حول مقتل بن لادن: الإنحياز للضحية أم للقاتل؟

بقلم/
مصر : ۱٤-۵-۲۰۱۱ - ٦:۵٦ م - نشر

حول مقتل بن لادن: الإنحياز للضحية أم للقاتل؟أستغربت أيما استغراب وأنا أتصفح تعليقات القراء من المنطقة العربية على ما كتب مؤخرا حول مقتل أسامة بن لادن في مقره في مدينة أبوت أباد والتي تبعد نحو 40 ميلا عن العاصمة الباكستانية إسلام أباد. معظم تلك التعليقات تعتبر بن لادن شهيدا وبطلا مغوارا وحامي حمى الإسلام والمسلمين. قد ألتمس بعض الأعذار للقراء العاديين البعيدين عن تعقيدات السياسة الدولية وحبالها المعقدة والذين يعتبرون الانتصار لبن لادن زفرة قهر ضد قوى الظلم والاستكبار والهيمنة في العالم ممثلة في الولايات المتحدة، ولكنى لا أستطيع أن أتفهم مواقف بعض السياسيين المخضرمين والمنظرين والكتاب الكبار والذين أكن لهم كل الاحترام.

كيف لمن تسبب في موت آلاف الضحايا الأبرياء جلهم من المسلمين، وقلة من غير المسلمين، يمكن أن يكون في عداد المجاهدين والشهداء والصالحين؟ فأنا لا أعتقد أن هناك من يشكك في رفض الإسلام القاطع لقتل "النفس التي حرم الله إلا بالحق". كما لا أعتقد كذلك أن هؤلاء الأبرياء الذين لقوا حتفهم في نيويورك ومدريد ولندن وشرم الشيخ وبغداد بمساجدها وكنائسها والحلة وسامراء وتلعفر وإربيل وعمان والدار البيضاء وجربة وبالي والرياض والجزائر العاصمة واستنبول وجاكرتا وبيشاور وكويتا وإسلام أباد ونيروبي ودار السلام كلهم بلا استثناء مدانون وقتلهم حلال زلال، ويوضعون في سلة واحدة سواء كانوا أطفالا أو نساء، رجالا مسلمين أو غير مسلمين، بيضا أو سودا أو صفرا.

ولا أعتقد أن أحدا لديه قناعة أن هناك تفويضا حصريا من رب العالمين لبن لادن أو من ينوب عنه بقبض أرواح هؤلاء الآلاف المؤلفة دون محاكمة أو مرافعة أو استئناف أو التماس أو عفو أو استرحام. هذا لا يعني أن بن لادن قام بقتلهم جميعا بيديه ولكن الفكر المتطرف الذي يمثله والذي فرّخ عشرات الخلايا في كل مكان وأعلن حربا على كل بني البشر في مشارق الأرض ومغاربها هو الذي أودى بحياة هؤلاء وما زال يحصد كل يوم مجموعة من المتسوقين أو المصلين أو الذاهبين إلى أعمالهم أو العائدين من حوانيتهم أو السائرين في جنازة أو الجالسين على مقهى لاحتساء كأس من الشاي بعد يوم عمل طويل، وخاصة في العراق الجريح الذي اكتوى بآثار هذا الفكر الأرعن الذي لا يمت لا إلى الإسلام ولا إلى الجهاد الذي توافقت عليه آراء العلماء ولا إلى الإنسانية بصلة.

أما إسرائيل فهذا الفكر يتغافل عن ذكرها فلا قصاص منها لما ارتكبته من مجازر بل وعندما اختلف بن لادن مع عبدالله عزام حول ضرورة التركيز على إسرائيل بعد هزيمة السوفييت في أفغانستان تمت تصفية عزام وابنيه محمد وإبراهيم في مدينة بيشاور الباكستانية بتاريخ 24 تشرين الثاني( نوفمبر) 1989 لأن بن لادن أصر على فرض رأيه بضرورة التوجه لجزيرة العرب والأنظمة الفاسدة وأمريكا. وما هي إلا سنوات قليلة حتى بدأ بن لادن حملة القتل العشوائي الذي يضع كل من يختلف معه في قفص الاتهام ويجب تصفيتهم بالحديد والنار والسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة التي تحول الجسم الإنساني المكرم إلى قنبلة موقوتة.

ولأن معظم هؤلاء الذين يمجدون بن لادن لم يكتووا بنيران هجماته أو هجمات أتباعه ولم يعيشوا لحظات الخوف والحزن على فقد قريب أو صديق ولم يعيشوا ساعات انتظار ثقيلة داعين الله أن يخرج قريبا أو حبيبا أو ابنة أو زوجا من المذبحة بسلام، ولأنهم لا يعيشون في بلاد المهجر ولم يتعرضوا للمضايقات والتمييز والتهميش والنظرات الاتهامية والعنف من قبل الغالبية غير الملسلمة، سأقدم لهم بعضا من هذه التجارب التي عشتها شخصيا بعيدا عن البحث والتنقيب عن تجارب الآخرين التي كتب فيها عشرات الكتب ومئات المقالات.

التجربة الأولى: ليلى تعمل في مركز التجارة العالمي

في حدود الساعة 8:50 صباحا أعلن مذيع سي إن إن أن طائرة سياحية صغيرة ضربت البرج رقم واحد في مركز التجارة العالمي. تجمعنا حول التلفاز وإذا بنا نشاهد طائرة كبرى تضرب البرج رقم 2 الساعة 9:03 عندها فقط أدركنا كما أدرك العالم أن الهجوم مدبر وأنه أكبر بكثير مما أعلن عنه في البداية. ليلى، ذات الأربعة وعشرين ربيعا،  هي الأخت الصغرى لزوجتي، كانت تعمل في بنك دويتشي (البنك الألماني) في الطابق الخامس في البرج 2 منذ عدة أشهر فقط بعد أن انتقلت من الطابق 80. بدأت العائلة تشعر بالقلق عندما لم تسمع منها. هاتفها الخلوي لا يرد، الاتصالات انقطعت تماما في المدينة، الأخبار الأولية تقدر القتلى بعشرات الألوف.

بدأت الدموع تنهمر من عيون جميع أفراد العائلة. زوجتي أصيبت بحالة من الهستيريا لأن ليلى بالنسبة لها ليست أختها الصغيرة فحسب بل كأنها ابنتها لأنها هي التي أشرفت على تنشئتها والاعتناء بها عندما كانت صغيرة. ثلاث ساعات من القلق والخوف والبكاء والانهيار وأفراد العائلة لا يملكون إلا الدعاء والصلاة والابتهال إلى الله أن تكون ليلى من بين الناجين. في حدود الساعة الثانية عشرة والنصف وصلت ليلى إلى البيت بعد أن قطعت المسافة مشيا على الأقدام من مركز التجارة إلى بيتها في منطقة بيرج بحيّ بروكلين.

ولا يستطيع أحد أن يصف مشاعر الفرحة إلا من عاش التجربة. تقول ليلى إنها نزلت مع صديقاتها لشرب القهوة قبل بدء الدوام الساعة التاسعة . أثناء الرجوع إلى المكتب كانت مكبرات الصوت تدعو الموظفين للعودة إلى أماكنهم بينما كان هناك مئات من الموظفين في حالة فزع شديد ينزلون من الطوابق العليا مستخدمين الدرج العادي ويصيحون بزملائهم: إخرجوا من البناية فورا. لا تعودوا إلى مكاتبكم. إهرعوا. عادت ليلى قبل الوصول إلى مكتبها مخلفة وراءها حقيبة اليد والهاتف الخلوي وبعد الخروج من البناية بدقائق قليلة سمعت دوي الانفجار العظيم الذي ضرب البرج الثاني التي كانت تعمل به.

عادت ليلى مشيا إلى البيت بعد أن توقفت المواصلات تماما في المدينة. ثلاث ساعات كانت دهرا بحاله للأم التي تضرع إلى ربها أن يأخذ بيد ابنتها، والأب الذي تجمدت الدموع في عينيه والأخت التي أصيبت بحالة من الهستيريا على أختها الصغرى وقد عجزنا أنا والبنات أن نهدئ من روعها. الشيء المحزن، كما تبين فيما بعد، أن أكثر من 110 من زملاء ليلى الذين عملت معهم في الطابق الثمانين دفنوا تحت الركام أو ذابت أجسادهم بفعل الحرارة والانفجار والانهيار من بين 2735 ضحية سقطوا في البرجين من بينهم 62 مسلما.

التجربة الثانية: في مقر الأمم المتحدة ببغداد – 19 آب (أغسطس) 2003

بعد اعتماد قرار مجلس الأمن ( 1483) بتاريخ 22 أيار (مايو) 2003 توجهت أول بعثة أممية نحو العراق في أوائل شهر حزيران (يونيو) برئاسة البرازيلي الطيب سيرجيو فييرا دي ميلو وكنت مكلفا بمهمة نائب المتحدث الرسمي. بدأت البعثة القيام بخطوات عملية لمساعدة الشعب العراقي في إعادة بناء مؤسساته وتقديم المساعدات الإنسانية والإعمار. بعد شهرين من العمل وبعد إنجاز الكثير من بينها إنشاء مركز الإعلام العراقي كنت على وشك الذهاب في إجازة قصيرة لمدة أسبوعين. وقد طلب مني المدير أن أحضر من ينوب عني في غيابي من يعرف اللغة العربية.

وصلت الصحفية اللامعة الآنسة رهام الفرا من مكتبي بنيويورك عشية يوم الإثنين 18 آب (أغسطس ) 2003. صباح الثلاثاء اصطحبت الآنسة رهام إلى المكتب وعرفتها على الزملاء وشرحت لها طبيعة عملها ثم تناولنا طعام الغداء وغادرت المقر الساعة الواحدة والنصف باتجاه مطار بغداد في الطريق إلى عمان. بعد أن وصلت إلى الفندق في عمان مع الساعة السادسة والنصف. أدرت مفتاح التلفاز إلى محطة الجزيرة وإذا بها تبث مباشرة من مقر الأمم المتحدة في بغداد التي تعرضت لهجمة إرهابية الساعة الرابعة والنصف حيث صدمت شاحنة صفراء متوسطة الحجم مقر الأمم المتحدة بالضبط تحت مكتب سيرجيو يقودها انتحاري وقد أدى الانفجار الكبير إلى انهيار الجزء الأمامي من المبنى على من فيه.

كدت أفقد عقلي. خرجت من غرفتي صارخا ومولولا في ردهات الفندق. جاء مدير الفندق وهدأ من روعي وبدأنا نراقب المحطات وهي تعلن أن سيرجيو يئن تحت الركام ثم أعلنت عن وفاته. وبدأت أخبار الضحايا تصل تباعا: المصرية ناديا يونس، مديرة شؤون الموظفين، والمصري الإيطالي جان سليم كنعان، أحد مساعدي سيرجيو، فيونا واتسون مساعدة سيرجيو، المترجمة العراقية عالية سوسة، عامل المقهى البسيط سعد أبونا، السائق العراقي إحسان طه حسين ورك هوبر الموظف السياسي المتخصص في شؤون القضية الفلسطينية وغيرهم.

أما رهام الفرا زميلتي في نيويورك والتي لم تكمل حتى 24 ساعة في بغداد فقد بقيت جثتها تحت الركام لغاية يوم الخميس وكانت آخر الجثث ال 22 التي انتشلت من بين الركام. ولا أريد أن أتحدث عن آثار الجرح والألم الذي عشته أنا ومئات من زملائي الذين عاشوا هول المصاب. كما لا أريد أن أحدثكم عن حالة الرعب لمدة ساعتين أو أكثر بعد الانفجار، كما رويت لي من بعد، والتي عاشتها زوجتي وبناتي الثلاثة وابني وإخوتي وأصدقائي وزملائي في المكتب وأهل بلدي والذين تأكدوا أنني تحت الركام حيث لم أبلغ أحدا أنني مسافر في ذلك اليوم لتكون زيارتي للعائلة عبارة عن مفاجأة سارة للأطفال. لقد ترك ذلك الحادث جرحا عميقا في القلب لا يندمل مع الأيام ويكفي أن أقول إنني قررت بعدها المباشرة في إجراءات التقاعد المبكر من عملي كي أترك المنظمة الدولية قبل الأوان وأنتقل إلى الحياة الأكاديمية.

أصدر تنظيم القاعدة بيانا تبنى فيه الانفجار حيث جاء فيه" لقد دمرنا مقر الأمم المتحدة الذي يحمي داخله اليهود". وعلمنا بعدها أن شخصا مصريا ينتمي لتنظيم "أبو مصعب الزرقاوي" قام بتفجير المقر، وهي أول عملية انتحارية جرت في العراق بعد الاحتلال لحقت بها مئات العمليات التي استهدفت المدنيين في مساجدهم وأعراسهم وجنازاتهم ومطاعمهم ومقاهيهم والتي قتلت الآلاف من الأبرياء. هذا ما قدمه تنظيم القاعدة للشعب العراقي مما أعطى مبررا لانفلات الطائفية من عقالها ولقوات الاحتلال لبقائها وتوسيع رقعة القهر والقتل الذي مارسته لتشمل كل أنحاء العراق.

التجربة الثالثة: ركاب الحافلة يطردون "أم أيمن"

بعد أسبوع من هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) توقفت الحافلة التي تقطع شوارع حيّ ستيتن آيلند بمدينة نيويورك، فصعدت سيدة عربية محجبة من إحدى قرى القدس اسمها أم أيمن وجلست في مقعد خال. استمرت الحافلة في السير إلا أن الركاب الأمريكيين بدأوا بالاحتجاج. تجرأ أحدهم وخطف الحجاب من على رأس السيدة مستعملا كلمات بذيئة. صرخت السيدة فردت عليها أكثر من سيدة بالسباب والتهديد والصراخ واقتربن منها لضربها وهي تحاول أن تسترد حجابها. أوقف السائق الحافلة. قال أحد الركاب للسائق لا نريد هذه السيدة أن تبقى في الحافلة وإلا سنخرج جميعا. زادت الفوضى والهرج والمرج. تقدم السائق من أم أيمن وطلب منها أن تغادر الحافلة فورا لأنه لا يستطيع أن يحميها. قالت له أعد الحجاب إلي وسأخرج. طلب السائق من الذي يحمل الحجاب أن يعيده إليه. إصطحبها السائق إلى الباب الرئيسي وأعطاها الحجاب وغادرت الحافلة وهي تسمع كل أنواع البذاءات ضد الإسلام والمسلمين والعرب والإرهابيين.

وأخيرا أتمنى على هؤلاء المتباكين على بن لادن أن يتذكروا مئات الألوف من الضحايا الأبرياء الذين سقطوا في العراق وأفغانستان ومئات المدن والمواقع في العالم والذي شكل هذا الفكر المتطرف الغريب على الإسلام والمسلمين غطاء لقوى الشر في الولايات المتحدة وأوروبا لما قاموا به بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. كما أود أن أسأل هؤلاء الذي ينتصرون لبن لادن، أليس هو المبرر الذي استخدمته قوى الهيمنة في العالم لقهر الشعوب العربية والإسلامية وتدمير بناها التحتية وقتل خيرة أبنائها شيئا إيجابيا؟

في النهاية أود أن أقتبس "بالمعنى" ما قاله السيد راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة في تونس، في مقابلة مع محطة الجزيرة "إن بن لادن وفكره قد مات مع إنطلاقة ثورة تونس المباركة تلتها ثورة مصر العظيمة". وأضاف: الشعب اليمني كله مسلح إلا أن الثورة اليمنية تصر على طبيعتها السلمية ولم تسجل ثورات الشعوب العربية اللجوء للعنف والتطرف وهي تصنع مستقبلا يتسم بالحرية والديمقراطية والتعددية والكرامة الوطنية.

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق