنية، في شكل جديد من العبودية الفكرية والثقافية التي هي أكثر خطورة من العبودية الجسمانية المادية التي تمتلك الجسد ولا تمتلك النفس، ورجوعاً إلى التاريخ حكي "ملكولم اكس" قصة ذات معنى عميق جداً، ذكرها هذا الرجل العظيم في أحد خطاباته، حيث قال:

عليكم أن تقرأوا تاريخ العبودية لتفهموا هذا، كان هناك نوعان من الزنوج -ويقصد بهم العبيد المضطهدين في أمريكا ذاك الوقت من ذوي البشرة السوداء- كان هناك زنجي البيت وزنجي الحقل.

زنجي البيت يعتني بسيده، فإذا خرج زنوج الحقل عن النظام كان زنجي البيت يمسكهم، ويسيطر عليهم ويعيدهم إلى المزرعة، وكان يستطيع ذلك لأنّه كان يعيش أحسن حالاً من زنوج الحقل، كان يأكل أحسن منهم، ويلبس أحسن منهم ويسكن في بيت أحسن. كان يسكن فَوق بجوار السيد في الدور العلوي، أو السفلي. كان يأكل نفس الطعام الذي يأكله السيد، ويلبس نفس اللباس، وكان قادراً على التكلم مثل سيده بأسلوب وبيان جيد. وكان حبه لسيده أكثر من حب السيد لنفسه. ولذا لا يحب لسيده الضّرر، وإذا مرض السيد قال له: ما المشكلة سيدي؟ أمريضون نحن؟ وإذا اشتعل حريق في بيت السيد، حاول أن يطفئه لأنه لا يريد أن يحترق بيت سيده، لا يريد أبداً أن تتعرض ممتلكات سيده للتهديد، وكان يدافع عنها أكثر من مالكها. هكذا كان زنجي البيت.

لكن زنوج الحقل الذين كانوا يعيشون في الأكواخ، لم يكن لديهم ما يخشون فقدانه، فكانوا يلبسون أردأ اللباس ويأكلون أسوأ الطعام ويذوقون الويلات ويُضربون بالسوط، وكانوا يكرهون سيدهم بشدّة، فإذا مرض السيد يدعون الله أن يموت، وإذا اشتعل حريق في بيت السيد، كانوا يدعون الله أن يرسل ريحاً قويّة. كان هذا هو الفرق بين الصنفين، واليوم مازال هناك زنوج البيت وزنوج الحقل… وأنا من زنوج الحقل.

ما جاء به خطاب هذا الرجل العبقري ما هو سوى شرح للفرق بين الحر والعبد. إذا أسقطنا هذين النوعين على حالنا اليوم فإننا سنجد أن الحكومة التي تتحكم اليوم في وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة وجماعات الضغط والمجتمع المدني تمثل زنجي البيت، بينما أتمنى أن يمثل كل من يقرأ هذا الجزء من تاريخ العبودية "زنجي الحقل".

حميدي رياض الجزائر

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق