نصيرعاروري: رحيل المثقف العضوي

بقلم/
مصر : ۱۷-۲-۲۰۱۵ - ۸:۵۹ ص - نشر

رحيل المثقف العضوي"لعَمْرُكَ ما الرزّية فقدُ مال.. ولا فرسٌ تمُوتُ ولا بعيرُ…… ولكّنَّ الرزيّـَةَ فقدُ حرِّ.. يمُوتُ بمَوته خَلْقٌ كثيرُ" الحطيئة.

أحياناً يهربُ منك النص، تفرُّ الفكرة. ماذا تكتب حين يكونُ عليك أن تكتب؟

غيـَّبَ الموت في الأسبوع الماضي المفكر الفلسطيني البارز الدكتور نصير عاروري، فأخرجه فَحسْبْ، من صفِّ الأحياء بامتيازْ، حيثُ أمضى عُمُراً قاربَ الواحد والثمانين عاماً، إلى صفِّ الخالدين، حيث العُمْرُ يتواصلُ بلا نهاية. وبرحيله فقدت فلسطين أكاديمياً وباحثاً مرموقاً، يحظى بالإحترام على المستويين العالمي والعربي، ووطني فلسطيني تقدمي عنيد، قضى جلَّ عمره وسخـَّر مهنته في خدمة قضية شعبه.

ولد الدكتور نصير عاروري في القدس في عام ١٩٣٤، وحصل على شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة ماساتشوستس أمهرست. وطوال نصف قرن كان كاتباً غزير الإنتاج، ومحاضراً نشطاً، وصاحب ظهور إعلامي متميز.

عمل الدكتور عاروري كأستاذ للعلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس دارتموث من عام ١٩٦٥ إلى عام ١٩٨٨. وترافقت هذه الحياة الحافلة بالإنجازات والتفوق الأكاديمي مع تاريخ طويل من النضال من أجل القضية الفلسطينية. فالدكتور عاروري كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكان يحظى بالتقدير والإحترام من قبل الفلسطينيين في كل مكان لإلمامه ومعرفته الموسوعية بالقضية الفلسطينية ولتكريسه حياته لخدمتها ولأمانته وصدقه في تمثيلها.

كرَّس الراحل الكثير من وقته وجهده لبناء وتعزيز المؤسسات الفلسطينية والعربية في الولايات المتحدة الأمريكية، فكان، مع الأكاديمي الفلسطيني الراحل الدكتور إدوارد سعيد، أحد مؤسسي "رابطة الخريجيين العرب الأميركيين" في عام ١٩٦٨، أول مؤسسة عربية في أميركا الشمالية للأكاديمين العرب. وفي عام ١٩٩٨ شارك في تأسيس "معهد الدراسات العربية" في بوسطن. وفي مجال حقوق الإنسان، كان الدكتور عاروري عضواً في "الهيئة الفلسطينية المستقلة لحماية حقوق المواطن" في رام الله منذ تأسيسها عام ١٩٩٤، وعضوا في مجلس إدارة منظمة "Human Rights Watch بين عامي ١٩٩٠ و١٩٩٢، وعضوا في مجلس إدارةِ Amnesty International، منظمة العفو الدولية " لثلاث دورات.

وفي سياق نضاله من أجل القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني الذي سخـَّر لهما حياته كلها، دأب الدكتور عاروري على الدعوة لحل الدولة الديموقراطية الواحدة على كامل التراب الفلسطيني حيث يتمتع جميع سكانها بالحرية والعدالة بغض النظر عن الدين والإثنية.

لكن الحديث عن نصير عاروري لا ينصف وحده الرجل الذي وهب حياته من أجل قضية فلسطين، فهو ايضا مناضل صلب ذو موقف جريء لا يهادن فيما يعتبره حقاً ولا يساوم في ما يعتبره من ثوابت شعبه.

ولم تمنعه إنشغالاته الفكرية يوما من اعلان مواقفه السياسية المبدئية، بل كان يسارع للتحرك كلما احس بانحرافات تهدد المسار الوطني لشعبه. لم يكن نصير عاروري يوما من مثقفي الصالونات. وعلى الرغم من ثقافته الموسوعية، كان ينأى بنفسه عن "الشلـّة" التي تعتبر نفسها "نخبة النخبة Crème de la crème. كان الجميع، من كل ألوان الطيف، يحيط به، ولم يكن مجلسه نخبوياً عاجياً مقيتاً.

كان نصير عاروري دائم الحركة في تفكيره وفي قراءاته للأحداث وفي استنتاجاته حولها. وهي شهادة له. وإذ يرحل بعد هذا العمر المديد، الحافل بالعطاء في "الفلسطينيات" وفي النضال، فإنه ترك لنا تراثاً كبيراً ومجيداً سيظل يتحدث عنه، ويذكر به، وسيظل يبقيه حياً دائم الحضور بيننا.

لم يأبه نصير عاروري من موقع قوة الحق، وثقته بما يملك من حق، وببراعته وموهبته وقوة المنطق والحجة بالموقع الجغرافي الذي يعيش فيه، ولم يأبه بسطوة إعلام المنطق المعوجّ وسيادته شبه المطلقة، فانطلق من معقل سيطرة اللوبي الصهيوني وميدان فاعليته ليوضح بمقالاته وكتبه وأبحاثه حقيقة الحركة الصهيونية، وأن احتلالها لفلسطين لا يختلف أبداً عن مخططات الغزو الاستعماري للعديد من دول العالم، ويبين من ثَمَّ أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين متساوٍ في المبدأ والممارسة وحَتى الغاية مع الدول الاستعمارية.

ولذلك يؤكد نصير عاروري أنهُ لا يجوز النظر إلى الحركة الصهيونية على أنها "حركة تحرر وطني يهودية"، كما هو شائع في أوروبا وأمريكا، وإنَّما يجب النظر إليها بوصفها أيديولوجيا غازية واحتلالية بحثت عن مستعمرة لها في الشرق كما بحثت الدول الاستعمارية عن مستعمرات لها. ويزيد إدوارد سعيد بأن هذه الأيديولوجيا تختلف عن غيرها من الأيديولوجيات الأوروبية الغازية بأَنَّها عنصرية استثنائية متصلبة.‏

تابعت نصير عاروري، وأزعم أنني قرأت كل كتبه ومقالاته، وأشهد أنه أستاذ جامعي مقتدر في مادته، وهي العلوم السياسية، ولديه كفاءة تتسابق الجامعات الأميركية إلى طلبها.

وقد أضاف إلى هيبة الاستاذ الجامعي والباحث المرموق قيمة المثقف ورؤيته وقدرته على الفعل، ثم تجلت شخصيته حين استطاع أن يحقق لنفسه ذلك التوازن الضروري لمن يريد أن يخاطب العالم والعصر فعلا، بحيث يقرأ له أو يصغي اليه كلاهما باحترام واهتمام، وذلك التوازن على بساطته معضلة بين العرب، ولعل شرطه الغائب عن بعضهم، معظم الوقت: أن يكون الكاتب أو المتحدث متعمقاً في موضوعه بما يجعله مُصدَّقا ومقبولا لدى الآخر… وهكذا كتب نصير عاروري، وهكذا تكلم وحاضر وناقش، واستمع اليه الأمريكيون باهتمام كبير واحترام فائق.

لكن لا يمكن فهم موقف نصير عاروري الا باستيعاب نقيضه، أعني أولئك الذين استقروا مثله في الولايات المتحدة، وأصبحوا أساتذة في جامعات كبرى، لكنهم وظفوا ثقافتهم للدور النقيض، لتبرير السياسات الأميركية، ولتحقير العرب والثقافة العربية، أصبحوا جزءا من الآلة الأميركية المعادية للعرب، وللثقافة العربية، رغم انتماءاتهم الأصلية. ,اذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر، اللبناني فؤاد عجمي، والعراقي سمير خليل، والسوري نبيل الصايغ. وفي مواجهة هؤلاء وقف نصير عاروري كمثقف انساني عظيم، يفكك رؤية الغرب إلى الشرق العربي، ويحلل مكوناتها.

عندما وصلني نبأ رحيله، ظللت للحظات صامتا في مكاني.. لم تصدر عني حركة، حتى الأنفاس أحسستها متجمدة. النبأ وحده أكبر من صمتي.. جلست تغمرني وحدة عميقة وشعور بالكآبة لا يوصف، أستعيد لقاءاتي به، وبرحيله أشعر وكأن جزءا حميما مني قد إندثر.

لقد تعلمت منه كيف أطرح السؤال عن الانتقال من زمني إلى زمني، وكيف أبقى مخلصا لما تعلمت منه.. على الرغم من أن كل ما يحيط بنا في هذا العالم العربي الممتد من طنجة إلى أم القيوين يقدم الخيبة تلو الأخرى، والنكسة تلو الأخرى، حتى نكاد نندم على ما تعلمناه.. وما كنت فعلت.

نصير عاروري، سلاما وتحية، ففي التحية الحياة.. التحية هي المحافظة على وديعتك التي أودعتها لدى كل من لا يزال مؤمنا بأن المقاومة هي كل ما نملك، وبأن الوعي النقدي هو الطريق. كتاباتك علمت الكثيرين ممن لا نعرفهم، لأنهم اليوم في كافة أرجاء العالم.. انهم قليلون، معزولون، وهم مع ذلك بفكرك ومواقفك في الثبات على المبدأ، يواصلون طريق المقاومة: أبجدية من أعطوا للبشرية، عبر تاريخها الحضاري الطويل الذي يمتد عبر آلاف السنين، ما تستحق به الاقامة على الأرض.

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Jönköping

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق