الوحدة العربية: قومية أم إسلامية؟

بقلم/
مصر : ۱٦-۱۲-۲۰۱۳ - ۱۰:۳۸ ص - نشر

الوحدة العربية: قومية إسلامية؟النظرة الأولى للوطن العربي، الدول العربية والإسلامية، ربما تسبب حالة من الغثيان بسبب ما تكشفه من صنوف المعاناة والفرقة بين تلك الدول، دولٌ تعاني من فقر مدقع وأخرى تتهاوى من ضربات الإستعمار والإحتلال، وبعضها تعيش في رغدٍ ونعيم.

وترى تلك الدول لا يعنيها شأن جيرنها من الدول الأخرى مع وجود كثير من الراوبط التي تربطها مثل العقدية والقومية والعرقية، ولكن تلك الدول انشقت عن بعضها واختارت كل واحدة منها طريقا تناسبها وتحقق لها مصالحها.

لقد كانت الوحدة العربية مطلبا قديما لكثير من العرب، ولعل من أبرز المنادين بها "حركة القوميين العرب" التي تأسست في أعقاب نكبة فلسطين في العام ١٩٤٨، ولكن سرعان ما اختفت هذه الحركة وفشلت فيما ترنو إليه، وكثير قد سار على درب هذه الحركة وأهدافها ولكن نالهم ما كان لحركة القوميين من فشل أيضا.

أنا لا أنفي أن الوحدة العربية تعتبر مصلحة عليا لكل الدول العربية، فقيامها سيشد من عضد كل تلك الدول سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وسيجعلها موحدةً قولاً وعملاً أمام أعدائها، فما استساغ الأعداء اضطهادنا إلا من بعد تفرقنا وتشرذمنا جغرافياً وفكرياً.

ولكنني أجزم أن هناك فشلاً لا يمكن اجتنابه في الطريق التي سلكها من كان قبلنا لتحقيق هذا الهدف، فالوحدة على أساس القومية والوطنية فشلت، ولا نعلم هل كان سبب الفشل من أصحاب الفكرة أم من الفكرة نفسها، إلا إنني أميل للأخيرة، فإذا كان لدينا جيشاً كبيراً يقاتل لفكرة واحدة ولكنه لم يحقق نجاحاً البته، فحينها نعلم أن الإشكال يكون في هذه الفكرة، وهكذا كانت فكرة الوحدة القومية، سار عليها كثير من المنظرين والقادة إلا إنهم لم يحققوا نجاحاً يذكر حتى الآن.

إن الوحدة بين الدول العربية والإسلامية تحتاج إلى رابط قوي يجمعها، وباعتقادي أن رابط القومية والوطنية لا يكفي لجمعِ شمل كل تلك الدول المترامية الأطراف جغرافياً وفكرياً، فالأمر يحتاج إلى رابط يحمل فكرة واحدة غير متنازع عليها، ولعلنا نرجع للوراء قليلاً وننظر إلى الدولة الإسلامية التي قامت في المدينة المنورة وصولاً إلى انتهائها أخيراً بالدولة العثمانية، فتلك الدولة قامت على أساس عقائدي وهو "الدين" فكان من الصعب الإختلاف حول هذه الفكرة، فتلك الدولة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في الوحدة الجغرافية والفكرية.

ولنفترض جدلاً أن الوحدة قامت على أساس القومية، فحينها ستتوحد الدول جغرافياً ولكنها من المستحيل أن تتوحد فكرياً، فكل قطر من الأقطار سيحمل فكراً مختلفاً عن الآخر مما يجعل الترابط بينها صورياً خاوياً من المضمون، فالوحدة يجب أن تكون مترابطة خارجياً من خلال الوصل الجغرافي والحدودي، وداخلياً من خلال الفكرة الموحدة لدى الجميع.

أعتقد أن الوحدة على أساس القومية والوطنية قد باءت بالفشل حقاً، ولم نرى لها مثالاً في سابق التاريخ ولا حاضره، فلم يسبق لأحد أن خاض غمارها، ولكن الوحدة على أساس "الإسلامية" قد شاهدنا أو قرأنا عنها أمثلة كثيرة، بدءاً من الدولة الإسلامية في المدينة المنورة ومروراً بالدولة الأموية والعباسية ووصولاً للدولة العثمانية.

وبغض النظر عما كان يعتري تلك الدول في آخر أيامها من ظلم وفساد، إلا أنها حققت نجاحاً منقطع النظير في الوحدة الجغرافية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية، فمصطلح الإسلامية يعتبر أعم وأشمل من المصطلحات القومية والوطنية، فربما يلتقي القوميون والوطنيون في نقاط عدة، ولكنهم سيختلفون في نظرتهم لكثير من الأمور السياسية والإقتصادية، فالمصطلح الإسلامي يعطي تصوراً كاملاً ومتكاملاً عن الحياة الإنسانية بشتى مناحيها، السياسية والإقتصادية وما إلى ذلك من متطلبات العيش والتوافق الإنساني والبشري.

ولكن تبقى الوحدة على أساس "الإسلامية" محط خوف من بعض الجهات القومية والوطنية، بسبب كثير من المفاهيم الخاطئة التي وردت إلى أذهانهم ممن أساؤوا تفسير الدولة الإسلامية، فهم قد صوروا تلك الدولة بأنها دولة خاصة بالمسلمين، تهدف للقضاء على الديانات الأخرى، وغيرها من التصورات المبالغ فيها.

لقد قدمت لنا الدولة الإسلامية سابقاً نموذجاً واضحاً في التعامل مع أصحاب الديانات الأخرى ولا أذكر أن التاريخ قد نقل لنا حالة واحدة فيها ظلم أو اضطهاد لأصحاب تلك الديانات في الدولة الإسلامية، بل قدمت لهم كثير من الحقوق ومنحتهم حرية العبادة والديانة.

إن وحدة الدول العربية والإسلامية باتت أمراً ضرورياً في ظل تلك الأزمات التي يمر بها العالم اليوم، ولاسيما الأزمات السياسية والإقتصادية المتلاحقة التي من شأنها أن تنهك أعتى وأقوى الدول، وأثق تماماً أن تلك الوحدة من شأنها أن تمحو عنا صورة الوهن والخنوع التي باتت ملاصقة لنا منذ عهد الإنتداب البريطاني والفرنسي، فتلك الحدود التي قسمت الدول العربية والتي وضعها بالأساس ذلك الإنتداب باتت للأسف محل افتخارٍ وسيادة لتلك الدول، وهم يغفلون أن هذه الحدود هي من أكبر الأسباب التي عملت على تفتيت وشرذمة العرب جغرافياً وفكرياً.

إن فكرة الوحدة العربية فكرة يتفق عليها جميع العرب والمسلمين، ولكن يبقى الإختلاف الجوهري لهذه القصية، ما هو الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه تلك الوحدة، أهي القومية أم الوطنية أم الإسلامية؟

ضياء عبد العزيزغزة  فلسطين

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • بوننا سيدي أعثيمين

    إذا كان لكل مقدمة يراد لها أن تنتهي إلى نتيجة فإن مقدمة وحدة العالم الاسلامي هي الوحدة العربية تحت شعار الوحدة العربية أولا من أجل وحدة العالم الإسلامي.
    إن الرجوع بالذاكرة إلى الوراء يؤدي إلى الوقوف على أن الوحدة العربية كانت هي الأساس الذي قامت عليه وحدة العالم الإسلامي، وإن منطق الأشاء وطبائع الأمور تشير بكل وضوح إلى أن الوحدة العربية عند تمامها ستتسابق جميع الدول الإسلامية ستتسابق إلى الدخول في شكل من أشكال التوحد مع الدولة العربية الإسلامية.
    أما القول بوجوب الوحدة الإسلامية فإنه يعني المطالبة بوحدة المذاهب على اختلافها وتشعبها وحدة الخلاف بين معتنقيها ولن يفضي ذلك إلا إلى المزيد من التنافر والتباغض والتناحر.

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق