مي زيادة الشعلة الزرقاء

مي زيادة الشعلة الزرقاء

الأديب ملك الأدب وفي يد الأدب حياة الأديب وموته، حيلة الزمان وأميرة البيان، نادرة الدهر، والدرة اليتيمة، ألقابٌ عديدةٌ متنوعةٌ تُوِّجَت بها "مي زيادة" بل أضحت في لحظة ما "كعبة" الأدب وحرم الأديب المُضطهد، وملاذ العاشق المجنون، "فمي" أديبة على هيئة خرافة رائعة جدًا استطونت النفوس وسحرت الألباب وأخذت بيد العقول إلى الجنون، وراودت الروح عن ذاتها وماهيتها المجنونة، وأديبة العصفورية تابوتًا كان يشيع الزمان به محبوبته، لولا نبوءة الأدب ومعجزة الحب لدى السم في روحها حد الموت، ولكن قُدِّرَ لها أنْ يكون الأدب عكازها في زمن البتر؛ لتطير إلى مصيرها كفراشة تعشق الاحتراق وتضحى شُعلةً زرقاءَ لا يزول نورها ولا يدرك مداها.

فراشة الأدب العربي..

غدت مي زيادة سيدة عصرها ليس بما تقدمه من أعمال أدبية فقط، بل من خلال تغلغلها بالمجتمع وجمعها الثقافات المختلفة، وكنه اللغات المتنوعة، فقد أقدمت على عمل سبقت به أدبيات زمانها، صالونها الأدبي الذي وصفه طه حسين بأنه صالون ديمقراطي مفتوح، غدا محطَّ أنظار العالم العربي والغربي، فرواده من أعلام الأدب العربي ومن فلاسفة الغرب وأبرز مستشرقيه.

في وقت كانت المرأة فيه ترزح تحت قيود المجتمع، كانت "مي زيادة" كالشمس تتألق وسط عصر رجولية توافقهم تارة وتعارضهم مرات كثيرة، فقد تميزت بنبوغٍ لا مثيل له وفراسة وذكاء جعلها تطلع مبكرًا على كنوز التراث العربي والغربي بعدما أتقنت لغاتٍ خمس وتمرَّست بالعزف والفنون، وتنقلت بين ربوع مختلفة لم يهدأ الشغف الثائر بروحها سوى بالكتابة.

فتجدها عرجت على الكثير من الأنواع الأدبية بل ذاع سيطها وأتقنتها حتى تفوقت على نفسها "فمي" صاحبة المقالات المبهرة والقلم الجريء واللغة القوية والأفكار الثابتة فتناولت العديد من القضايا التي لا تهم المجتمع بذاته بل تهم البشرية بأكملها وذلك عندما تحدثت عن الحضارة وعوامل تطورها وعن المساواة التي عرفت مفاهيم عميقة كالفوضوية والاشتراكية والديمقراطية؛ حتى نرى الكاتبة مؤمنة إيمانًا صريحًا بالفكر الاشتراكي.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
عفواً سيدي

عدا عن مقالات مي المتنوعة كان للمرأة زاوية خاصة كتبت بها مي محرضة إياها على الحياة، وكان ذلك جليًّا في كتاب "سوانح فتاة وغاية الحياة" و"ظلمات وأشعة" أدب من المرأة إلى المرأة.

وأحيانا نرى "مي زيادة" المؤرخة الناقدة أديبة من الطراز الأول متفردة باحثة ثاقبة النظرة دقيقة القراءة والبحث، واسعة الأفق لنساءٍ سبقْنَها كتبت سيرتهن بقلمها الفائض حبًّا وإعجابًا بهن، بل تعترف لهن بتطويرها وإنقاذها في كثير من الأحيان، بل عملت على نقدهن وتقويم مسيرتهن؛ ليكونن بمثابة منارة لا تشوبها شائبة أدبية لنساء قادمات ككتاب "وردة اليازجي"، و"عائشة التيمورية"، و"باحثة البادية" أما مي المترجمة والشاعرة والروائية، فتجلى ذلك في أعمالٍ ثلاث: أزهار الحلم ديوانها الشعري الوحيد بالفرنسية ديوان أقل ما يقال عنه ديوان أنثوي أنيق، وروجوع المرجوحة، رواية وحيدة ولكنها من أنفس ما تركت مي، وابتسامات ودموع، الترجمة الوحيدة التي قدمتها للمكتبة العربية.

أما نوعها المفضل جعلته أسلوب حياة ومدينة أفلاطونية تهرب منها من واقعٍ كدَّس على روحها الكثير من الأثقال فتراها ترأسل الحبيب القابع في المجهول، وتارة تكتب لحبيب تفتك به الغيرة ولآخر مريض بها. وتكتب لنفسها بعاطفة الأمومة، والمعلمة والمظلومة.

تعتبر مي زيادة من رواد التجديد بأسلوبها المتفرد فهي لم تعتمد التقليد أو المحاكاة، بل هي جمعت عناصرها السرية وأفضل مكونات اللغة وتأثيرها من الثقافات المختلفة، من جانب آخر ترى أسلوب "مي" يشبه روحها، أسلوب ناضج وبسيط وجميل يتصف بالاتزان والجزالة العفوية مع الكثير والكثير من الذكاء المكون الخفي بكل أعمالها.

وإذا تتبعنا أسلوبها بشكل دقيق تظهر لنا مي المعمارية الأديبة فهي تعتمد العرض المنطقي والهندسية لما تطرحه مبررة هذا الطرح بحجج ودلائل منطقية، وكأنما أمام صرح معماري ولكن من الكلمات، مثلًا عندما تحدثت عن اللغة وعوامل تطورها وضعفها في كتابها "المد والجزر" كما أنها تستخدم طريقة السرد التسويقي من خلال وصف الفكرة، وإسباغ الألفاظ الكثير من الإيحاءات الخفية؛ كما في رواية "رجوع المرجوحة”.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
ثقافة الخوف

كما نلاحظ إيرادها الحكمة في أغلب مقابلاتها وكأنها تصب كل ما تعلمته في الحياة في هذه الجمل القليلة.

ولأن مي زيادة أديبة عصرها كان كلامها موجه لكافة الناس بطبقاتهم المختلفة، أما عاطفتها المتوقدة وأسلوبها الغامض وألفاظها الروحية كلها متكاتفة في مقالاتها الفلسفية، وهنا يتضح تأثر مي بالفلسفة الغربية كأمثال نيتشه.

مي زيادة بين التوهج والأفول..

ولأن الحياة تخنق كل من ينفذ إلى أغوارها وتتفنن بقتله ألف مرة قبل أن يموت، فقتلت مي بأعجب الطرق، فعندما لم يبقَ أديب في زمانها إلا وهام بها واكتوى منها بلوعة الحب فعشقها أرباب الفكر والأدب، وهواها رواد الطرب والفن، وتدلل لها زعماء السياسة ووجد بها رجال الدين حتى نرى أنهم يسطرون بها ولها روائع الأدب العربي، وأنفس وأجود ما كتب كما في مؤلفات الرافعي: أوراق الورد، والسحاب الأحمر، ورائعة العقاد برواية سارة فأبدع بوصفها، وأحمد شوقي، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والكثير الكثير منهم.. حتى حامت شبهة الإغواء حول رقبتها، بل جعلها ذلك عدوة النساء الأولى.

ولأن الأدب فخ النساء عند أول انزلاقة لها جحدوا بها وكفروا بحبهم ونسوها بل شنوا حملة ضدها وكأنه العصفورية التي زجت بها، كان سبيل خلاصهم وهنا يتداعى سؤال خطير جدًا: ماذا كانت تخفي مي في أروقة صالونها الأدبي؟

ولعل أهم أسباب أفولها ارتضائها بالدور الضمني الذي فرضه المجتمع عليها فلم نرَ دراسةً نقدية عن كاتب معاصر لها وهي تمتلك فطرة نقدية فذَّة جدًا، بل لم تسطر ديوان شعري بالعربية رغم مقدرتها، ربما يكون السبب خوفها الشديد من تنافس ونزاع يؤدي بها مطرودة من الساحة الأدبية.

فرغم مكانتها الذهبية وكثرة محبيها أضحت لأسباب مجهولة فريسة الطموح والغدر، بل سجنت مع المجانين، ولم يَهُب لنصرتها أحد، فكانت بلحظة ما أديبة بغضتها النساء رغم أنها عاشت في سبيلهن وعمل الرجال باستماتة على التخلص منها.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الكل صدق إلا واحد

ولكنها رغم محنتها قدمت أدب العصفورية التي كشفت فيه عن حقائق خطيرة جدًا بل كانت السبب الأول في حالة مي النفسية البائسة، والشخصية المزدوجة التي كانت تحيا بها، مما سبب الانهيار العصبي لها والاكتئاب، بل يعد الخوف أول علامات نهايتها كلها.

شكلت شخصية مي منذ الصغر "فمي" الطفلة التي تحرشوا بها ومي المخدوعة بحب جعلها ترفض الزواج بل جعلها تحب على الورق وتصبح أرملة الأدب بعد جبران، وعلى الرغم من ثباتها وقوة شخصيتها كانت تشعر بالعمق بالضعف والهوان من كونها وحيدة، حتى حملت ذكرى موت شقيقها في أعماقها، لتتحول هذه الذكرى بالتحديد إلى حالة من الهلع والخوف الشديد من الفشل، وخير دليل طقوسها في تحضير الأرواح.

لم تدرك "مي زيادة" كيف يهرم الإنسان روحيًا، بل اعتقدت أنها ستكون فضة تسبح مع الملائكة بجناحين من نور، ولكن الصورة كانت سوداوية أكثر من اللازم فالموت والذكرى العصفورية والجحود قسمت ظهرها إلى أجزاء متناثرة، حتى لم يعد بها القدرة على تجميع ذاتها.

ولكنها كتبت حتى الرمق الأخير حتى تجلت لها أصوات راحليها وصورهم الجميلة، حاولت الانتحار كثيرًا، ولكنها كل مرة تتراجع خوفًا من الموت ذاته، رحلت وما زال صوتها يناجي كل من يتذوق حرفها بالإنصاف.

فأي إنصاف كانت تقصد؟
إنصافها من حملة التشويه التي حصلت لها كما في غراميات العقاد؟
أَمْ إنصافها من النساء اللواتي سررن بجنونها؟
أَمْ إنصافها من نفوس تاقت الغدر والطمع؟
أم من طبيب تآمر عليها؟
أم من أُمٍّ زجَّت بها بمدرسة الراهبات؟
أم من بعد جبران الذاتي ورفضها أن تكون فراشة في حديقته النسوية؟
أم إنصاف مَنْ نبوغها سر نقمتها؟

الأدب كان شريك خفي في نهايتها بل يمكن القول أن الأدب أنجبها والأدب تزوجها والأدب قتلها.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
بين يدي رسالة الغفران

طفرة ثقافية نعم ولكنها عبدة في ذات الوقت، عبدة للحب، وعبدة للمجتمع، وعبدة للدور الذي رسم لها فمثلته ولم تنتفض.

ضاعت مي زيادة وإلى الأبد دون رجعة بل هي مَن ضيَّعت نفسها، ولم تكن بقوة قلمها بل أخضعته للذل وأخضعت نفسها، ولعله أعظم أسباب قولها أنها لم تعد ماري بل أضحت مي للجماهير وليس لنفسها.

ويمكن القول في الختام: "كانت مي زيادة رحلة قصيرة لا تكاد تبدأ حتى تنتهي، لكنها لن تمضي أبدًا، رحلة سترافق القارئ ما دام حيًا".

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x