الذلقراطيات العربية أو الديمقراطيات المشوهة

الذلقراطيات العربية أو الديمقراطيات المشوهة

إن القيام بتحليل الأوضاع السياسية والإقتصادية في البلاد العربية يشعرني بأني أباشر تشريح جثة ميتة، فنحن أمام حالة من الذلقراطيات العربية أو الديمقراطيات المشوهة، وفي أحيان كثيرة يتبادر إلى ذهني أنني أمام وضعيات لا تخضع لأية حدود علمية ومنطقية. فالملاحظ أن العجلات الوحيدة التي تقوم بحركة تصاعدية في العالم العربي هي التي تخص حفظ الأمن الخاص داخل البلد في مقابل تهاو فظيع للمؤشرات الإقتصادية والأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان. لكن ما المقصود بالأمن الخاص في قاموس الدول العربية؟

الأمن الذي يذهب إليه منظرو المقاربات الأمنية المتسلطة هو الأمن الشخصي للحكام والذين في ذمتهم، ما يضمن بقاءهم في سدة منيعة من محاسبتهم، وهذا مايعطيهم الشرعية للإستبداد والتحكم المفرط في دواليب السلطة. فالرئيس العربي لا تهمه إلا فنادقه وقصوره ومشاريعه ورفاهيته وهذا ما يدفعه إلى تسخير قوة الدولة التي بين يديه للحفاظ على هذه الإمتيازات اللامحدودة وغير المقننة. فالأنظمة والمشيخات العربية لا تهمها الشعوب، بقدر ما تخشى على العروش.

فالدول التي تدعي أنها رائدة في محاربة ما يسمى الإرهاب والتطرف لا تستطيع في الاَن نفسه أن تحفظ أمن المواطنين من جرائم عدة. فعدد من الدول العربية تأتي في مراتب متقدمة فيما يخص دعارة الأطفال والمخدرات وسرقة المال العام والشطط في استعمال السلطة وإستغلال النفوذ.

فأي أمن تحفظه الأنظمة العربية وهي التي تسمح أو بمنظور اَخر تعجز أمام مواجهة هكذا جرائم، في مقابل تغنيها بمحاربة الإرهاب، هذا المفهوم الذي بات فاقدا لبنية اصطلاحية محددة.

إن الإهانة التي تُسقطها الأنظمة على الشعوب هي إهانة مزدوجة كما ذهب إلى ذلك البروفيسور المهدي المنجرة، الذي أكد أن إحدها تتعلق بإهانة الغرب لنا والأخرى تهم إهانة المسؤوليين لشعوبهم، يأتي معها ذل اَخر يتمثل في إهانة المواطن لنفسه من خلال الإكتفاء بالصمت وعدم الدفاع عن النفس. ينضاف إلى ذلك الإهانة التي تطفو بسبب الفوارق الإجتماعية.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الشعب يريد الوحدة

وهذا ما جعل الديمقراطية الغربية تصاب بتشوه بنيوي ومضاميني أنتج الذلقراطيات العربية يعيشها المواطن العربي، الذي لا يقدر على إدراك الواقع أو استشراف المستقبل، لعدم إستقلالية البلد. فالإنتخابات مزورة والتعيينات ممنوحة على أساس القرابة والمصلحة الضيقة والدساتير فارغة والقوانين معطلة، فماذا بقي كعنصر نهائي للإنتفاضة؟

الثورات العربية الأخيرة التي اصطلح عليها إعلاميا بإسم ''الربيع العربي'' جاءت كاستجابة عفوية وتلقائية لسيرورة الإهانات المسترسلة زمانيا ومكانيا في الوطن العربي، الذي يشهد أزمة قيم على المستويين الفردي والجماعي. ففي الوقت الذي تعتبر فيه بعض الدول العربية قوى اقتصادية عالمية، نجد أنها تتذيل ترتيب الدول التي تحترم حقوق الإنسان.

فالعلاقة بين الإقتصاد وحقوق الإنسان هي علاقة ترابط وتمفصل. فالدول التي تحترم المواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان هي بلدان تشهد إستقرار السوق الداخلية حتى وإن لم تكن تملك موارد كافية. أما حين تكون الأنظمة مستبدة، فالثروات الداخلية للبلد سوف تستغل في إثراء أصحاب السلطة في مقابل تفقير البقية، وهذا ما يخلق صراعا مع الشعب بمختلف أطيافه ،مما يولد عنفا وتسلطا من جانب أجهزة الدولة.

أما سؤال ماذا بقي للإنتفاضة؟ وأقصد هنا بالإنتفاضة نفض الغبار عن جانب الوعي من أجل تقدير المواقف وإتخاذ القرارات الملائمة دون هرج ومرج. فما حدث في ليبيا مثلا كان ثورة غير مكتملة وفاقدة لرؤية مستقبلية، جعلت البلد اليوم يعيش حربا أهلية وتنتقل من حكم الدولة إلى حكم القبيلة.

أما في مصر فالإنقلاب على الشرعية وتوطيد الحكم العسكري أدخل البلد في دوامة صراع لا منتهي، يضاف إلى ذلك حجم الإعتداء السافر على القوانيين الوطنية والدولية.

لكن لماذا تعيش الدول العربية في الذلقراطيات العربية بدل الديمقراطية؟

إن فعل الإهانة الممارس على الشعوب التي إنتفضت في وجه المستبدين، جُوبه بثورات مضادة قادتها بعض الدول العربية إلى جانب دول غربية، إمعانا في تثبيت خدام مصالحهم وأجنداتهم.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
أحلام الفقراء

فالدول الغربية لا تقبل بلادا عربية تسودها ديمقراطية، لأن هذا تهديد صريح لها، وإنما الغرب يريد الذلقراطيات العربية فحكم الشعب يعني إتخاذ قرارات جماعية مستقلة، وهذه الإستقلالية هي الدافع لتقدم الإتحاد العربي على غرار الإتحاد الأوروبي. فماذ سيستفيد الغرب من تصدير ديمقراطيته إلى العرب سوى فقدانه لإمتيازات إستعمارية ومصادر ثروات هائلة مجانية.

الإستثناءات القليلة في هذا الصدد هي ما تمثله جمهورية إيران الإسلامية التي استطاعت أن تكون الرقم الصعب في المعادلة وتحييد أية أخطار تهدد أمنها القومي منذ ثورة الخميني عام ١٩٧٩م، التي أنهت إحتلالا امريكيا ناعما للبلد، ووضع أساطين الدولة الإسلامية الشيعية أو ولاية الفقيه.

فبُجدة الأمر أن أمريكا اليوم عاجزة عن تركيع الجمهورية الإسلامية، وهذا الصمود والإستقلال يتجلى من خلال تمَلك إيران لأسلحة نووية وتحالفات قوية وموقعا استراتجيا مما سمح لها بالتحكم في مضيق هرمز.

هذا الإنعتاق من قيود واشنطن تُرجم على مستوى الدعم الذي تمنحه إيران لفصائل المقاومة والدخول كطرف سيادي في سوريا ولعب أوراق ضغط صعبة على طاولة المفاوضات الدولية، واَخرها رفض الرئيس الإيراني ما اعتبرته أميركا دعما ماديا لإيران في مواجهة فيروس كورونا، حيث أكد حسن روحاني أن هذا الدعم مشكوك فيه ويمكن أن يزيد من تفشي الفيروس لعدم وجود حيز ثقة كاف في إدارة البيت الأبيض. أي بعبارة صريحة الرغبة في القول أن أمريكا أخطر من كورونا.

ومن وجهة معاكسة نجد أن الدول التابعة لبلاد العم سام، لا تستطيع ترجمة خياراتها وتنفيذ قراراتها، مما جعلها تتخبط في تناقض بين مرجعياتها ووواقعها الحالي. حيث أن دولا عربية إسلامية تدعم صفقة القرن وتلعب دورا محوريا في رسم خارطة إسرائيل الكبرى وهلم جرا.

إن ثبات المقاربات الأمنية واَليات التحكم التي تنهجها الأنظمة العربية المدعومة من الغرب ستعجز عن مواصلة دورها السلطوي المطلق، ما يعني حدوث رجات عنيفة مستقبلية، فبؤر الإنتفاضات كثيرة وأفاق الإصلاح ضيقة ويبقى الربيع العربي قائما إلى حين تنزيل مفهوم الدولة على أرض الواقع.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
مطالبات حقوقية بمعاملة ضحايا كورونا من العاملين بالمجال الطبي معاملة الشهداء

ومن غير الصواب إستمرار الوضع الراهن الذي يشهد هوة واسعة بين اختيارات الشعوب وقرارات الأنطمة. فالإنتفاضة حتمية وكرامة الشعوب وإستقلالها تبقى فوق كل إعتبار.

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
أحدث
أقدم
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
أحمد ناجي
أحمد ناجي
2020/03/28 - 2:14 ص

والله كلام صح احنا بدنا ديمقراطية مش ذل …

1
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x