معارض الكتاب بين مخاوف الناشر وحيرة المؤلف

معارض الكتاب بين مخاوف الناشر وحيرة المؤلف

ألقت جائحة كورونا بظلالها على المشهد الثقافي بالعالم، فبعد إقرار غالبية الدول بمنع التجمعات والتظاهرات أصبح من غير الممكن إقامة المزيد من المحافل الثقافية والجلسات الأدبية، وكنتيجة حتمية إلغاء معارض الكتاب في مختلف الدول.

وحتى أقدم تصوّري للقارئ كاملاً أجد نفسي، في هذا المقال، أرتدي عباءة الكاتب تارة، وعباءة الناشر تارة أخرى. تكيّف الناشر الأجنبي، وهاجس إفلاس الناشر العربي، إن حديثي عن دور النشر الأجنبية ممثلة في دور النشر التقليدية Traditional Publishers وليس الدور الحديثة التي تنتهج ما يعرف بإسم Hybrid Publishing، ذلك أن هذا النوع مبني على دفع الكاتب مبلغا من المال مقابل توفير خدمات النشر الأولية، مثل تصميم الغلاف الخارجي والإخراج الفني واستخراج رقم الإيداع القانوني وأخيرا نشر الكتاب عبر منافذ البيع الإلكتروني.

بالنسبة لي، وللعديد من المؤلفين الذين عرفتهم منذ انضمامي إلى منظمة المؤلفين الأكاديميين الأمريكية، فإن هذا النوع من المؤسسات تجاري بحت، وعلاقته مع المؤلف مبنية على تسليم كتاب بمقابل مادي، دون تقديم أي من "خدمات ما بعد النشر" مثل المرافقة الإعلامية الجادة والإشهار الفعلي.

بهذا ينحصر الكلام حول دور النشر التقليدية، التي تقوم إضافة لهدفها التجاري بحكم كونها مؤسسة، بما يعرف "بالاستثمار الثقافي". والملاحظ أن هؤلاء الناشرين قد تأقلموا سريعا مع تبعات الوباء العالمي، وراحوا يستغلون ما توفره حكوماتهم من دعم، وما قدمته الإنترنت من أسواق مفتوحة على العالم.

فدور تقليدية مثل كوهلر أو Tck التي جمعتني دردشة سريعة مع مدير التحرير لديها، ركزت جهودها للتقرب من المؤلف والقارئ أكثر، من خلال سياسات تسويقية حديثة وناجعة، كالتسويق بالمحتوى والإعلانات المستهدفة والتخفيضات المدروسة. هذا إضافة لمساهمة الحكومات الأجنبية في تخفيف أثر الجائحة على المؤسسات والشركات، وهو ما يتجلى على سبيل الذكر في الإعفاء من أو خفض الضرائب الروتينية، وكذا توفير سبل السداد الإلكتروني والشحن السريع لطلبات الزبائن.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
من فات قديمه تاه في مكتبة الإسكندرية

بالمقابل، نجد الناشر العربي بشكل عام يتخبط بين قائمة مؤلفين يحلمون بتبني إصداراتهم من طرف الناشرين، وعدم توفر حلول بديلة للكتاب الورقي، وصعوبة توزيعه. الدعم الحكومي الباهت واعتماد الدور العربية لنمط تسويقي متقارب مبني على البيع من خلال المكتبات أو معارض الكتاب وغياب استراتيجيات تسويقية حديثة، أدت بأغلب الناشرين إلى نهايات مؤسفة، مثل توقيف النشاط نهائيا أو بشكل مؤقت، أو رفض مقترحات نشر جادة تخوفا من عدم رواجها في ظل الظروف الراهنة.

وبين هذا وذاك يتخذ كل من القارئ والمؤلف موقف الضحية، فمتن المؤلف جاهز للنشر، والقارئ ينتظره، أما الحلقة بينهما فمفقودة لما أسلفت ذكره.

المؤلف العربي.. ذهنيات تحتاج إلى تغيير عاجل

ينقسم المؤلفون، بعد طرح مؤلفاتهم، أقساماً.. فمنهم من "يكتب ويتناسى"، فلا يهتم بالحضور الإعلامي أو تقارير المبيعات، فهذا قد أوكل أمره إلى الناشر من البداية وليس لنا حديث عنه. ومنهم من يمارس تلك العادة في ترصّد المناسبات الثقافية الكبيرة لطرح كتابه، مثل معارض الكتاب الدولية، وهو ما أجده كتما للإبداع، ورهنا له بحدث لا يلبث أن ينقضي. والمفروض أن للكتاب بهيبته وقدسيته لا تحدّه رقعة جغرافية، ولا يحكمه زمان، فهو بذلك إن جاز القول "متحرر" من كافة الضوابط الزمكانية، فلا تحكمه غير سلطة الناشر، وعين الناقد، ويد القارئ.

ومن المؤلفين أيضا من يجتهد في التسويق لنفسه بأساليب تقليدية بحتة، وإن تحدث عن التكنلوجيات الحديثة اختصرها في جميعها في إعلانات فيسبوك الممولة. تلك التقنيات النمطية قد انخفض أداؤها منذ ظهور الوباء، فلا تظاهرات في الأفق، والإطلالات الصحفية قد قلّت، والمكتبات كثير منها أغلق أبوابه، ولم يعد بعد ذلك من حل عدا التوجه نحو ممارسة التسويق بتقنياته الحديثة، والنشر الإلكتروني، وهنا يحضرني مثال لموقع أجنبي بُرمج خصيصا لوسم توقيعات وإهداءات المؤلفين على كتبهم الإلكترونية، ومن ثم إيصالها إلى القارئ، وهو حل، على الرغم من غرابته، يبدو من خلال إحصائيات الموقع المذكور أنه لاقى قبولا واستحسانا واسعين.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الكل صدق إلا واحد

ختاما لقد أبان كورونا عن تأخر الدول العربية بشكل عام عن نظيرتها الأوربية والأمريكية في المجال التقني، وَوضع الحكومات العربية في زاوية ضيقة يأمل المواطن العربي الخروج منها بحلٍ مرضٍ، وبين هذا وذاك يبقى على جمهور القراء والمثقفين واجب التأقلم مع التغيرات الحاصلة والسعي للتطوير والإنتاجية والعمل بجهد أكبر إلى أن تنقضي الأزمة كما نأمل جميعا.

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x