وداعاً.. أبا الفهد

د. عبد القادر حسين ياسين
مصر : 27-3-2015 - 10:34 ص - نشر

"طوى الجزيرة حتى جاءني خـَبـَرٌ.. فزعتُ منه بآمالي إلى الكذب.." أبو الطيـِّب المتنبي.

غيـَّبَ الموت يوم السبت الماضي الرفيق عربي عوَّاد، المناضل الشيوعي الفلسطيني الفذ والقائد الوطني الكبيرعن عمر قارب الثمانين عاما قضاها في خدمة شعبه وفي النضال الدؤوب من اجل تحرر فلسطين واستقلالها ورفعتها..

رحل أبو الفهد رحل بهدوء دون ضجيج وصخب، رحل هذا الشيوعي العتيق بعد أن تركت سنوات النضال الشاق في كل مدينة وقرية ومخيم بصماتها في مسيرة كفاحه الطويل، رحل بعد أن حفرت اقبية السجون العربية أخاديدها كخارطة الوطن على جسده الذي انهكته رحلة نضال طويل امتدت لعشرات السنين في الوطن وفي المنافي، غادرنا أبو الفهد نظيف اليد طيب القلب، تاركا خلفه سيرة نضالية تميزيت بالعطاء الثوري غير المحدود في وقت عزَّ فيه العطاء، وبزرع بذور قيم الحرية والديموقراطية والعدالة اﻻجتماعية والتضامن اﻻممي.

وجهٌ صبوح على الرغم من الشعر الأشيب الذي تناثر على محياه مما زاده وقاراً ومهابة؛ إلا انه ما زال محتفظا بحيوية تصيبك بالدهشة.. وهو اسم لعله لا يثير لدى القراء أي استفزاز للبحث والتنقيب عما يختزن بين أضلعه من ماض وما اجترحه من مآثر بطولية.

وهو لكل من عرفه عن قرب مصدر الهام حيّ لتاريخ النضال الفلسطيني، وهو في قسمات وجهه وتقاطيع جبينه الصلد الذي حفرت فيه السنوات مجرى يمنحك إحساسا بالدفء، ويثير فيك مشاعر لا تملك إزاءها ألا أن تمني النفس في أن يعيد التاريخ نفسه لترقب بأم عينيك حركة الأحداث ولتكون شاهداً لهؤلاء الرجال.

لقد احتزم أبو الفهد ورفاقه بالعزيمة التي لا تلين، وانطلق الإنسان في داخله، الإنسان الذي يرفض أن يظل مـُكبـَّلا بقيود الاحتلال، سواء كان بريطانياً أو صهيونياً، الإنسان الذي يرفض أن يكون منحني الرأس "ما بشيل الرأس إلا اللي ركـَّبه..".

كان أبو الفهد يمقت كثيرا الحديث عن نفسه، ويؤلمه أيما ألم الاستطراد في التنقيب عن مآثره وما صنعه لهذا الجيل الذي ترعرع في كنف الانتفاضة ولم يستطع أن يـُلملم شظايا الذكريات ويحفظها لتكون خير معين ورفدا خصبا لمسيرة شعبنا ضد التغييب والاغتراب.

لم يكن من السهل على من لم يخبر الأحداث ولم يعاصر جيل عربي عواد أن يخترق خزانة الذكريات. كان أبو الفهد واحداً من ذلك الجيل، شخصية توارت اختارت لها موقع الظل، كان مثله الأعلى حماية ذاته من الكلمات "المفخخة" التي تحيله إلى طاووس متغطرس ينفش ريشه فخراً أو اعتزازاً. وكان مصدر قلقه وغيظه أن يبجل دوره النضالي.

كان واحداً من "الحرس القديم"، ذلك الرعيل الذي ظل الموت معلقاً على كتفيه، محتزماً بالموت، متوسداً تراب الوطن.. كان يستقبلني بوجهه الباش، وابتسامته العذبة، وقبلاته الودّية.. وكنت أشتم فيه رائحة الزعتر والميرمية، وأريج الريف الفلسطيني، وشذى الطيبة والوداعة اللتين تضمخان الفلاحين الفلسطينيين.

كان صديقاً صادقاً صدوقاً، وصاحباً حقيقياً، وزميلاً مخلصاً، ورفيقاً صلباً، وكنت أتحرج من حرارة استقباله، وأخجل من لهفة لقائه وعذوبة سلامه.. ولم أكن أعرف كيف أجاريه بمثلها، أو أبادله بأحسن منها.‏

ومَنْ يعرف أبا الفهد يدرك أنه كان يتحاشى الخوض في أحاديث خلافية.. كان يبحث عن نقاط لقاء بينه وبين الآخرين، ويفتش عن تقاطعات إيجابية تجمعه وإياهم.. لم يكن يتعامل معك كخصم، بل كان يتعامل كإنسان مفروض عليه احترامك، كصديق ملزَم بأن يتفقد أحوالك، و"الأهم من هذا وذاك" ك "ابن بلد ".

كان يقول لي دائماً بلهجته المحببة: "إسمع لمـَّا أكـُل لك.. إحنا فلسطينية.. بخاطرك ولا غصـِب عنـَّك؛ أنا مـُلزم فيك، وإنتِ مـُلزَم فييّ.. ولازم نبكا مع بَعـَظ..".

ما سمعته يوماً يُسـَفه رأياً لصديق أو ينال من وجهة نظر لم يقتنع بصوابها.. كان يتحدث عن القضايا المشتركة التي تجذب اهتمام الجميع.. عن "الهـَمّ الفلسطيني"، عن الشؤون الخاصة.. وكان لا يتوانى عن مدّ يد المساعدة، وكان في الوقت نفسه يبدي رأيه بصراحة، ينتقد بإيجابية، ويثني بإيجابية.‏

ذلك الفلسطيني الهائل، بانتمائه، كان متواضعا جداً، وكان مؤمنا بتفاعل الفكر الانساني، لصالح الانسان في مواجهة العنصرية والاحتلال، وسيطرة القوى الكبرى الغاشمة على مقدرات الشعوب المناضلة من اجل الحرية والاستقلال.

مات أحد المناضلين الفلسطينيين المثابرين..

ذهب الرجل على إيقاع الأيام المطفأة،

عبر أنفاق السبات والذكرى..

لكن فلسطين ستبقى في انتظاره،

في دُغشة الصباحات الشاحبة،

وفي ليالي الوجد،

كما في مواسم وأعياد عاشقيها.

وداعاً.. أبا الفهد،

سيبقى مكانك عابقاً بأريج المحبة والوفاء..‏

أيها المناضل الفلسطيني حتى النخاع،

لك الغار والندى..

فالأشجار تموت واقفة.

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق