عرض كتاب: الليبرالية المتوحشة

بقلم/
مصر : ۱۳-۱۰-۲۰۱۰ - ۱۱:۲۵ ص - نشر

عرض كتاب: الليبرالية المتوحشةالليبرالية المتوحشة – ملاحظات حول التوجهات الجديدة للرأسمالية المعاصرة. تأليف: د. رمزي زكى. الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب. عدد الصفحات: 328 صفحة.

تصاعدت في الآونة الأخيرة الدعوات لتطبيق الأفكار الليبرالية في مختلف مناحي الحياة، لاسيما في السياسة والاقتصاد. ويجيب المؤلف خلال هذا الكتاب عن مجموعة من التساؤلات التي تتبادر إلى الأذهان مع تنامي الصيحات المنادية بالعولمة والرأسمالية، موضحاً أن لهذه الأنماط صورا متباينة تتجاوز التجارب الاقتصادية الحالية، إلى أشكال أخرى تتعلق بالحقوق والممتلكات العينية والمعنوية.

كما تشمل حق التعبير والفكر، والتمثيل النيابي، والمشاركة في صنع القرارات، والتعددية الحزبية، بجانب تكوين النقابات والجمعيات الأهلية والشعبية وتوسيع دور المجتمع المدني، مع ضرورة عدم الإغفال عن مزايا الرأسمالية، وتنفيذ الخطط الإيجابية للعولمة، لرفع معدلات الإنتاج ونشر التنمية.

تحولات رأسمالية

يتتبع الكاتب تاريخ وظروف نشأة الليبرالية الاقتصادية، حيث يرجع ظهورها إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر, وتحديدا في فترة الثورة الصناعية, إبان تحول دول القارة الأوروبية من المجتمعات الإقطاعية إلى الرأسمالية الوليدة، وما تلا ذلك من تعرض النظام الرأسمالي الجديد إلى هزات كبرى على الصعيدين المحلى والعالمي، منذ فترة السبعينات من القرن الماضي وحتى الآن.

ولعل النظام العالمي الجديد صار يحمل الكثير من المفارقات بين التيارات الاقتصادية، وصراعات الرأسمالية مع السياسات "الحمائية" للأسواق لمنع الإغراق والاحتكار، بينما تظهر بين الحين والآخر أزمات لا يمكن الابتعاد عن جوهرها المادي، حيث تتألم الكثير من الشعوب الفقيرة من ارتفاعات الأسعار وتفاقم الديون وسيطرة رأس المال أحيانا على القرارات السياسية، لتطفو أشكال جديدة من الاحتلال الاقتصادي بشركات أجنبية أو خطط خارجية لامتصاص الثروات الطبيعية للدول النامية.

لهذا فقد اصطلح بعض المؤرخين تعبير "الليبرالية المتوحشة" عن الفترة الراهنة بسبب رفع المروجين لها لشعارات الرأسمالية من خلال السعي لغزو أسواق واقتصاديات العالم النامي، لالتهام مقدراته، وتحويل مدخراته واحتياطاته إلى خزائن البنوك الغربية ولتنمية البورصات الأجنبية، ليزداد دول الشمال وأوروبا وأمريكا ثراء على حساب فوائض وإمكانيات شعوب الجنوب، لتبدو الليبرالية في صورتها الرأسمالية كمؤامرات لاستنزاف استهلاكي وصناعي للمواد الخام من الدول الفقيرة وحتى للثروات البشرية، خاصة المخترعين الذين لا يجدون بالمجتمعات النامية الاهتمام المنشود.

ومن المعلوم وجود اختلافات جذرية بين التأميم والخصخصة، والبعدين الاجتماعي والرأسمالي في السياسات النقدية والمالية للدول، وتحرص معظم الحكومات في قراراتها السيادية على عدم غرق شعوبها في أمواج الليبرالية المتوحشة، حتى في الغرب، حيث تصرف إعانات وتأمينات للعاملين وحتى للعاطلين.

وفى الولايات المتحدة ذاتها كأهم معاقل الرأسمالية المعاصرة، يخشى الرؤساء مع تعاقب الإدارات في واشنطن نبرات الاحتجاجات الداخلية والمظاهرات التي تنطلق ضدهم بسبب قضايا اقتصادية تتصدرها في الغالب معدلات التضخم والتشغيل، ومخصصات الميزانية الموجهة للرعاية الصحية والخدمات والتعليم، ليتحول الشعب الأمريكي بنوابه أحيانا لمحاسبة رئيسهم عن كيفية صرف أموال الضرائب.

ديمقراطية اقتصادية

ويركز المؤلف على ما أفرزتها الرأسمالية من تيارات اقتصادية وصراعات طبقية، وتحجيم لدور الدولة مع شيوع خطط الخصخصة وتحرير التجارة وفتح الأسواق للواردات السلعية من الخارج.

ورغم ما نتج عن تلك السياسات من تنمية صناعية وظهور الأثرياء والمليارديرات، فقد أغفلت بعض الحكومات عن تناقض ما تنتهجه من خطط عبر تاريخها فما تم تأميمه لصالح الشعوب يتم بيعه دون محاولة لإنقاذه من براثن المفسدين، ولهذا تخسر كثير من هذه الصفقات وتهدر الأموال الناتجة عنها، ولا تستطيع تلك الدول أحيانا السيطرة على القطاعات الاقتصادية التي تحولت إلى قلاع خاصة، يفرض فيها رجال الأعمال كلمتهم وأسعارهم على الأسواق.

لكن بعض الدول نجحت في تلافى سلبيات الليبرالية وأخطاء الخصخصة من خلال استخدام القوانين والتشريعات لمكافحة شراسة الرأسمالية، وتوجيه الموارد الشعبية نحو الإنتاج والتشغيل وتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وإعفاء الطبقات الكادحة من الضرائب وزيادتها على الأثرياء وتوجيهها للخدمات والرعاية الصحية، وضخ الاعتمادات التموينية لتقديم السلع في الأسواق بأسعار معتدلة، والضرب على أيدي المفسدين، من خلال قرارات ترشيد الاستثمار، وفتح الطريق للمنافسات لصالح المستهلكين من الفئات محدودة الدخل.

أما أزمة الرأسمالية في المرحلة المعاصرة فتعود إلى ضخ السيولة دون وجود غطاء إنتاجي لها، مما يرفع حجم التضخم والأسعار، كما أن غياب الرقابة لدى الأسواق في بعض الدول، يجعل القطاع الخاص يرتكب أخطاء عديدة تشوه من توازنات السوق بتخزين السلع لرفع أسعارها، أو توجيه الاستثمار للأنشطة الكمالية والترفيهية بدلا من الإنتاجية، وقد يرفع رجال الأعمال من مستويات الأسعار إلى نظيراتها بالقطاعات السياحية دون مراعاة للفقراء والمواطنين العاديين.

وتصب الضرائب السيادية واعتمادات التكافل الاجتماعي والاستثمارات الأجنبية في الداخل كلها في صالح التنمية للطبقات المحرومة والفقيرة، إذا ما تم تقويمها وتوجيهها بشكل صحيح دون إجحاف لمحدودي الدخل، مع مراعاة تشجيع الأثرياء على إقامة المشروعات العملاقة لتشغيل الآلاف أو مشاركة الدولة في شركات وطنية تحمل مزايا القطاعين العام والخاص.

تجارب متباينة

ويسرد الكاتب مجموعات من التجارب المالية والاستثمارية لبعض الدول ومنها مصر، حيث تضخمت عليها الديون الخارجية، لدرجة إفلاس الخزانة منذ حوالي خمس وعشرين عاما، فقام الرئيس المصري حسنى مبارك بإصلاحات جوهرية في قطاعات الإنتاج والتنمية استصلح من خلالها الآلاف من الافدنة أقام مجمعات صناعية وقرى سياحية، أعطت الاقتصاد موارد جديدة ومتنوعة بجانب تحديثه لقناة السويس، ومشروعات موانئ بور سعيد والساحل الشمالي، وزراعة منطقة توشكي الجنوبية.

ولعل التجربة الأمريكية الراهنة تحمل العديد من المفارقات، حيث اقبل القطاع الخاص على مشاركة الدولة في مشروعات عملاقة رفعت الاستثمارات الداخلية بنسبة 40%، وقلصت حجم الكساد الاستهلاكي، لكنها في الوقت نفسه رفعت اسهم الشركات الكبرى، وجعلت البيت الأبيض يشكو من تضخم الأسواق بالسلع المحلية والأجنبية، وبدأت واشنطن في تطبيق سياسات متنوعة لتدوير عجلة إنتاج المصانع الحربية وصلت لدرجة وضع الصفقات العسكرية الضخمة في نطاق المفاوضات التجارية بمناطق التوتر بالعالم مقابل ضمان الأمن الإقليمي, فيما يعرف يتسييس الاقتصاد الدولي.

وعلى الجانب الآخر نجح الأوروبيون في تأمين مراكزهم المالية بمنطقة اليورو عن طريق عقد صفقات طويلة الأجل للنفط والغاز الطبيعي، ولجلب الذهب والماس من أفريقيا، وعززت فرنسا من دور مجموعة الفرانكوفونية للدول الناطقة باللغة الفرنسية على الساحة الاقتصادية بالقارة السمراء، واستطاعت روسيا الصعود بقوة بعد فترة الترنح التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي باحتياطات هائلة من بترول بحر قزوين، ومد شبكات تصدير الغاز الروسي لأوروبا، ووجود رصيد ضخم من سبائك الذهب لدى الكرملين.

وتبدو للعيان ما ظهر من صراعات اقتصادية بين الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، ودخلت معهم الصين بقوة في سجال على السيطرة على التسويق بأقطار ومناطق كثيرة، حيث أصبحت أوروبا قلاع استثمارية يصعب منافستها، لتحقيقها معدلات نمو فاقت الـ10% سنويا، بينما أرباح شركاتها تضاعفت بنسبة 50%، ونتيجة هذا تهرب سنويا رؤوس أموال أمريكية لأوروبا بمعدل 150 مليار دولار.

كما يتوقع الخبراء أن تكتسح أوروبا الأسواق الأمريكية، وتليها الشركات الصينية التي تسير بخطط طموحة من الجنوب للشمال، ولم تترك حكومة بكين أي باب للاستثمار، إلا وطرقته بقوة حتى أدغال أفريقيا نجدها تضع أيديها على منابع النفط في السودان ونيجيريا.

التكتلات المالية

توجت القارة الأوروبية جهودها بالاتحاد الذي جمع دولها على خطط التنمية المستدامة، وتنفيذ مشروعات لإزالة الحواجز والقيود وفتح الأسواق الإنتاجية والاستهلاكية على حد سواء، وطفت على سطح الساحة الشركات المتعددة الجنسيات لتبدو على الصعيد العالمي، كمؤسسات محترفة في المضاربات بالبورصات، وفى عقد الصفقات، وإبرام العقود مع الحكومات ضمن اتفاقيات الشراكة.

وبات واضحا الآن وجود توازن سياسي دولي بين القطبين الأوروبي والأمريكي في المصالح، لكن التفوق التنموي لصالح الغرب الأوروبي، خاصة مع نجاح منطقة اليورو في خطف الصفقات النفطية بمنطقة الخليج العربي، بينما تفوقت اليابان على دول جنوب شرق آسيا مجتمعة في صادراتها الخارجية التي وصلت لحوالي خمسة تريليونات دولار، وحافظت دول تكتل ما يعرف بالنمور الآسيوية على نسب إنتاجها وتسويقها، ونجحت في التعافي من تداعيات الزلازل وموجات المد "تسونامى"، وتشمل كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا وتايوان واتسعت خططها الاستثمارية ونطاقها التنموي لتضم مشروعات في سنغافورة وتايلاند والفلبين.

وأخيرا سطعت شمس التنمية المستدامة على الأقطار المصدرة للنفط بالخليج العربي من خلال مجلس التعاون لتكون في مصاف الدول الغنية بالموارد المتجددة، والقادرة على تنمية إمكانياتها، وضخ الاستثمارات في البورصات، ولا تزال السيطرة على الأسواق البترولية في أيدي دول منظمة أوبك التي اغتنمت الكثير من المكاسب نتيجة تنوع فوائضها الزيتية ووضعها اتفاقيات مع العديد من المناطق في مقدمتها دول أمريكا اللاتينية، والكاريبي والباسفيك، ومجموعة دول جنوب شرق آسيا آسيان.

من هنا نجد أن التنمية الرأسمالية يجب ألا تغفل خططها عن البعد الاجتماعي حتى لا تتحول إلى ليبرالية متوحشة تلتهم ثروات الشعوب وتحول مكاسب القطاع العام لصالح رجال الأعمال ليصيروا اقطاعيين، حيث تنبهت الدول الغربية لحقائق مهمة تتعلق بكيفية إحداث التوازن بين السياسات المعولمة، طبقا للرأسمالية، وخطوات الانفتاح الإيجابي، للصعود بالقطاعات الإنتاجية والتسويقية المحلية للعالمية، وعدم الانغماس في الصراعات التجارية التي تفرز خسائر للحكومات وتنعكس على زيادة التضخم والكساد والجريمة.

أحمد حسين الشيمي مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق