العالم العربي ونهاية عام: إشتدي أزمة تنفرجي

العالم العربي ونهاية عام: إشتدي أزمة تنفرجي

ها هي سنة أخرى تمضي بعد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين والعالم العربي يزداد فرقة وتخلفا وتغولا في الفساد والتفكك والتشرذم والتبعية والاحتلال الأجنبي.

إحدى عشرة سنة تحولت فيها إيران إلى قوة إقليمية تكاد تفتح باب النادي النووي عنوة لتحتل مقعدا إلى جانب الأعضاء التسعة الآخرين، وتركيا تحولت إلى دولة شبه عظمى تحتل الموقع السابع عشر في تصنيف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي معا للقوى الاقتصادية في العالم بناتج دخل محلي بقيمة 614 مليار دولار.

العراق وقع تحت احتلال أجنبي أطلق الغول الطائفي ليلغ في دماء العراقيين ويقتل ما لم تقتله الصواريخ الذكية والقنابل الفراغية واليوارنيوم المنضد ويشرد مليونين للدول المجاورة ومليونين آخرين داخل البلاد ويخلف عراقا ممزقا أو شبه ممزق يحتل المرتبة الرابعة قبل الأخيرة في سلم الفساد حيث لم يزد عنه فسادا إلا أفغانستان وميانمار والصومال.

السودان على أبواب التفكك حيث سينسلخ عنه جنوبه، ربما مقدمة لانسلاخ دارفور، وكل ما يسعى إليه محاولة الإبقاء على جزء من منابع النفط في أبيي كي لا يستكمل الخنق الاقتصادي التفكك الجغرافي، واليمن في الطريق إلى أن يصبح دولة فاشلة لا تسيطر لا على الأرض ولا على الناس إلا بآلة الموت والدمار مما يوسع دائرة المعارضة ويحول حركات الاحتجاج إلى تمرد مسلح يستعين النظام بأدوات خارجية للسيطرة عليه.

إحدى عشرة سنة شهدت خمس حروب خارجية أولها كان على مناطق دولة الوهم الفلسطينية (2002) فالعراق (2003) ثم لبنان (12 تموز/يوليو 2006) فالصومال (20 تموز/يوليو 2006) وأخيرا غزة (2008-2009). وصراعات داخلية في اليمن والسودان والصومال وفلسطين ونهر البارد شمال لبنان والجزائر، وقلوبنا على لبنان آملين ألا يعود ويدلف من نفس البوابة مرة أخرى.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
إتجاه وطني وعقلاني

إحدى عشرة سنة والمشهد المأساوي يزداد مأساوية: مزيد من التبعية، مزيد من التفكك، مزيد من التخلف، تجذر للدكتاتورية، انتشار أوسع للفساد، نظام التوريث مستمر على أكثر من جبهة، انطلاق أخطر للصراعات الدينية والمذهبية والعرقية وإهدار أوسع للثروات الفائضة على سلاح خردة لا يخدم أحدا إلا تحريك الاقتصاد الأمريكي، انتشار أوسع للتطرف الديني والمذهبي وسلاح التكفير مرفوع في وجه كل معارض، والتفات أكبر لمظاهر الدين كالحجاب واللحى والسروال وجلد النساء في الميادين العامة لأنهن يلبسن البناطيل وغياب أكبر لجوهر الدين كالعدل والتكافل ومحاربة الجوع والفساد ونشر مجتمع الفضيلة والرحمة وانصياع الحاكم العادل لإرادة المحكومين المتساوين في الحقوق والواجبات.

ومع كل هذا المشهد السريالي الغريب يذهب الناس يوميا لشؤون حياتهم، يجلسون على المقاهي ويعبون النرجيلة، ويغالي بعض الكتاب في مديح الحكام خاصة عندما يصابون بوعكات بعد أن "بلغوا من الكبر عتيا" لدرجة تثير الاشمئزاز، ويجزل الحاكم العطايا على المريدين وماسحي الأحذية وشعراء السلاطين رغم كل ما كشفته مؤسسة وكيليكس من وثائق لا أحد يشكك في مصداقيتها لكن الكثير يتساءل عن مدى انتقائيتها.

إحدى عشرة سنة لم يتغير حاكم عربي واحد (مع الاعتذار للرئيس إميل لحود) إلا نتيجة موت طبيعي بعد عمر مديد أو الإعدام بالمقصلة أو حبات سم من قوى خارجية أو انقلاب أمريكي على حاكم رديء واستبداله بحاكم أكثر حيوية وشبابا.

قارنوا الإنجازات التي حققتها تشيلي والبرازيل والمكسيك وتركيا والهند وأندونيسيا وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا مع ما راكمته الدول العربية مجتمعة (بدون نفط) فالنتيجة أبراج شاهقة ويخوت فارهة وقصور زاهرة وقنوات أغان هابطة وقنوات فتاوى على الهواء مهووسة بالجنس والمرأة والزواج وانتشار أوسع لمقاهي النرجيلة ليس فقط من الدار البيضاء غربا لأربيل شرقا بل وسجلت الظاهرة انتصارا عربيا بامتياز في جنيف ولندن ونيويورك. ا

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
لبنان الجديدة والمقاومة الفلسطينية

لدول التي تحترم أنفسها تدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية بالاختراعات الألكترونية والأدوية والإنجازات الرياضية، والعرب يدخلونها بأطباق الحمص والتبولة والكنافة والمسخن والبقلاوة وأخيرا بأغلى شجرة عيد ميلاد في التاريخ والتي فاقت تكاليفها 11 مليون دولار حيث رصعت بالذهب والماس والياقوت والزمرد.

كنيسة سيدة النجاة في بغداد

من المؤسف أن تمر جريمة العام بامتياز والتي استهدفت المصلين من الإخوة السريان المسيحيين في كنيسة سيدة النجاة في بغدادK في قداس الأحد الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)K دونما استنكار أو استهجان كبيرين بحجم المأساة كما أن دعوة أسقف السريان الأرثوذكس في لندن اثناسيوس داود المسيحيين إلى الهروب فوراً من العراق لأنهم "سيقتلون الواحد تلو الآخر"، كذلك لم تثر رد فعل مناسب، بل وعلى العكس لقد استجاب أكثر من ألف مسيحي وهجروا أماكنهم وانتقلوا إلى مناطق كردستان في شمال العراق كخطوة أولى على طريق الهجرة الدائمة من العراق.

ومن المؤسف أيضا أن الحكومات العربية لم تحرك ساكناً حيال قضية لها ارتدادات خطيرة على مكونات المجتمع العراقي كله وتداعيات أخطر على مستوى المنطقة والدول العربية عندما تدعها نهباً للتدخل الدولي وكأنها، شاءت أم أبت، تغذي الفتن الطائفية والتي إذا ما انطلقت من عقالها لن تبقي ولن تذر في مجتمعات ظلت التعددية مصدر قوة وثروة لها على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا.

لقد كان الاعتداء على كنيسة سيدة النجاة الذي خلف أكثر من 52 قتيلا و67 جريحا، على الأقل، مجزرة بحق الإنسانية وبحق عراق التعدد والتعايش والتسامح والحضارة، لكنه وفي سياق ما يجري في العراق هو واحد من الاعتداءات اليومية البشعة التي طالت كل مكونات البلاد السياسية والعرقية والدينية والاجتماعية، لكن الخطورة في هذا العدوان ليس فقط في بشاعته المفرطة بل أيضا في مغزاه الخطير الهادف إلى تفريغ العراق من عنصره المسيحي العظيم الذي ساهم في نهضة العراق والعروبة كلها.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
مانويل مسلم جبهة مقاومة

هذه المجزرة تذكرنا بمجزرة الفرهود عام 1941 والتي ذهب ضحيتها نحو 100 يهودي مما أدى إلى تفريغ العراق من مكونها اليهودي وخاصة عندما لاحت الفرصة عام 1952 بعد إسقاط الجنسية العراقية عن السكان اليهود مما أضاف أكثر من 100 ألف إلى سكان الكيان الذي كان قد أنشئ حديثا على أرض فلسطين وكان بحاجة ماسة إلى المزيد من السكان كي يبتلع المزيد من الأرض.

وهذه المجزرة تقدم خدمة مجانية لنفس الكيان الذي يعمم فكرة عدم التعايش بين المسلمين وغير المسلمين... "فها هم المسلمون يذبحون بدم بارد أبناء شعبهم من الديانات الأخرى فلماذا يلومنا أحد إن طالبنا بنقاء يهودية الدولة؟". مثل هذه المجزرة تعزز الصورة النمطية للإسلام وتكرس مفهوم الإقصاء ورفض الآخر وانهيار مجتمع التعددية التي قامت عليها البلدان العربية منذ إنشائها وجوهرتها العراق.

لقاء رموز السلطة الفلسطينية الثلاث مع نقابة الكتاب والصحفيين المصريين

رغم كل المهازل التي تعرضت لها قيادات أوسلو خلال السنة المنصرمة وخاصة الركلة التي تلقوها من إدارة أوباما عندما تراجع بشكل مذل حتى عن طلب تجميد الاستيطات لمدة ثلاثة شهور مقابل سلة من المغريات التي يسيل لها لعاب أية دولة أخرى، إلا أنني أعتبر لقاء زعماء أوسلو الثلاثة: رئيس السلطة وكبير المفاوضين وعراب التنازل عن حق العودة، مع عدد من الأدباء والكتاب والفنانين المصريين، في بداية شهر تشرين الأول (أكتوبر) في أحد الفنادق، إهانة كبرى لعدالة القضية المركزية للأمة حيث طلبوا من قيادات الاتحاد بشكل "عبيط" زيارة الشعب السجين على اعتبار أن زيارة الأسرى ليس تطبـيعا.

الغريب أن الجلسة ضمت عددا ممن ليس لهم في الكتابة والأدب لا ناقة ولا جمل مثل فردوس عبد الحميد وزوجها وسهير المرشدي وخالد النبوي وغيرهم. وسأل أحدهم الرئيس: هل ستعطيني تأشيرة دخول؟ قال سنصدرها من سلطات الاحتلال، ولا علاقة لكم بها ولن تتعاملوا مع السلطات الإسرائيلية. فقيل للرئيس ما دمت أنت لا تتحرك إلا بإذن من قوات الاحتلال ولا تملك حق منحنا تأشيرة الدخول، إذن المطلوب هو التطبيع المجاني مع إسرائيل.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
صدام حسين

لقد تلقى القادة الثلاثة صفعة حامية أخرى بحيث انسحبوا من الاجتماع ونسوا أو تناسوا وداع الوفد برئاسة السيد محمد سلماوي، رئيس اتحاد الكتاب. لقد احتار وفد الكتاب المصريين في سبب تطوع القياديين الثلاثة لمحاولة اختراق الاتحاد لصالح التطبيع، إلى أن تبين لهم أن حزمة التطمينات التي قدمتها إدارة أوباما لنتنياهو طويلة، تتضمن التزام السلطة الفلسطينية بدفع التطبيع العربي الى الأمام بكل ما تملك من قوة، مقابل أن يرق "قلب نتنياهو القاسي" ويعطي عمال بناء المستوطنات إجازة لمدة ثلاثة شهور.

ألهذا المستوى تنحدر هذه القيادة التي لا تقود إلا جيشا من البيروقراطيين وأجهزة الأمن، فتتحول إلى عراب للتطبيع؟ قد نجد ما يبرر مثل تلك الخطوات لو عاد أبو مازن من زيارة البيت الأبيض وفي جعبته قرار إنشاء الدولة المترابطة والقابلة للحياة وعاصمتها القدس، لكن العصي على الفهم أن يقدموا عربونا لإدارة أوباما/نتنياهو بجر الكتاب المصريين إلى التطبيع سلفا، لعل وعسى أن يجمد الاستيطان. وهل بلغت بهم السذاجة كي يتخيلوا أن اتحاد الكتاب المصريين العظيم الذي قاوم التطبيع لمدة 31 عاما منذ اتفاقية كامب ديفيد سينهار بعد وجبة عشاء عابرة إكراما لقيادات أوسلو؟

الانتخابات البرلمانية في مصر

"تزوير وفساد ومحسوبيه وظلم وقهر وقانون طواريء وغلاء أسعار وزحمة مرورية في كل مكان وجشع من أصحاب المصالح وفساد إداري وسرقات ونهب ورشاوي وكل انواع الفساد بكافة أشكاله"، هذا ما كتبه مواطن مصري عادي في أحد المواقع الألكترونية المعنية بانتخابات مجلس الشعب المصري الأخيرة التي عقدت في 28 من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي والتي لم تزد المشاركة فيها عن 15% حسب مصادر المعارضة وعن 30% حسب مصادر الحكومة.

انتخابات سبقتها اعتقالات لنحو 1200 من رموز المعارضة وخاصة من جماعة الإخوان المسلمين. كما رفضت كافة المحاولات لدعوة منظمات دولية نزيهة لمراقبة سير العملية الانتخابية، حيث انتقلت مسؤولية مراقبة الانتخابات بقرار رئاسي عام 2007 من وزارة العدل إلى دوائر الحكومة وأجهزة الأمن. أما يوم الانتخابات فقد تميز بالعنف والتدخل والاستفزاز وتقارير الفضائيات العربية والدولية لم تترك مجالا لاجتهاد.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
مستقبل تونس إلى أين؟

إحدى المرشحات عن حزب يساري معارض أبلغت وكالة أنباء أجنبية أن مجرد الترشح عن حزب معارض يضعك في موقع الاتهام وكأنك "تاجر مخدرات، فلا تأمن بعدها على نفسك ولا ممتلكاتك ولا وظيفتك ولا على أفراد عائلتك".

الحزب الوطني يتعامل مع مصر وكأنها قطعة عقار مسجلة باسمه حصريا وعلى رأي عنوان كبير في جريدة الوفد "الحزب الوطني الديمقراطي ينافس الحزب الوطني الديمقراطي". لقد كانت الحكومة مصصمة ألا تتكرر انتخابات 2005 عندما اكتسح مرشحو الجماعة الانتخابات وفازوا بنحو ربع المقاعد مما اضطر الحكومة أن تتدخل. هذه المرة تريد الحكومة برلمانا من لون واحد قبيل انتخابات الرئاسة القادمة عام 2011 حتى لا تمنح منبرا للمعارضة بشقيها الإسلامي واليساري للطعن في انتخابات الرئاسة على مسمع من كافة أبناء الشعب المصري والعربي الذي يتابع جلسات البرلمان فيما لو نقلت الجلسات على الهواء. وبعد ذلك نسأل لماذا يتصرف النظام بهذه البلطجة الجافة لو كان واثقا من نفسه ومستندا إلى إنجازاته العظيمة؟

هذه هي الديمقراطية على الطريقة العربية. فالنظام العربي بشكل عام إما أن يلغي فكرة الانتخابات كليا ويستند إلى الشرعية الوراثية التي لا توجد إلا في العالم العربي وكوريا الشمالية أو أن يقوم بمسرحية هزيلة تدعى الانتخابات لتعزيز النظام وإغلاق فرص التعددية وتناوب السلطة، ولا غرابة في أن الجماهير العريضة لا تعطي هذه الانتخابات وزنا فتفضل أن تبقى في بيوتها وتعتبره يوم إجازة مدفوعة الأجر. وإن حدث ووقعت انتخابات حقيقية تؤدي إلى فوز المعارضة فالانقلاب العسكري أو الأمني بانتظار النتائج كما حدث مع حكومة الصادق المهدي في السودان عام 1989 وانتصار حماس في الانتخابات الفلسطينية عام 2006 وانتخاب سيدي ولد الشيخ عبد الله في موريتانيا عام 2007.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
تحدي

الحراك الجماهيري آتٍ آت

إذن المشهد العام في العالم العربي يكاد يخلو من أي بصيص أمل. لقد كشفت وثائق وكيليكس مدى تهافت هذه الأنظمة وارتباطها بعجلة السياسة الأمريكية الإسرائيلية وكل همها رضى السيد الأمريكي عنها. إلا أن من ينقب في كومة الركام هذه سيعثر على زهرات قليلة طالعة من عمق الجراح موزعة بطريقة عشوائية، لكن المهم فيها انها تنبئ أن بذور الورد لا تزال حبيسة تحت الخراب تفتش لها عن مخرج، وكلما وجدت متنفسا ولو ضيقا سارعت وانسلت من الفتحة لتشهر تويجها الجميل أمام الملأ، والمتتبع للمشهد السريالي العربي لا بد أن يلحظ رزمة من تلك المظاهر التي تبعث على شيء من الأمل.

فبعد ظهور نتائج الانتخابات في مصر، والمحسومة سلفا، شهدت جامعات عين شمس والزقازيق وحلوان مظاهرات طلابية غاضبة احتجاجا على نتائج الجولة الأولى لاختيار أعضاء مجلس الشعب وردد المتظاهرون المحسوبون على المعارضة الإسلامية هتافات منددة بما أسموه بتدخلات الدولة وأجهزة الأمن لتزوير انتخابات مجلس الشعب من نوع "يا أهالينا يا أهالينا.. التزوير قدام عينينا" و"اللي يزور فى الصناديق.. يبقى خاين يبقى عميل" و"الميعاد يوم الحساب.. يامزورين الانتخاب" و"كل المجلس اتباع الوطني.. ضعتِ يا مصر وضعت يا وطني" و"فين النصر فين النصر.. فاز الحزب وخسرت مصر" وفى جامعة عين شمس خرج طلاب وطالبات الجماعة إلى شارع الخليفة المأمون المواجه للحرم الجامعى حاملين أعلام مصر للتنديد بما شهدته الانتخابات من أحداث عنف وعمليات تزوير واسعة النطاق وفى جامعة حلوان نظم الطلاب مسيرة حاشدة داخل الحرم الجامعي للتنديد بما حدث في الانتخابات البرلمانية الاخيرة من تزوير وبلطجة مرددين هتافات منها "ارتاح يا خالد يا سعيد.. بكره الحق هيجي أكيد" و"كل الشعب قالها بحق.. هنقول للتزوير لأ" و"يا مصري قولها صريحه.. اللي بيحصل عار وفضيحة".

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
حين نتحرك عشوائيا

هذا الحراك الذي لم يهدأ منذ الانتخابات كالرذاذ الذي يسبق انهمار المطر، فالغيث لا بد آت ومن مصر بالذات.

وفي تحرك جماهيري آخر في جنوب المغرب من أبناء الصحراء المقيمين في مخيم العيون احتجاجا على غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار قاموا بنصب خيم خارج العيون والإقامة فيها. ازدادت الظاهرة اتساعا فوصل عدد الخيام إلى 8,000 خيمة يقطنها نحو 30,000 صحراوي.

وهنا يجب أن ننوه أن الصحراويين هؤلاء يعتبرون أنفسهم مغاربة ولا يطالبون بالانفصال وجل مطالبهم تتركز في رفض التهميش والتمييز والحرمان وتحسين الأوضاع المعيشية.

وفي الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر)، وهو اليوم الذي كان مقررا لبدء جولة من المفاوضات غير الرسمية بين وفد الحكومة المغربية وجبهة البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة، قامت قوات الأمن المغربية بتطويق المخيم ومهاجمة المحتجين بخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع لكن المواجهات تطورت إلى اشتباكات مسلحة وأدت إلى وقوع ضحايا من الطرفين قدرت بإحدى عشرة ضحية.

لكن الصحراويين في مخيم إقديم إزيك خارج العيون يؤكدون أن قوات الأمن المغربية ظلت تحاصر المخيم منذ إنشائه في أوائل تشرين الأول (أكتوبر)، فبدأت مخزونات الناس من الطعام والماء تتراجع فتحول الاحتجاج الصامت إلى صراخ والصراخ إلى حركة شبه منظمة تطالب بإنهاء التهميش والتمييز ضد أبناء الصحراء الأصليين. فكان رد فعل القوات المغربية عنيفا مستخدمين الطائرات العمودية والذخيرة الحية وإشعال النار في الخيم.

إنه النموذج الأشهر للتعامل مع تحركات الجماهير العفوية لا يختلف كثيرا عما يحدث في مصر أو اليمن أو تونس أو الكويت أو في مناطق السلطة الفلسطينية.

أما في الجنوب اللبناني فما زال هناك رجال يقبضون على الجمر ويتحدون منظومة الاستسلام العربي ويطورون أنفسهم علميا وجاهزية، إذ إن التطور العلمي والتكنولوجي قد أدى إلى كشف الكثير من خلايا التجسس وأجهزة التنصت سواء التي زرعت في جبل صنين أو في زواريب صور وصيدا. تجدهم في ميادين السياسة حضاريين وفي العمل الجماهيري روادا وفي إعادة الإعمار وتدمير ما خلفته الحرب رجال مسؤولية. تنظيمهم غير مخترق، كما هي العادة عند التنظيمات العربية، وقياداتهم متواضعة بل وملتصقة بجماهيرها التي تشكل الحماية الحقيقية لكل قائد نابع من إرادة شعبه وجماهيره. إنهم النموذج الأكثر إشراقا في هذا العالم العربي الذي يساوم قادته على كرامة أوطانهم من أجل البقاء في السلطة.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
فيسبوك والديمقراطية

ونحن نودع عاما آخر مليئا بالفضائح والهزائم والضحايا والتشرذم والتشظي، لا نملك إلا أن نجدد الأمل في الحراك الجماهيري العربي العفوي منه والمنظم، من موريتانيا غربا إلى اليمن جنوبا والكويت شرقا. فهذه الأمة التي "بلغت من العلياء كل مكان" ما زالت تـنضح بالخير وروح التضحية والتغيير للأحسن بعيدا عن التطرف الديني والتعصب والشوفينية العرقية والانصياع لإملاءات الأجنبي.

هذا التغيير آتٍ لا محالة والأمة لا بد أن تنتفض عندما تـُمس كرامتها الوطنية ويتمادى أعداؤها في الاستهتار بها وعندما يهدد الناس في قوت حياتهم اليومي كما صرخ محمود درويش يوما: "إنا نحب الورد لكنا نحب القمح أكثر، ونحب عطر الورد لكن السنابل منه أطهر".

عبد الحميد صيام - أمريكا
أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
أحدث
أقدم
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
روزانا خيربك
روزانا خيربك
2010/12/26 - 12:18 ص

تشكر لهذا الموضوع القوي و التحليل العميق

1
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x